Modern technology gives us many things.

The short URL of the present article is: https://followict.news/vmfd
جايزة 160
جايزة 160

تراهن على الطاقة الرخيصة للفوز في سباق الـ AI… السلاح الخفي للصين في حربها مع الولايات المتحدة

في الوقت الذي تركز فيه المنافسة العالمية في مجال الذكاء الاصطناعي على الرقائق المتقدمة وأشباه الموصلات، تمتلك الصين ورقة قوة مختلفة قد تكون أكثر تأثيرًا على المدى الطويل، وهي وفرة الكهرباء منخفضة التكلفة. فبينما لا تزال الولايات المتحدة تتفوق في الوصول إلى أحدث معالجات الذكاء الاصطناعي، تراهن بكين على تفوقها في إنتاج الطاقة لتشغيل البنية التحتية العملاقة التي يعتمد عليها مستقبل الذكاء الاصطناعي.

وتُعد مراكز البيانات العمود الفقري لثورة الذكاء الاصطناعي، إذ تتولى تدريب النماذج الضخمة وتشغيلها ومعالجة كميات هائلة من البيانات. غير أن هذه المرافق تستهلك كميات استثنائية من الكهرباء، حيث تشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى أن مركز بيانات واحدًا قد يستهلك طاقة تعادل استهلاك 100 ألف منزل، بينما يمكن أن تتطلب المراكز العملاقة من الجيل الجديد طاقة تكفي لتشغيل ما يصل إلى مليوني منزل.

وفي هذا السياق، تتمتع الصين بميزة استراتيجية واضحة، إذ تنتج حاليًا أكثر من ضعف كمية الكهرباء التي تنتجها الولايات المتحدة، مع توقعات باتساع هذه الفجوة خلال السنوات المقبلة نتيجة الاستثمارات الضخمة التي تضخها الحكومة الصينية في قطاع الطاقة وشبكات النقل الكهربائي.

وتشير تقديرات مؤسسة BloombergNEF إلى أن الصين ستضيف خلال السنوات الخمس المقبلة قدرات جديدة لتوليد الكهرباء تفوق بأكثر من ست مرات ما ستضيفه الولايات المتحدة خلال الفترة نفسها. كما أن الجزء الأكبر من هذه الزيادة سيأتي من مصادر الطاقة المتجددة، وعلى رأسها الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.

وخلال عام 2025 فقط، أضافت الصين أكثر من 430 جيجا وات من قدرات توليد الكهرباء من مصادر الرياح والطاقة الشمسية، وهو ما يمثل أكثر من نصف إجمالي القدرات المتجددة الجديدة التي دخلت الخدمة عالميًا خلال العام نفسه، ما يعكس تسارع وتيرة التحول الطاقي في البلاد.

وتعتمد بكين على استراتيجية تربط بين توسعها في الذكاء الاصطناعي ونمو قطاع الطاقة المتجددة. ففي إطار مبادرة “بيانات الشرق وحوسبة الغرب”، تتجه الحكومة إلى بناء مراكز بيانات جديدة في المناطق الداخلية ذات الكثافة السكانية المنخفضة، حيث تتوافر الأراضي الرخيصة ومصادر الطاقة المتجددة بكميات كبيرة، بدلًا من المدن الساحلية المزدحمة.

وفي خطوة تعكس هذا التوجه، أعلنت السلطات الصينية مؤخرًا تشغيل أول مشروع واسع النطاق للطاقة المتجددة مرتبط مباشرة بمركز بيانات. ويقع المشروع في منطقة نينغشيا شمال غربي البلاد، ويجمع بين الطاقة الشمسية وطاقة الرياح بقدرة 500 ميجاواط لتزويد مركز بيانات سحابي تديره شركة “تشاينا داتانغ” بالطاقة عبر خط نقل مخصص.

ويرى خبراء أن امتلاك مصادر كهرباء مستقرة ومنخفضة التكلفة ومنخفضة الانبعاثات الكربونية سيصبح أحد أهم عوامل التنافس في عصر الذكاء الاصطناعي. ويقول تشيانغ شيونغ، الباحث في سياسات الطاقة والذكاء الاصطناعي بجامعة رنمين الصينية، إن الدولة القادرة على توفير كهرباء رخيصة وموثوقة ستتمتع بأفضلية كبيرة في بناء وتشغيل البنية التحتية المستقبلية للذكاء الاصطناعي.

ورغم أن الولايات المتحدة لا تزال تتصدر العالم من حيث عدد مراكز البيانات وحجم الاستثمارات المخصصة لها، فإن الصين تواصل تضييق الفجوة بوتيرة متسارعة. ووفقًا لمؤشر الذكاء الاصطناعي الصادر عن جامعة ستانفورد، بلغ عدد مراكز البيانات في الولايات المتحدة 5427 مركزًا خلال عام 2025، مقابل 449 مركزًا في الصين.

كما استحوذت الولايات المتحدة على نحو 45% من إجمالي استهلاك الكهرباء في مراكز البيانات عالميًا خلال عام 2024، مقارنة بـ25% للصين و15% لأوروبا، بحسب وكالة الطاقة الدولية. وفي المقابل، تواصل شركات التكنولوجيا الأمريكية الكبرى مثل أمازون ومايكروسوفت وميتا وألفابت ضخ استثمارات ضخمة في هذا القطاع، حيث تتوقع مؤسسة مورغان ستانلي أن يصل إنفاقها على مراكز البيانات والبنية التحتية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي إلى نحو 630 مليار دولار خلال عام 2026.

لكن الصين تحقق نموًا سريعًا في هذا المجال، إذ ارتفع عدد رفوف الخوادم في مراكز البيانات الصينية بمعدل سنوي بلغ 30% بين عامي 2016 و2023، وفق بيانات الأكاديمية الصينية لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات. كما دفعت القيود الأمريكية المفروضة على تصدير الرقائق المتقدمة بكين إلى تسريع الاعتماد على سلسلة توريد محلية تقودها شركات مثل هواوي وSMIC لتقليل الاعتماد على التقنيات الغربية.

وبحسب تقديرات شركة Rystad Energy، من المتوقع أن تصل القدرة التشغيلية لمراكز البيانات في الصين إلى 60 جيجاواط بحلول عام 2030، أي ما يقرب من ضعف مستواها الحالي، وهو ما سيمثل نحو 2.3% من إجمالي الطلب على الكهرباء في البلاد.

ومع احتدام المنافسة العالمية على قيادة عصر الذكاء الاصطناعي، يبدو أن المعركة لم تعد تقتصر على امتلاك أقوى الرقائق أو أكثر النماذج تطورًا، بل باتت تمتد إلى القدرة على توفير الطاقة اللازمة لتشغيلها، وهو المجال الذي تسعى الصين إلى تحويله إلى أحد أهم أسلحتها الاستراتيجية في مواجهة الولايات المتحدة.

تشير ليا فاهي، كبيرة الاقتصاديين لشؤون الصين في مؤسسة Capital Economics، إلى أن الحجم الهائل للقاعدة الصناعية الصينية، إلى جانب البيئة التنظيمية الأكثر مرونة مقارنة بالولايات المتحدة، يمنح بكين قدرة أكبر على تسريع وتيرة بناء مراكز البيانات والبنية التحتية الداعمة لها.

وأضافت فاهي أن مراكز البيانات المعيارية التي تطورها هواوي يمكن إنجازها خلال نحو ستة أشهر فقط، في حين تستغرق المشاريع المماثلة في الولايات المتحدة عامًا كاملًا أو أكثر للوصول إلى مرحلة التشغيل.


في المقابل، تواجه الولايات المتحدة تحديات متنامية في توفير الطاقة اللازمة لدعم التوسع السريع في تقنيات الذكاء الاصطناعي. فقد أفادت شركة Wood Mackenzie المتخصصة في أبحاث واستشارات الطاقة بأن القيود المفروضة على شبكات الكهرباء الأمريكية أدت إلى تراجع مشاريع مراكز البيانات الجديدة بنحو 50% بحلول نهاية عام 2025 مقارنة بالربع السابق.

ولا تقتصر التحديات على الجوانب التقنية فقط، إذ تواجه مشاريع مراكز البيانات في الولايات المتحدة معارضة متزايدة من المجتمعات المحلية بسبب المخاوف المتعلقة باستهلاك الطاقة والضغط على شبكات الكهرباء والموارد المائية. وعلى النقيض من ذلك، لا تواجه الصين مستوى مماثلًا من المعارضة الشعبية، في ظل القيود المفروضة على الاحتجاجات والمواقف المناهضة للسياسات الحكومية.

ووفقًا لبيانات مشروع Data Center Watch البحثي التابع لشركة 10A Labs المتخصصة في أمن الذكاء الاصطناعي، فقد تم إيقاف أو تعطيل ما لا يقل عن 36 مشروعًا لمراكز البيانات في الولايات المتحدة خلال الفترة الممتدة بين مايو 2024 ويونيو 2025.

واعترف عدد من أبرز قادة قطاع التكنولوجيا العالميين بأهمية عامل الطاقة في سباق الذكاء الاصطناعي، ومن بينهم إيلون ماسك، و جنسن هوانج، وسام ألتمان. حيث ماسك، خلال مشاركته في المنتدى الاقتصادي العالمي في يناير الماضي، إن العامل الأكثر تأثيرًا في نشر تقنيات الذكاء الاصطناعي لم يعد يتمثل في الرقائق الإلكترونية وحدها، بل في القدرة على توفير الكهرباء اللازمة لتشغيلها.

وأضاف أن العالم قد يصل قريبًا إلى مرحلة تصبح فيها القدرة الإنتاجية للرقائق الإلكترونية أعلى من القدرة المتاحة لتشغيلها، مستثنيًا الصين التي تشهد توسعًا هائلًا في قطاع الطاقة الكهربائية.

من جانبه، يرى هوارد يو، مدير مركز الاستعداد للمستقبل في كلية إدارة الأعمال IMD السويسرية، أن المنافسة في مجال الذكاء الاصطناعي تحولت من كونها سباقًا على أشباه الموصلات إلى معركة على موارد الطاقة.

وأوضح أن الشركات والدول الرائدة في المرحلة المقبلة ستكون تلك القادرة على تأمين الرقائق الإلكترونية، وعقود الطاقة طويلة الأجل، ومصادر التبريد المائي، مشيرًا إلى أن الصين صاغت استراتيجيتها اعتمادًا على الموارد التي تمتلك قدرة أكبر على التحكم فيها.

ورغم المزايا التي تتمتع بها الصين في قطاع الطاقة، فإن الطريق ليس خاليًا من العقبات. فمع أن الحكومة تدفع بقوة نحو ربط مراكز البيانات الجديدة بمشروعات الطاقة المتجددة في المناطق الغربية النائية، لا تزال النسبة الأكبر من البنية التحتية الرقمية متركزة في المناطق الحضرية الكبرى شرق البلاد، بما في ذلك مدن بكين وتيانجين وشنغهاي وقوانغتشو وشنتشن.

وأشار أندرس هوف، الباحث الرئيسي في معهد أكسفورد لدراسات الطاقة، إلى أن هذه المناطق تواجه بدورها ضغوطًا متزايدة على إمدادات الكهرباء، ما دفع السلطات إلى فرض قيود على إنشاء مراكز بيانات جديدة في بعض المواقع.

وأضاف هوف أن شبكة الكهرباء الصينية تعاني أيضًا من تحديات هيكلية تتعلق بضعف التكامل بين الأقاليم المختلفة، إذ لا يزال نظام توزيع الطاقة يعتمد بدرجة كبيرة على إدارة المقاطعات بشكل منفصل، بينما تعمل العديد من خطوط النقل الرئيسية في اتجاه واحد فقط.

وأوضح أن الحكومة المركزية تسعى منذ سنوات إلى إنشاء أسواق كهرباء إقليمية أكثر تكاملًا وتطوير آليات تداول أكثر مرونة، إلا أن وتيرة تنفيذ هذه الإصلاحات لا تزال أبطأ من الطموحات المعلنة.

وفي ظل هذا المشهد، يبدو أن المنافسة بين الصين والولايات المتحدة في مجال الذكاء الاصطناعي لن تُحسم فقط عبر امتلاك أحدث الرقائق أو أقوى النماذج، بل عبر القدرة على تأمين مورد بات يُنظر إليه باعتباره الوقود الحقيقي لعصر الذكاء الاصطناعي: الكهرباء.

 

The short URL of the present article is: https://followict.news/vmfd