من بطل وهمي إلى «حقيقة» في الفضاء الرقمي .. تجربة صحفي تكشف هشاشة أنظمة الـ AI
"بطل العالم في أكل الهوت دوج" أصبح واقع رقمي
في الوقت الذي تتسابق فيه شركات التكنولوجيا الكبرى لتقديم محركات بحث ومساعدات رقمية تعتمد على الذكاء الاصطناعي، تتزايد المخاوف بشأن مدى موثوقية المعلومات التي تقدمها هذه الأنظمة للمستخدمين، خصوصًا مع اعتماد الملايين حول العالم عليها للحصول على إجابات فورية في مجالات حساسة تشمل الصحة والمال والتعليم وحتى القرارات الشخصية اليومية.
لا تقتصر القضية المطروحة على احتمال أن تُخطئ أنظمة الذكاء الاصطناعي في بعض الإجابات أو أن تقدم معلومات غير دقيقة بين الحين والآخر، فذلك يُعد أمرًا متوقعًا في أي تقنية لا تزال في طور التطور المستمر. لكن ما يثير القلق بصورة أكبر هو أن هذه الأنظمة قد تصبح، في بعض الحالات، عرضة للتأثير والتوجيه بطريقة تبدو أسهل مما يتخيله كثيرون، خصوصًا في ظل اعتمادها المتزايد على المحتوى المنشور عبر الإنترنت كمصدر للمعلومات والتحليل.
ومع التوسع السريع في استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي داخل محركات البحث ومنصات الإجابة الفورية، بدأت تتكشف مخاوف تتعلق بقدرة بعض الجهات أو الأفراد على التأثير في طبيعة المعلومات التي تُقدَّم للمستخدم النهائي، ليس عبر اختراقات تقنية معقدة، بل أحيانًا من خلال أساليب رقمية بسيطة تعتمد على تحسين ظهور محتوى معين وصياغته بطريقة تبدو مقنعة لخوارزميات الذكاء الاصطناعي.
وتزداد حساسية هذه الإشكالية عندما تصبح الأنظمة قادرة على إعادة إنتاج تلك المعلومات وتقديمها للمستخدم بصيغة حاسمة وواثقة، الأمر الذي يمنح الانطباع بأنها معلومات دقيقة ومدعومة بمصادر موثوقة، حتى وإن كانت في الأصل مبنية على محتوى مضلل أو غير موثق بشكل كافٍ.
هذا الواقع يفتح الباب أمام تساؤلات أوسع بشأن مستقبل الثقة في أدوات الذكاء الاصطناعي، خاصة مع اعتماد المستخدمين المتزايد عليها للحصول على إجابات سريعة في موضوعات شديدة الحساسية مثل الصحة، والاستثمارات، والقرارات المهنية، والقضايا العامة. فكلما ازدادت قدرة هذه الأنظمة على التأثير في طريقة وصول المعلومات إلى الجمهور، ازدادت أهمية تطوير آليات أكثر صرامة للتحقق من المحتوى ومراجعة مصادره قبل تقديمه باعتباره معلومة يمكن الاعتماد عليها.
وتزداد خطورة هذه الظاهرة مع التحول المتسارع الذي تقوده شركات التكنولوجيا نحو دمج الذكاء الاصطناعي داخل محركات البحث التقليدية، ما يعني أن المستخدم لم يعد يطالع قائمة متنوعة من المصادر والروابط كما كان يحدث سابقًا، بل بات يتلقى “إجابة جاهزة واحدة”، غالبًا ما تبدو حاسمة وواثقة، حتى وإن كانت مبنية على معلومات مضللة أو منحازة.
“بطل العالم في أكل الهوت دوج”
الجدل تصاعد مؤخرًا بعد تجربة أجراها صحفي في BBC، استطاع خلالها خلال أقل من عشرين دقيقة فقط خداع أنظمة ذكاء اصطناعي مثل OpenAI وGoogle وإقناعها بأنه “بطل العالم في أكل الهوت دوج”.
المثير في التجربة أن الأمر لم يحتج إلى اختراقات تقنية معقدة أو أدوات برمجية متقدمة، بل اقتصر على نشر تدوينة مكتوبة بعناية على موقع إلكتروني شخصي، لتتعامل معها أنظمة الذكاء الاصطناعي باعتبارها مصدرًا صالحًا وموثوقًا للمعلومات.
وبعد فترة قصيرة، بدأت بعض أدوات الذكاء الاصطناعي في إعادة نشر الادعاء الكاذب ضمن إجاباتها للمستخدمين، وكأنه حقيقة مثبتة.
ورغم أن المثال بدا ساخرًا أو غير مؤذٍ في ظاهره، فإن التحقيق الذي تبع التجربة كشف أن المشكلة أعمق بكثير، إذ يمكن استخدام الأسلوب نفسه للتلاعب بالمعلومات الصحية أو المالية أو السياسية، ما يفتح الباب أمام حملات تضليل واسعة يصعب على المستخدم العادي اكتشافها.

كيف تقع أنظمة الذكاء الاصطناعي في الفخ؟
تعتمد العديد من أدوات الذكاء الاصطناعي الحديثة على البحث المباشر في الإنترنت للحصول على معلومات محدثة بدلًا من الاكتفاء بالبيانات التي دُربت عليها سابقًا. لكن هذه الآلية، التي يُفترض أن تجعل الإجابات أكثر حداثة ودقة، أصبحت في الوقت نفسه نقطة ضعف رئيسية.
فبحسب خبراء تحسين محركات البحث، تقوم بعض أنظمة الذكاء الاصطناعي أحيانًا باستخلاص المعلومات من مصدر واحد فقط، مثل صفحة ويب أو منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، ثم تُعيد تقديمه للمستخدم في صياغة تبدو موثوقة ومؤكدة.
وترى Lily Ray، مؤسسة شركة Algorythmic الاستشارية المتخصصة في البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي، أن المشكلة تكمن في الطبيعة نفسها التي تعمل بها هذه الأنظمة.
وتقول راي إن المستخدمين يجب أن يفترضوا أنهم معرضون للتلاعب إلى أن تطور هذه الأدوات أنظمة تحقق أكثر صرامة، موضحة أن “الذكاء الاصطناعي يقدم إجابة واحدة فقط، وهذا يجعل الناس أكثر ميلًا لتصديقها دون مراجعة أو تمحيص”.

من محركات بحث إلى “مُلقّني حقائق”
التحول الذي تقوده Google نحو البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي يزيد من حساسية هذه المخاوف.
وخلال مؤتمر Google I/O الأخير، ركزت الشركة بشكل واضح على مستقبل محرك البحث القائم على الذكاء الاصطناعي، والذي يُتوقع أن يحل تدريجيًا محل نموذج البحث التقليدي الذي اعتمد عليه المستخدمون طوال العقدين الماضيين.
لكن هذه النقلة التقنية تعني أيضًا انتقال المستخدم من مرحلة “استكشاف المصادر بنفسه” إلى مرحلة “تلقي إجابة جاهزة”، وهو ما يمنح أنظمة الذكاء الاصطناعي دورًا أقرب إلى “المرجع النهائي للمعلومة”.
ويرى مراقبون أن هذا التحول قد يجعل أي خلل أو تلاعب أكثر تأثيرًا وخطورة، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بموضوعات شديدة الحساسية مثل الأدوية، والاستثمارات، والاستشارات القانونية، أو حتى الأخبار العامة.
هل بدأت الشركات في معالجة المشكلة؟
بعد التحقيق الذي نشرته BBC، قامت Google بتحديث سياساتها المتعلقة بالبريد العشوائي والتلاعب بالمحتوى، مؤكدة أن محاولات التأثير على إجابات الذكاء الاصطناعي تُعد انتهاكًا مباشرًا لقواعدها.
وأوضحت الشركة أن المواقع التي يثبت تورطها في مثل هذه الممارسات قد تواجه حذفًا كاملًا من نتائج البحث أو خفضًا كبيرًا في ترتيب ظهورها.
كما تشير تقارير إلى أن شركات مثل OpenAI وGoogle تعمل بالفعل على تطوير أنظمة لرصد المحتوى الترويجي والمعلومات المضللة وتقليل ظهورها داخل الإجابات الآلية.
إلا أن التجارب الحديثة تؤكد أن المشكلة لا تزال قائمة.
ففي تجربة جديدة هذا الأسبوع، تمكنت ليلي راي من تكرار الحيلة نفسها تقريبًا، وإقناع أدوات البحث المدعومة بالذكاء الاصطناعي بأن أحد أصدقائها هو “أفضل باني قلاع رملية في العالم”، لتقع الأنظمة مرة أخرى في الفخ وتعيد نشر الادعاء باعتباره معلومة حقيقية.
أزمة ثقة في عصر الذكاء الاصطناعي
تكشف هذه الوقائع عن أزمة ثقة متنامية في عصر أصبحت فيه أنظمة الذكاء الاصطناعي وسيطًا رئيسيًا بين المستخدم والمعلومة.
فبينما تُسوَّق هذه الأدوات باعتبارها أكثر ذكاءً ودقة من محركات البحث التقليدية، يرى الخبراء أن اعتمادها على تقديم “إجابة واحدة مختصرة” قد يجعلها أكثر عرضة لنشر المعلومات المضللة إذا لم تمتلك آليات تحقق قوية ومتعددة المصادر.
وفي ظل هذا الواقع، يوصي المتخصصون بعدم التعامل مع إجابات الذكاء الاصطناعي باعتبارها حقائق نهائية، خصوصًا في المسائل المرتبطة بالصحة أو المال أو القرارات المصيرية، مع ضرورة العودة دائمًا إلى المصادر الأصلية والمراجعة البشرية المستقلة.
ومع استمرار السباق العالمي نحو تطوير أنظمة ذكاء اصطناعي أكثر سرعة وانتشارًا، يبدو أن التحدي الحقيقي لم يعد فقط في جعل هذه الأنظمة “أكثر ذكاءً”، بل في جعلها أكثر قدرة على التمييز بين الحقيقة والتلاعب في فضاء رقمي يزداد تعقيدًا يومًا بعد يوم.









