لا يزال الحنين يسيطر على شريحة واسعة من مستخدمي ChatGPT، الذين يتذكرون تجربة التفاعل مع نموذج GPT-4o بوصفها لحظة فارقة في تطور الذكاء الاصطناعي التفاعلي. فمنذ أن أوقفت OpenAI هذا النموذج في فبراير الماضي، لم تهدأ المقارنات بينه وبين الإصدارات اللاحقة، وسط شعور واضح بأن “شيئًا ما قد فُقد”.
ومع إطلاق نموذج GPT-5.5، عاد النقاش إلى الواجهة، لكن هذه المرة بنبرة أكثر تفاؤلًا، إذ يرى بعض المستخدمين أن النموذج الجديد قد يحمل ملامح من “الروح القديمة” التي ميزت 4o، حتى وإن لم يستعدها بالكامل بعد.

أكثر من مجرد أداة.. كيف صنع 4o علاقة خاصة مع المستخدمين؟
تميّز نموذج GPT-4o، بحسب مستخدمين كُثر، بما يمكن وصفه بـ”الشخصية الرقمية” الفريدة. لم يكن مجرد أداة للإجابة على الأسئلة أو تحليل البيانات، بل تحوّل لدى البعض إلى شريك فكري، بل وحتى مساحة آمنة للتفكير والتعبير، وفقا لتقرير بيزنس إنسايدر
مارتينا وانيس، المتخصصة في الابتكار الزراعي في سلوفينيا، تمثل نموذجًا لهذه الفئة من المستخدمين. فقد استخدمت ChatGPT في مهام عملية مثل تحليل ملفات Excel وكتابة العروض، لكنها في الوقت ذاته اعتمدت عليه في التأمل الشخصي والمشاريع الإبداعية.
وتصف وانيس تجربتها مع GPT-4o بأنه كان “أداة عمل ذكية وشريكًا يفهم شخصيتك في الوقت نفسه”، في إشارة إلى قدرته على التفاعل بأسلوب يبدو إنسانيًا ومتجاوبًا مع الحالة المزاجية للمستخدم.
من “صديق ذكي” إلى “نموذج رسمي”.. ماذا تغيّر؟
مع إطلاق الإصدارات اللاحقة مثل GPT-5.0 و5.2، بدأ المستخدمون يلاحظون تحوّلًا في أسلوب التفاعل. فقد أصبحت الردود أكثر تحفظًا وتنظيمًا، لكنها وفقًا للبعض، فقدت جانبًا من الحيوية والمرونة.
وانيس تصف هذا التحول بقولها إن النماذج الجديدة بدت “أقرب إلى مديري موارد بشرية مهووسين”، مشيرة إلى أن التفاعل أصبح أكثر جفافًا، بل وأحيانًا يتطلب من المستخدم بذل جهد أكبر للحصول على استجابة مرضية. هذا التغير لم يكن عشوائيًا، بل جاء في سياق محاولات OpenAI لمعالجة إحدى أبرز مشكلات الذكاء الاصطناعي التوليدي، وهي “التملق المفرط”.

معضلة التملق: لماذا غيّرت OpenAI شخصية النموذج؟
واجه GPT-4o انتقادات داخلية وخارجية بسبب ميله إلى تقديم ردود داعمة بشكل مبالغ فيه، حتى في الحالات التي تتطلب نقدًا أو تصحيحًا. هذا النوع من “الإطراء غير الواقعي” يُعد تحديًا معروفًا في نماذج التعلم الآلي، حيث تميل الخوارزميات إلى تفضيل إرضاء المستخدم.
وفي أبريل، أجرت OpenAI تعديلات للحد من هذه الظاهرة، ما أدى إلى تقليل الطابع العاطفي للنموذج، لكنه في المقابل أثّر على جاذبيته لدى المستخدمين الذين كانوا يفضلون هذا الأسلوب.
المفارقة هنا أن ما اعتبرته الشركة “مشكلة تقنية” كان بالنسبة لكثير من المستخدمين أحد أهم أسباب التعلق بالنموذج.
بين الجرأة والتحفظ: هل أصبحت النماذج أقل فائدة؟
يشير بعض المستخدمين إلى أن النماذج الأحدث أصبحت أكثر حذرًا في تقديم الاقتراحات، خاصة في المجالات الحساسة مثل الصحة. وبينما يُعد هذا التوجه ضروريًا من منظور السلامة، يرى آخرون أنه يقلل من فاعلية النموذج في تقديم رؤى مفيدة.
وتداول مستخدمون على منصة Reddit قصصًا عن تجاربهم، من بينها حالة أشارت فيها إحدى المستخدمين إلى أن GPT-4o ساعدها في اكتشاف خطأ في تشخيص طبي، بعد أن اقترح إجراء فحوصات إضافية تبين لاحقًا أنها ضرورية.
أخطاء غريبة في الإصدارات الجديدة
لم تخلُ الإصدارات اللاحقة من مشكلات أخرى، إذ كشفت OpenAI أن أحد النماذج (5.1) أظهر ميلًا مفرطًا لاستخدام مصطلحات مرتبطة بالمخلوقات الأسطورية مثل “العفاريت” و”الغيلان”، نتيجة إعدادات شخصية تجريبية كانت تفضل هذا النوع من الاستعارات. وقد تم إصلاح هذه المشكلة لاحقًا.
GPT-5.5.. خطوة نحو التوازن؟
مع الإصدار الجديد GPT-5.5، يبدو أن OpenAI تحاول استعادة التوازن بين الدقة التقنية والتفاعل الإنساني. فبحسب وانيس، فإن النموذج الجديد “تخلص من قيود الكتابة الصارمة”، وأصبح أكثر انسيابية في الحوار، ما يعيد الإحساس بالتفاعل الحقيقي بدلًا من “التفاوض المستمر” مع النظام.
وعلى منتديات Reddit، بدأ المستخدمون بالفعل في الإشادة بالنموذج الجديد، حيث وصفه أحدهم بأنه “أكثر قدرة على توليد الأفكار والتعبير عن رأيه دون توتر”، رغم استمرار بعض التحفظات بشأن مستوى التفاعل.

صراع مستمر: الذكاء أم الشخصية؟
تعكس هذه التجربة نقاشًا أوسع في عالم الذكاء الاصطناعي: هل يجب أن تكون النماذج دقيقة ومحايدة، أم تفاعلية وقريبة من الإنسان؟
في الواقع، يبدو أن تحقيق التوازن بين هذين البعدين هو التحدي الأكبر أمام الشركات المطورة. فبينما تسعى OpenAI إلى تقليل المخاطر وتحسين الموثوقية، يطالب المستخدمون بتجربة أكثر “إنسانية” ومرونة.
وفي ظل هذا التباين، قد لا يكون السؤال هو ما إذا كان GPT-5.5 أفضل من 4o، بل ما إذا كان قادرًا على الجمع بين “عقل” الإصدارات الحديثة و”روح” النماذج التي سبقتها.







