Modern technology gives us many things.
جايزة 160
جايزة 160

محمد عابدين يكتب: التمويل الاستهلاكي في مصر… هل نصنع فخ الرفاهية الزائفة بأيدينا؟

0 76

ما أشبه الليلة بالبارحة…

قبل عامين تقريبًا، كتبت محذرًا من التوسع غير المدروس في شركات التمويل الاستهلاكي وخدمات “اشترِ الآن وادفع لاحقًا” (BNPL).

واليوم، عندما يأتي هذا التحذير من المصرفي الكبير هشام عز العرب، الرئيس التنفيذي للبنك التجاري الدولي CIB، وأحد أبرز الأسماء المصرفية في مصر والمنطقة العربية، فالأمر يستحق التوقف فعلًا.

أود أن أوضح أن رؤيتي هنا ليست من زاوية مالية أو مصرفية، فأنا لست متخصصًا في هذا المجال، لكنني أتحدث من زاوية أخرى أراها أكثر خطورة… الزاوية الاجتماعية والاقتصادية وتأثير هذه الثقافة على المجتمع وطبيعة أولوياته.

الحقيقة أن ردود الفعل التي أعقبت تصريحات هشام عز العرب كانت متوقعة؛ سارعت بعض شركات التمويل إلى نشر بيانات تؤكد أن نسب التعثر لديها لا تتجاوز 2٪، وكأن الرقم وحده كافٍ لطمأنة السوق.

لكن السؤال الحقيقي هنا:

هل نتحدث بالنسبة المئوية… أم بحجم الأموال الفعلي؟

وفقًا لبيانات الهيئة العامة للرقابة المالية، تجاوز حجم التمويل الاستهلاكي في مصر عشرات المليارات من الجنيهات خلال السنوات الأخيرة، مع معدلات نمو متسارعة للغاية.

وعندما نتحدث عن نسبة تعثر 2٪ من هذه الأرقام، فنحن لا نتحدث عن “نسبة صغيرة”، بل عن مئات الملايين وربما مليارات الجنيهات المعرضة للخطر.

وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.

بعض الشركات تتفاخر بحجم التمويلات الممنوحة وكأن ضخ المزيد من القروض الاستهلاكية في السوق هو إنجاز اقتصادي في حد ذاته، بينما السؤال الأهم الذي لا يطرحه أحد:

هل يحتاج المجتمع المصري فعلًا إلى المزيد من الاستهلاك؟

هل أولويتنا اليوم تمويل شراء الهواتف والأجهزة والسلع الترفيهية؟

أم دعم الصناعة، والزراعة، والتعليم، والإنتاج الحقيقي؟

جزء كبير من هذه التمويلات يذهب إلى سلع استهلاكية لا تضيف قيمة إنتاجية للاقتصاد، بل تدفع قطاعات واسعة من المواطنين نحو مزيد من الالتزامات المالية في وقت يمر فيه الاقتصاد المصري بمرحلة دقيقة للغاية.

الأخطر أن بعض نماذج الأعمال في هذا القطاع أصبحت قائمة على “النمو بأي ثمن”، بهدف جذب استثمارات جديدة وجولات تمويل أكبر، دون النظر بجدية إلى سيناريوهات التعثر الواسع أو الأزمات الاقتصادية المحتملة.

ماذا لو ارتفعت نسبة التعثر إلى 10٪ فقط؟

هل تمتلك كل هذه الشركات القدرة والسيولة الكافية لتحمل الصدمة؟

وهل السوق المصرية مستعدة لتحمل تداعيات ذلك؟

أنا لا أهاجم التكنولوجيا المالية أو التطور في أدوات التمويل، لكنني أتساءل عن الأولويات.

الاستثمار الحقيقي الذي تحتاجه مصر اليوم ليس في زيادة الاستهلاك، بل في زيادة الإنتاج.

نحتاج استثمارات في الصناعة، والزراعة، والتعليم، والتكنولوجيا، والتصنيع المحلي والتصدير، وخلق فرص العمل. هذه القطاعات هي التي تبني اقتصادًا قويًا ومستدامًا، لا اقتصادًا قائمًا على القروض الاستهلاكية.

رسالتي للجهات التنظيمية واضحة:

لا بد من إعادة النظر في وتيرة التوسع الحالية، وتشديد معايير الترخيص والتجديد، ومراجعة الملاءة المالية الحقيقية للشركات العاملة في القطاع.

ورسالتي للمستثمرين:

ليس كل نموذج ناجحٍ عالميًا مناسبًا بالضرورة للسوق المصرية.

فما يصلح في اقتصاد مستقر ومرتفع الدخل، قد يتحول لدينا إلى عبء اقتصادي واجتماعي خطير.

في النهاية…

الأمم لا تُبنى بالاستهلاك والدين، بل بالإنتاج والعمل والصناعة. وهذا هو الاستثمار الحقيقي الذي يستحق الرهان.

 

تحليل كتبه: محمد عابدين

الشريك المؤسس لكوربوريت ستاك والمدير الإقليمي

The short URL of the present article is: https://followict.news/lksl
Leave A Reply

Your email address will not be published.