دراسات تؤكد: الذكاء الاصطناعي في بيئة العمل يرفع التكاليف ويرهق الموظفين بساعات عمل إضافية
لتصحيح هل لتصحيح أخطاء مخرجات الذكاء الاصطناعي
خلال العامين الماضيين سارعت الشركات، خاصة علامات التجارية الكبيرة من وتيرة تبنّي تقنيات الذكاء الاصطناعي داخل بيئات العمل، مدفوعة بوعود كبيرة تتعلق بزيادة الإنتاجية وخفض التكاليف. غير أن التجربة العملية أثبتت واقعا أكثر تعقيدا؛ فبدلًا من تحقيق زيادة في الإنتاجية وخفض للتكاليف التشغيلية، أصبح الموظفون يواجهون أعباء إضافية تتمثل في مراجعة وتصحيح مخرجات غير دقيقة أو سطحية تولدها هذة الأدوات التكنولوجية التي ما زالت في حاجة لرقابة بشرية صارمة.
التحربة العملية ووضع أدوات الAI تحت المجهر والملاحظة الدقيقة أظهر تباينا حليا بين رؤى الإدارة العليا وتجارب العاملين على الأرض، الأمر الي أثار ليس فقط موجة من الاستياء بين العاملين، لكن تساؤلات جوهرية حول جدوى الاعتماد المفرط على هذه التقنيات الناشئة، خاصة في هذه المرحلة التي تشهد تطورا مذهلا في إمكانياتها.
سارع الرؤساء التنفيذيون في الشركات ذائعة الصيت ومتعددة الجنسيات إلى تبني الذكاء الاصطناعي كأداة لزيادة كفاءة المكاتب، وغالبًا لتقليص عدد الموظفين عبر موجة تسريحات قاسية لعدد كبير من العاملين، مرجعين سبب تقليص العمالة إلى تبني أحدث تثنيات ال AI لتظهر مشكلة أخرى لم تكن في الحسبان، فالموظفون المتبقون يشكون من اضطرارهم لتصحيح كم هائل من “العمل العشوائي الغير دقيق” الذي يُنتجه الذكاء الاصطناعي، والذي يُثقل كاهلهم بساعات مرهقة من التصحيح، أكثر من أي وقت مضى.
ووفقًا لصحيفة الجارديان، فإن كل هذا العمل الروتيني غير المُجدي لتصحيح مُخرجات الذكاء الاصطناعي يُكبّد الشركات التي تتبنى هذه التقنية تكاليف خفية إضافية. فقد كشف استطلاع حديث شمل 1150 موظفًا أن 40% منهم واجهوا “المخرجات الغير دقيقة” – والذي يُعرّف بأنه “محتوى مُنتج بواسطة الذكاء الاصطناعي يبدو جيدًا، ولكنه يفتقر إلى الدقة وصحة المعلومات” أثناء أداء مهامهم، مما يُجبرهم على إهدار 3.4 ساعات شهريًا في التعامل معه لتصحيحه.
ووفقا لتقرير جارديان البريكانية، على نطاق واسع، يُعدّ هذا الأمر بالغ الأهمية، إذ تُقدّر قيمة كل تلك الساعات المُهدرة بنحو 8.1 مليون دولار من الإنتاجية المفقودة في مكان عمل يضم 10000 موظف.
تدعم هذه الفرضية أبحاث سابقة وجدت أن مبرمجي الحاسوب يصبحون أبطأ عند استخدام الذكاء الاصطناعي. وقد وجدت دراسةٌ واسعة الانتشار أجراها معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا أن 95% من الشركات التي وظّفت الذكاء الاصطناعي لم تجنِ أي زيادة في الإيرادات من تبنّيه، على الرغم من الحماس الكبير بين الرؤساء التنفيذيين.
ومن الأمثلة الصارخة على تأثير الذكاء الاصطناعي السلبي على بيئة العمل، بحسب صحيفة الجارديان: صرّح كاتب محتوى في شركة للأمن السيبراني في ميامي للصحيفة بأن صاحب عمله سرح عدداً من زملائه بينما ضغط على جميع من تبقى لاستخدام الذكاء الاصطناعي، لكنه وزملاؤه وجدوا أنه بينما يستطيع الذكاء الاصطناعي إنتاج محتوى يبدو براقا بسهولة، فإنهم يضطرون إلى قضاء وقت إضافي كبير في إعادة الكتابة أو تصحيح الأخطاء.
وقال كاتب المحتوى للصحيفة: “انخفضت الجودة بشكل ملحوظ، وزاد وقت إنتاج المحتوى بشكل ملحوظ، والأهم من ذلك، انخفضت الروح المعنوية. لقد ساءت الأمور كثيراً بمجرد تطبيق الذكاء الاصطناعي”.
كما أن تأثير الذكاء الاصطناعي السلبي لم يقتصر فقط على الأعمال التجارية بل امتد ليشمل المجال الطبي حيث ظهرت مشاكل أثرت سلباً على الكادر الطبي. قال فيليب باريسون، طالب الطب في السنة السادسة في كلية الطب بجامعة ميشيجان، لصحيفة الغارديان، إن استطلاعًا أجراه كشف أن العديد من العاملين في المجال الطبي يضطرون لإضاعة الوقت في تصحيح الأخطاء، بينما يتلقى المرضى رسائل بريد إلكتروني غير صحيحة أو معيبة مُولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي.
في استطلاع شمل 5000 موظف، أفاد 40% منهم بأن استخدام الذكاء الاصطناعي لم يسهم في توفير الوقت، في حين أكد 92% من المديرين التنفيذيين أنه أدى إلى زيادة الإنتاجية. ويعكس هذا التباين فجوة واضحة بين رؤية القيادات وتجربة العاملين على أرض الواقع.
في ضوء ذلك، تبرز الحاجة إلى مقاربة أكثر توازنًا. إذ تُظهر التجارب العملية أن المهام التي تتطلب دقة وحكمًا مهنيًا لا تزال تعتمد بشكل كبير على الخبرة البشرية المتخصصة، وهي عناصر يصعب على الأنظمة الآلية محاكاتها بالكامل. ويفسر ذلك محدودية التبني الفعلي لهذه التقنيات وتباين تقييمها بين المستخدمين. ومن ثم، ينبغي أن يشكل هذا الواقع إشارة تحذيرية لأي توجه يسعى إلى استبدال العنصر البشري بشكل كامل بالذكاء الاصطناعي، دون تقدير حقيقي لدوره المحوري في جودة العمل.
كشفت دراسة صادرة عن معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا بعنوان “The GenAI Divide: State of AI in Business 2025” عن فجوة لافتة بين التوقعات والواقع في ما يتعلق بتبني الذكاء الاصطناعي داخل الشركات، حيث أظهرت أن نحو 95% من المؤسسات التي استثمرت في هذه التقنية لم تحقق أي نمو ملموس في الإيرادات، مقابل نسبة ضئيلة لا تتجاوز 5% نجحت في تحقيق قيمة فعلية.
واعتمدت منهجية الدراسة على تحليل 300 مشروع فعلي للذكاء الاصطناعي داخل شركات، إجراء 150 مقابلة مع قيادات تنفيذية، استطلاع آراء 350 موظفًا يعملون بشكل لتخلص إلى أن معظم تطبيقات الذكاء الاصطناعي لا تتجاوز المرحلة التجريبية ولا يتم دمجها بشكل فعّال في العمليات اليومية.
وأوضحت أن المشكلة لا تكمن في التكنولوجيا نفسها، بل في ضعف استراتيجيات التطبيق وغياب التكيف المؤسسي، إلى جانب ما وصفته بـ“فجوة التعلم” داخل الشركات، حيث لم تطوّر المؤسسات بعد القدرة الكافية للاستفادة من الإمكانات الحقيقية لهذه الأدوات.
كما أشارت إلى أن الاستثمارات الضخمة التي تُقدّر بعشرات المليارات لم تنعكس على الأداء المالي، في حين أن الحالات القليلة الناجحة ارتبطت باستخدامات محددة وموجهة لحل مشكلات واضحة، مع الاعتماد على أدوات جاهزة ودمجها بعمق في بيئة العمل. وتخلص الدراسة إلى أن القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي لا تتحقق بمجرد تبنيه، بل تعتمد على كيفية توظيفه بشكل استراتيجي يخدم أهدافًا واضحة وقابلة للقياس.
أجرت جامعة ستانفورد بالتعاون مع شركة BetterUp Labs دراسة استقصائية موسعة لا تزال مستمرة، شملت 1150 موظفًا بدوام كامل في الولايات المتحدة موزعين على قطاعات مختلفة، بهدف فهم كيفية استخدام محتوى الذكاء الاصطناعي داخل بيئة العمل وتأثيره على الأداء والعلاقات المهنية. وكشفت النتائج عن ظاهرة أطلق عليها الباحثون اسم “Workslop”، وهي محتوى يُنتجه الذكاء الاصطناعي يبدو احترافيًا من حيث الشكل لكنه يفتقر إلى الدقة والعمق ويحتاج إلى إعادة صياغة أو تصحيح من قبل الموظفين الآخرين.
وأفاد نحو 40% من المشاركين أنهم تعاملوا مع هذا النوع من العمل خلال شهر واحد فقط، وأنه يشكل قرابة 15% من المحتوى المتداول في أماكن العمل، كما يستغرق تصحيحه في المتوسط حوالي ساعتين لكل حالة، وهو ما يترجم إلى خسائر إنتاجية تُقدّر بنحو 186 دولارًا شهريًا لكل موظف، وقد تصل إلى حوالي 9 ملايين دولار سنويًا في الشركات الكبرى التي تضم نحو 10,000 موظف.
وتشير الدراسة إلى أن هذه الظاهرة لا تؤثر فقط على الإنتاجية، بل تمتد إلى العلاقات بين الموظفين، حيث يرى أكثر من نصف العاملين أن هذا النوع من المحتوى يسبب الإحباط ويؤثر سلبًا على التعاون داخل فرق العمل، كما يعتقد العديد منهم أن زملاءهم الذين يعتمدون بشكل مفرط على الذكاء الاصطناعي أقل إبداعًا وأ} منقل موثوقية.
ويرجع الباحثون ذلك إلى الاستخدام السطحي للتقنيات، وغياب التدريب الكافي، والضغط المؤسسي لتبنّي الذكاء الاصطناعي دون فهم عميق لكيفية توظيفه بشكل صحيح. وتخلص الدراسة إلى أن المشكلة لا تكمن في الذكاء الاصطناعي نفسه، بل في طريقة استخدامه، حيث يتحول من أداة مساعدة إلى عبء إضافي ينقل الجهد من المُنشئ إلى المُتلقي، مما يستدعي وضع سياسات أوضح وتدريب أفضل لضمان تحقيق الاستفادة الحقيقية منه داخل بيئة العمل.







