Modern technology gives us many things.

The short URL of the present article is: https://followict.news/w8qr
جايزة 160
جايزة 160

ليونيل لوران يكتب: ارتفاع تكاليف الذكاء الاصطناعي يضغط على البنوك

بلغ شغف القطاع المالي بالذكاء الاصطناعي حدّ الهوس، حتى في أوروبا التي لطالما عُرفت بتأخرها النسبي في تبني التكنولوجيا. وبعيداً عن الإعلانات الرنّانة من “إتش إس بي سي”، أو التصريحات غير الموفقة من “ستاندرد تشارترد”، يكفي أن تتحدث إلى أي مدير صندوق أو مصرفي أو متداول لتسمع قصصاً عن تسارع تبنّي هذه التكنولوجيا وتجريبها داخل المؤسسات المالية.

تتراوح الاستخدامات بين المهام اليومية البسيطة وأكثر زوايا عالم المال احتياجاً للقدرات الذهنية، من تجميع توصيات المحللين ضمن نظام تقييم آلي شخصي، إلى تدريب روبوتات المحادثة على طرح أفكار لتوزيع المحافظ الاستثمارية بعيداً عن الاقتراحات المكررة بصيغ مختلفة، وصولاً إلى تولّي الجزء الأكبر من كتابة الأكواد البرمجية لعباقرة التداول الكمي.

كلفة مساعد الذكاء الاصطناعي “كلود” تضغط على البنوك

لكن إذا كانت هناك من عقبة حالياً، فهي التكلفة. إذ تضغط اختناقات الإمدادات على مختلف مكونات منظومة الذكاء الاصطناعي، ولا سيما قدرات الحوسبة. ويشتكي مستخدمو مساعد الذكاء الاصطناعي الشهير “كلود” (Claude) التابع لشركة “أنثروبيك” من قفزات حادة في الأسعار. وحتى اتفاق “أنثروبيك” الأخير مع “سبيس إكس” لزيادة قدراتها الحاسوبية لم ينجح بالكامل في استيعاب الطلب المتزايد من العملاء على المهام المكلفة والمتعطشة لقدرات معالجة هائلة، ما يعني أن الأسعار قد تتجه إلى مزيد من الارتفاع.

بدأت شكاوى العاملين في القطاع المالي من تكلفة “كلود”، المفضّل لدى المصرفيين المهووسين بالتكنولوجيا، تشبه بشكل متزايد تذمر شركات التكنولوجيا نفسها. فالفاتورة مرشحة للقفز من عشرات آلاف الدولارات للشركة الواحدة إلى عدة ملايين من الدولارات.

بطبيعة الحال، هذا الطلب المحموم من الموظفين المكتبيين هو نوع المشكلات التي ترحب بها شركات مثل “أنثروبيك”، إذ يمنحها فرصة لفرض زيادات سعرية قد تبدأ أخيراً في تبرير الخسائر الضخمة والتقييمات المتضخمة التي غذّتها موجة الحماس للذكاء الاصطناعي.

وتسير شركة داريو أمودي نحو تسجيل أول ربع سنوي مربح في تاريخها، فيما تدرس المضي في طرح عام أولي لأسهمها في البورصة، ربما في وقت مبكر من أكتوبر المقبل.

تكلفة الذكاء الاصطناعي تهدد عملاء البنوك

لكن التوسع السريع في استخدام وكلاء الذكاء الاصطناعي القادرين على تنفيذ المهام بشكل مستقل، إلى جانب تكلفتهم المتصاعدة، يفرض معضلات جديدة على عملاء القطاع المالي رغم اقتناعهم بالمزايا التي توفرها هذه التكنولوجيا. فذلك يضيف ضغوطاً جديدة على ربحية المؤسسات، ويدفعها إلى خفض النفقات في جوانب أخرى من أعمالها. كما يثير مخاوف من الارتهان لشركات ذكاء اصطناعي محددة، مع انتقال المهارات الجوهرية في تكنولوجيا المعلومات إلى مزودين خارجيين، غالباً ما يكونون أميركيين.

ولذلك، ليس بغريب أن يكون رئيس “ستاندرد تشارترد” قد ضرب على وتر حساس بتصريحاته غير الموفقة حول تراجع دور “رأس المال البشري منخفض القيمة” لصالح رأس المال المالي والاستثماري ضمن استراتيجية البنك للذكاء الاصطناعي. إذ يمكن فهم هذه التصريحات على أن الموظفين أصحاب الرواتب هم من سيتحملون كلفة الارتفاع المتزايد في تكاليف هذه التكنولوجيا.

وكما قال أحد المحللين للبنك: “شركات الذكاء الاصطناعي اليوم لا تحقق أرباحاً وتنفق مبالغ طائلة… أليست المشكلة أننا لا نعرف فعلياً كيف ستسعّر خدماتها بعد عام أو عامين من الآن؟”

نماذج داخلية أقل كلفة

سيتغير على الأرجح سلوك البنوك والمؤسسات المالية الأخرى خلال المرحلة المقبلة. بل يبدو أن القطاع بدأ بالفعل يتخلى تدريجياً عن عقلية “تعظيم استهلاك الرموز” (token-maxxing)، حيث يُنظر إلى الإنفاق الضخم على قدرات معالجة الذكاء الاصطناعي باعتباره مدعاة للتفاخر حتى لو كان جزء كبير منه يذهب هدراً، لينتقل إلى مرحلة أكثر نضجاً، بحسب مستخدمين ومحللين.

اطلعتُ على عدة حالات بدأت فيها مؤسسات مالية تتجه إلى تطوير نماذج داخلية للمهام التي لا تتطلب الاستعانة بنماذج لغوية عملاقة تمتلك معرفة شاملة بكل شيء.

يقول كريستوفر توزي، مؤلف كتاب عن تاريخ البرمجيات مفتوحة المصدر: “ليست كل مهمة بحاجة إلى نموذج متطور من الصف الأول”. وقد يدفع ذلك بعض الشركات إلى طريقة تفكير غير متوقعة، إذ ربما يصبح الموظفون “منخفضو القيمة”، القادرون على تطوير روبوت محادثة داخلي وصيانته بكلفة أقل من الحلول الخارجية، أصحاب مهارات قيّمة.

فرص لتعاون غير مسبوق بين البنوك الأوروبية

ربما تُقدِم المؤسسات المالية حتى على أمر ما كان يمرّ في الخيال حتى، فتتكاتف في ما بينها لتخفيف أعباء تكاليف الذكاء الاصطناعي وتقاسم الخبرات المرتبطة بتطوير النماذج الداخلية. فهذا القطاع لم يُعرف يوماً بقدرته على مشاركة التكنولوجيا أو البيانات، إذ اعتادت البنوك وشركات إدارة الأصول السعي باستمرار للتفوّق على المنافسين.

كما لم يكن القطاع ناجحاً في إتمام عمليات اندماج عابرة للحدود تبدو منطقية اقتصادياً لكنها تصطدم بحساسيات سياسية، مثل مساعي “يوني كريديت” للاستحواذ على “كومرتس بنك”.

وربما يصبح الذكاء الاصطناعي الشرارة التي تعيد رسم طريقة تخصيص رأس المال وتدفع أخيراً نحو موجة اندماجات طال انتظارها، خصوصاً في أجزاء أوروبا التي تعاني فائضاً مصرفياً. وربما يكفي أن يعرض رئيس “يوني كريديت” أندريا أورسيل على المستشار الألماني فريدريش ميرتس حجم ميزانيات الذكاء الاصطناعي المتوقعة للبنوك.

في الوقت الراهن، لا يتوقع كثيرون أن تتمكن أي جهة من اختراق الحواجز التنافسية التي بنتها “أنثروبيك” أو “أوبن إيه آي” في المدى القريب. وربما يكون المتحمسون للذكاء الاصطناعي محقين في رهانهم على أن الخوف من تفويت الفرصة لا يزال قوياً بما يكفي لدفع المؤسسات المالية إلى مواصلة الإنفاق سعياً وراء أي أفضلية ممكنة على المنافسين.

وبحسب بيانات “فورستر”، من المتوقع أن يرتفع الإنفاق التكنولوجي للحكومات والشركات بنحو 8% خلال 2026، في أكبر زيادة يشهدها القطاع منذ سنوات.

هناك بعض أوجه الشبه مع بدايات الحوسبة السحابية، حين بدأت الشركات تطوير بعض الحلول داخلياً من دون أن ينعكس ذلك سلباً بشكل كبير على أرباح عمالقة التكنولوجيا في وادي السيليكون وسياتل. وبالطبع، يساهم الذكاء الاصطناعي أيضاً في تعميق اعتماد أوروبا الجيوسياسي على شركات التكنولوجيا الأميركية العملاقة مثل “أمازون”.

لكن بعدما رأيت بعض المستخدمين ينجحون في تجربة بناء نماذجهم الخاصة، بما خفّف عبء الإنفاق من دون أن يلغيه بالكامل، أتساءل ما إذا كانت هذه المرة ستواجه ضغوطاً أكبر لتجنّب التعهيد الخارجي المفرط والسريع.

ضاعت وسط الضجة التي أثارتها تصريحات بيل وينترز بشأن الذكاء الاصطناعي ملاحظة أكثر حذراً قال فيها: “نحن… نتعامل بعناية شديدة مع تكلفة الذكاء الاصطناعي”. وإذا كان ذلك سيدفع مزيداً من الشركات الأوروبية إلى تعزيز الاعتماد على الذات، فسيكون هذا تطوراً إيجابياً.

ليونيل لوران

كانب في وكالة بلومبرج الأمريكية

 

The short URL of the present article is: https://followict.news/w8qr