Modern technology gives us many things.
جايزة 160
جايزة 160

«موجة الاستهلاك بالدَّين».. هل يواجه الائتمان غير المصرفي في مصر شبح الفقاعة؟

0 101

تحول قطاع التمويل غير المصرفي في مصر، خلال السنوات الأخيرة، من مجرد أداة مرنة لدعم الشمول المالي والوصول إلى الفئات غير المصرفية، إلى ساحة لجدل اقتصادي ورقابي واسع النطاق، يعيد رسم ملامح السياسة النقدية والائتمانية.

هذا التحول بات يفرض تساؤلات جوهرية حول طبيعة النمو الاقتصادي الراهن، والحدود الفاصلة بين تنشيط الأسواق عبر أدوات التكنولوجيا المالية، وبين خطر الوقوع في مصيدة “فقاعة ائتمانية” مدفوعة بنهم استهلاكي لا يصاحبه نمو حقيقي في الدخول أو الإنتاجية.

وفي عمق هذا المشهد المعقد، جاءت تصريحات المصرفي البارز هشام عز العرب لتفتح صندوق بندورا المخاوف حول ما وصفه بـ”القطاع المصرفي الموازي”، محذراً من أن التوسع غير المنضبط في القروض الاستهلاكية الممنوحة عبر شركات التمويل غير المصرفي قد يحمل تداعيات سلبية جسيمة على الدورة الاقتصادية ما لم يحاط ببيئة رقابية صارمة تضمن الانضباط الائتماني.

ولم تكن هذه التحذيرات وليدة مصادفة، بل جاءت لتتقاطع مع تحركات تنظيمية بالغة الصرامة من قبل البنك المركزي المصري، كشف عنها مؤخراً، حيث ألزم المركزي البنوك العاملة في السوق المحلية بضوابط مشددة تمنع منح أو تجديد التسهيلات الائتمانية أو تمويل محافظ شركات التمويل غير المصرفي وعمليات التوريق الخاصة بها، إلا بعد التأكد من “تكويدها” وثبات رقمها التعريفي لدى البنك المركزي وشركة الاستعلام الائتماني “آي سكور”.

هذا الإجراء الرقابي يسعى بالأساس إلى إجبار تلك الشركات على الإفصاح الدوري واللحظي عن الموقف الائتماني لعملائها، مما يمنع ثغرة حصول العميل الواحد على خطوط ائتمانية متعددة ومتزامنة من عدة شركات دون أن تظهر في بيانه المجمع، وهو ما يعكس إدراكاً رسمياً عميقاً بأن “كرة الثلج الائتمانية” بدأت تتضخم بشكل يتطلب كبحاً فورياً لحماية سلامة النظام المالي ككل، ووضع المديونيات القائمة تحت التصفية في حال عدم توفيق الأوضاع.

هذا الحراك الرقابي والمصرفي يكتسب أبعاداً أكثر عمقاً بالنظر إلى الأرقام الضخمة التي أعلنتها الهيئة العامة للرقابة المالية، والتي تظهر قفزة هائلة في حجم محافظ أنشطة التمويل غير المصرفي لتتجاوز عتبة الـ 417 مليار جنيه، بتمويلات ممنوحة تخطت 1.4 تريليون جنيه، مستحوذة على نحو 54% من إجمالي التمويلات الموجهة للقطاع الخاص والعائلي. ورغم أن هذه الأرقام، المقترنة بنسب تعثر معلنة تقل عن 3%، تُمثل في ظاهرها نجاحاً لسياسات دمج ملايين المواطنين في المنظومة الرسمية، إلا أنها تثير قلقاً مشروعاً لدى خبراء الاقتصاد؛ إذ تتزامن هذه الطفرة الائتمانية مع تآكل حاد في معدلات الادخار المحلي التي تراجعت إلى مستويات قياسية تقارب 1% من الناتج المحلي الإجمالي وفق تقارير معهد التخطيط القومي، مقارنة بنحو 15% قبل عقد من الزمان.

إن هذه الفجوة الادخارية المتسعة تفصح عن معضلة هيكلية خطيرة: فالنمو المشهود في مستويات الطلب والاستهلاك بالسوق المصرية ليس ناتجاً عن فائض دخلي أو تحسن في القوة الشرائية الحقيقية للمواطنين، بل هو “طلب ممول بالدين” تلتجئ إليه الأسر كآلية “استهلاك دفاعي” لإدارة الندرة ومواجهة الضغوط التضخمية العنيفة وتآكل الدخول الناتجة عن انخفاض قيمة العملة. وهنا تكمن النقطة الجوهرية للنزاع؛ حيث يرى المتخوفون أن استمرار تغذية الاستهلاك اليومي والضروريات المعيشية عبر قروض قصيرة الأجل ومرتفعة التكلفة الضمنية، قد ينقل “أثر العدوى” المالية سريعاً من الأفراد إلى الشركات، ومن ثم إلى القطاع المصرفي المنكشف عليها بشكل كبير عبر التمويلات المباشرة وعمليات التوريق.

في المقابل، يدافع أقطاب صناعة التمويل غير المصرفي والتكنولوجيا المالية عن نموذج عملهم، معتبرين إياه ركيزة أساسية للشمول المالي والتحول الرقمي، ومؤكدين التزام الشركات الكبرى بضوابط ائتمانية صارمة ومراجعات دورية دقيقة تحد من مخاطر التعثر. غير أن هذا الدفاع يصطدم بواقع تكنولوجي متسارع تخلق فيه فترات التحديث الدوري للبيانات الائتمانية ثغرات تسمح بزيادة العبء الائتماني على صغار المقترضين، بجانب رصد ممارسات تحصيل غير قانونية تشير إلى تراجع فاعلية الرقابة الميدانية في بعض الأقاليم. بين مطرقة الحاجة إلى تنشيط الأسواق ودعم مرونة التمويل، وسندان الحفاظ على الاستقرار النقدي والائتماني ومنع تشكل فقاعة مالية تحاكي أزمات عالمية سابقة، تفتح هذه السطور ملفاً شائكاً يتقاطع فيه التحليل الاقتصادي الهيكلي بالقرارات الرقابية العاجلة، لاستكشاف مستقبل قطاع بات يمس حياة أكثر من 64 ملايين عميل في مصر.

فجوة الادخار.. الخلفية الاقتصادية للأزمة

تتزامن هذه النقاشات مع تقرير حديث أصدره معهد التخطيط القومي بعنوان «فجوة الادخار في مصر: التحديات الحالية وآفاق التحسين»، والذي قدم قراءة تحليلية لواقع الادخار المحلي في مصر باعتباره أحد الركائز الأساسية لتمويل التنمية الاقتصادية، لما له من دور في تعزيز الاستقلالية المالية، وتوفير الموارد اللازمة للاستثمار الإنتاجي، والحد من الضغوط التضخمية، ودعم ميزان المدفوعات.

وأشار التقرير إلى وجود مجموعة من التحديات الاقتصادية والتمويلية التي تسهم في اتساع فجوة الادخار، من أبرزها ضعف مساهمة القطاع الإنتاجي في توليد فوائض ادخارية، وارتفاع معدلات التضخم بما يؤدي إلى تآكل الدخول الحقيقية، وتراجع فاعلية أدوات الادخار طويلة الأجل، فضلًا عن محدودية الشمول المالي واتساع نطاق الاقتصاد غير الرسمي، إلى جانب تنامي النزعة الاستهلاكية على حساب معدلات الادخار.

وأوضح التقرير أن الفجوة الادخارية ترتبط بعدد من العوامل الهيكلية المتداخلة، من بينها محدودية الفوائض القابلة للادخار داخل القطاع الإنتاجي، والضغوط التضخمية التي تحد من القدرة الادخارية للأسر، وعدم قدرة بعض فئات المجتمع على الوصول للخدمات المصرفية، فضلًا عن استمرار الاعتماد على التعاملات النقدية واتساع الاقتصاد غير الرسمي، بما يحد من قدرة النظام المالي على تعبئة المدخرات.

واقترح التقرير حزمة من السياسات التي ترتكز على تعزيز الاستقرار الاقتصادي الكلي، وتوسيع قاعدة الادخار المحلي، وتحسين كفاءة الجهاز المصرفي في تعبئة الموارد، إلى جانب دعم الشمول المالي، وتطوير أدوات الادخار والاستثمار بما يضمن توجيه المدخرات نحو الأنشطة الإنتاجية ذات القيمة المضافة.

كما أكد أهمية تعزيز الثقافة الادخارية، وتطوير السياسات المالية والنقدية بما يحقق توازنًا أفضل بين الادخار والاستثمار، وتحسين آليات قياس الادخار وتطوير قواعد البيانات الداعمة لصنع القرار الاقتصادي.

ويحمل التقرير في جوهره نقطة التخوف الرئيسية المرتبطة بالنقاش الدائر حاليًا حول التمويل غير المصرفي؛ إذ إنه إذا كان المواطن لا يمتلك فائضًا ادخاريًا حقيقيًا، بينما يحصل في الوقت نفسه على تسهيلات تمويلية متزايدة، فإن جزءًا من النمو الظاهر في الطلب قد يكون «طلبًا ممولًا بالدين» وليس ناتجًا عن تحسن فعلي في القوة الشرائية أو زيادة حقيقية في الدخول.

تحركات رقابية من البنك المركزي

تأتي تصريحات عز العرب أيضًا بعد فترة وجيزة من توجيه البنك المركزي المصري البنوك العاملة بالسوق المحلية بعدم منح أو تجديد التسهيلات الائتمانية لجهات منح الائتمان غير المصرفي إلا بعد ثبات التكويد لدى البنك المركزي، والإقرار لدى شبكة معلومات البنك المركزي والشركة المصرية للاستعلام والتصنيف الائتماني.

ويقصد بتكويد جهات منح التمويل غير المصرفي تسجيلها لدى البنك المركزي المصري، والتزامها بالإقرار عن الائتمان المقدم لعملائها إلى شركات الاستعلام والتصنيف الائتماني ونظام تسجيل الائتمان بالبنك المركزي.

وأوضح المركزي، في كتاب دوري مؤرخ في 6 أبريل 2026، أنه بالنسبة للمديونيات القائمة فسيتم وضعها تحت التصفية حال عدم قيام تلك الجهات بتوفيق أوضاعها خلال ثلاثة أشهر، مع إلزام البنوك بإخطار تلك الجهات بمضمون التعليمات الجديدة.

وأشار البنك المركزي إلى أن هذه الإجراءات تأتي في ضوء ملاحظته عدم التزام بعض الجهات بالإقرار وفق تحديثات القواعد المنظمة لتسجيل الائتمان، بما يضمن توافر بيانات دقيقة تعكس الموقف الائتماني الحقيقي للعملاء، ويساعد على اتخاذ قرارات تمويلية أكثر كفاءة، بما يعزز سلامة واستقرار النظام المصرفي.

وسبق ذلك توجيهات أصدرها البنك المركزي للبنوك بضرورة الحصول على خطاب من الهيئة العامة للرقابة المالية قبل منح أو تجديد التسهيلات الائتمانية أو تنفيذ عمليات توريق لصالح الشركات الخاضعة لرقابة الهيئة، يفيد سلامة أوضاع تلك الشركات وعدم وجود مخالفات أو جزاءات قائمة بحقها.

مخاوف الفقاعة التمويلية

في خضم هذا الجدل، تناولت Followict تحليل التوسع المتسارع في قطاع التمويل الاستهلاكي غير المصرفي في مصر، والذي يعتمد بصورة كبيرة على الرقمنة، ويرصد التباين في الرؤى بين المخاوف من تشكل فقاعة استهلاكية تضغط على دخول الأسر، وبين التأكيدات الرسمية بشأن قوة الرقابة وانخفاض نسب التعثر.

وبعد تداول تصريحاته على نطاق واسع، عاد هشام عز العرب ليؤكد، خلال مداخلة هاتفية مع الإعلامي عمرو أديب في برنامج الحكاية، أن السوق المصرية تضم 36 بنكًا تخضع لرقابة صارمة، مضيفًا: «ما تقوليش إن 2500 شركة تمويل مفيش فيهم مخالفات»، في إشارة إلى ضرورة إعادة النظر في آليات الرقابة والمتابعة داخل القطاع.

وشدد عز العرب على أن القلق لا يتعلق بوجود شركات التمويل غير المصرفي في حد ذاته، وإنما بطريقة عمل بعض هذه الشركات، ومدى التزامها بقواعد الاستعلام الائتماني وتقييم العملاء قبل منح التمويلات.

وأوضح أن بعض الشركات لا تقوم بالاستعلام الكافي عن العملاء عبر شركة «آي سكور»، بما قد يؤدي إلى منح تمويلات دون التأكد من قدرة العميل على السداد أو تقييم حجم التزاماته الائتمانية القائمة، وهو ما يرفع احتمالات التعثر مستقبلًا.

هشام عز العرب
هشام عز العرب

وأضاف أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى تكوين فقاعة تمويلية داخل السوق، خاصة مع التوسع الكبير في التمويل الاستهلاكي وسرعة نمو القطاع خلال السنوات الأخيرة، مشبهًا الوضع بما حدث خلال الأزمة المالية العالمية 2008، حين امتدت آثار تعثر مؤسسات محدودة إلى الاقتصاد بأكمله.

ورغم هذه التحذيرات، أكد عز العرب أهمية شركات التمويل غير المصرفي داخل الاقتصاد المصري، مشيرًا إلى أنها تلعب دورًا حيويًا في الوصول إلى شرائح من العملاء قد لا تصل إليها البنوك التقليدية بسهولة، كما تتميز بسرعة اتخاذ القرار والمرونة في تقديم الخدمات.

لكنه شدد في الوقت نفسه على أن أهمية هذا القطاع لا تعني غياب الضوابط، بل تستوجب بناء منظومة رقابية أكثر توازنًا تضمن استمرار النمو دون الإضرار باستقرار السوق المالي.

وأشار إلى أن البنك المركزي المصري بدأ بالفعل إعادة النظر في أوضاع بعض شركات التمويل، عبر توجيه البنوك بعدم تمويل محافظ شركات التمويل الاستهلاكي إلا بعد التأكد من إجراء استعلام ائتماني للعملاء، مؤكدًا أن المرحلة الحالية تتطلب قدرًا أكبر من الانضباط والرقابة لحماية السوق من أية اختلالات محتملة.

خبراء: انخفاض التعثر لا يعني غياب المخاطر

ومن جانبه، قال محمد فؤاد إن شركات التمويل غير المصرفي تعتمد على صناديق لتدوير القروض، ما يجعلها أقل اعتمادًا على البنوك في تمويل نشاطها، مشيرًا إلى أن قرار البنك المركزي بتقليل تعرض البنوك للتوريق لم يعطل هذه الشركات، بل عزز دور الصناديق في تمويل القروض.

وأضاف أن التحدي الأكبر يتمثل في الرقابة، إذ يشرف البنك المركزي على 36 بنكًا فقط، بينما تتولى هيئة الرقابة المالية متابعة أكثر من 2500 شركة، وهو ما يمثل عبئًا رقابيًا ضخمًا.

وأكد أن تقرير معهد التخطيط القومي أشار إلى تراجع نسبة الادخار إلى نحو 1% من الناتج المحلي بعد أن كانت تقارب 15% قبل عشر سنوات، وهو ما يثير مخاوف تتعلق بالاستدامة المالية على المدى الطويل.

وأشار فؤاد إلى أن نسب التعثر الحالية، رغم انخفاضها وعدم تجاوزها 3%، قد تحمل «أثر العدوى» إذا استمر التوسع بصورة غير منضبطة، على غرار ما حدث في أزمة الرهن العقاري الأمريكية «الساب برايم».

وأضاف أن الضغوط المعيشية تدفع المواطنين للجوء إلى هذه القروض لتغطية احتياجات أساسية مثل الأجهزة المنزلية والكسوة المدرسية، وهو ما يجعل جزءًا من التمويل الاستهلاكي الحالي مرتبطًا بتدبير الاحتياجات اليومية وليس بتحسين مستويات الرفاهية.

محمد فؤاد
محمد فؤاد

من جانبه، قال مدحت نافع إن التركيز الحالي ينصب على الشركات الخاضعة لرقابة الهيئة العامة للرقابة المالية، لكن توسيع تعريف التمويل الاستهلاكي ليشمل جميع مصادر التمويل التي يشرف عليها القطاع المصرفي ومصادر تمويل الشركات نفسها قد يكشف عن حجم أكبر بكثير لهذه الظاهرة، وربما يصل إلى ما يمكن اعتباره «فقاعة تمويل استهلاكي».

وأشار إلى أن القلق الرئيسي يرتبط بالنمو السريع في حجم المحافظ التمويلية وعدد العملاء، موضحًا أن هذا النمو يعود إلى تراجع القوة الشرائية للمواطنين، بفعل انخفاض قيمة العملة وارتفاع معدلات التضخم والفقر، إلى جانب تغير أنماط الاستهلاك لدى الطبقة المتوسطة.

وأوضح أن شريحة واسعة من المواطنين أصبحت تلجأ إلى التمويل الاستهلاكي لتغطية الضروريات، في ظل تحول نمط الاستهلاك من الإنفاق الترفيهي إلى «استهلاك دفاعي» قائم على تدبير الاحتياجات الأساسية وإدارة الندرة، بدلًا من تحقيق فوائض للادخار.

وأضاف أن جزءًا من الأزمة يرتبط بثقافة استهلاكية لم تتغير رغم الضغوط الاقتصادية، مع استمرار بعض الأفراد في الإنفاق اعتمادًا على سهولة الحصول على التمويل الذي يعتبره كثيرون «سريعًا ورخيصًا».

وحذر نافع من أن طبيعة هذا التمويل تعتمد بالأساس على دخل المستهلك وقدرته على السداد، وليس على ضمانات حقيقية، مشيرًا إلى أن التوسع السريع في أعداد العملاء يثير تساؤلات حول كفاءة تطبيق إجراءات «اعرف عميلك» والتقييم الائتماني.

ورغم إشادته بإجراءات هيئة الرقابة المالية في إدارة المخاطر ووضع ضوابط تحد من بعض أنواع الائتمان، فإنه حذر من أن «كرة الثلج تكبر»، وأن التضخم السريع في هذا النوع من التمويل قد يصبح من الصعب احتواؤه لاحقًا، خاصة مع ارتباطه المتزايد بتلبية احتياجات أساسية للمواطنين.

وأكد أن الخطر لا يتعلق فقط بتعثر الأفراد، بل بإمكانية انتقال العدوى المالية إلى القطاع المصرفي نفسه، بحكم انكشاف البنوك على شركات التمويل الاستهلاكي، وهو ما قد ينعكس في النهاية على الاقتصاد ككل إذا لم يتم احتواء المخاطر مبكرًا.

مدحت نافع
مدحت نافع

دفاع الشركات.. التمويل أداة للشمول المالي

وفي السياق ذاته، قال وليد حسونة إن المخاوف المثارة بشأن مستقبل القطاع المالي غير المصرفي تستحق الدراسة وفتح حوار جاد حولها، لأن أي هزة داخل هذا السوق قد تمتد تداعياتها إلى القطاع المصرفي، باعتبار البنوك من أكبر ممولي شركات التمويل غير المصرفي.

وأشار إلى أن نسب التعثر في محفظة شركة ڤاليو لا تتجاوز حاليًا 1.25%، وهي أرقام مدققة وخاضعة لمراجعة مراقبي الحسابات، مؤكدًا أن شركات التمويل الاستهلاكي تلتزم بضوابط ائتمانية صارمة، من بينها ألا تتجاوز الأقساط والالتزامات الشهرية للعميل 50% من دخله، إلى جانب إجراء تقييم ائتماني عبر شركة I-Score قبل منح التمويل.

وأوضح أن القطاع المالي غير المصرفي يعد من أكبر القطاعات المالية في مصر، وأن أغلب شركاته مدرجة في البورصة أو تابعة لكيانات مقيدة، بما يعني خضوعها لمستويات مرتفعة من الرقابة والحوكمة.

 

ومن جانبه أكد النائب حسام حسن استمرار بعض الممارسات غير القانونية من شركات التمويل باستخدام إيصالات الأمانة والضمانات غير المشروعة في عمليات التحصيل، رغم القرارات الصادرة عن الهيئة العامة للرقابة المالية بحظر تلك الأساليب.

وتقدم النائب بطلب إحاطة موجه إلى رئيس مجلس الوزراء ونائب رئيس مجلس الوزراء، بشأن ما وصفه بتراجع فاعلية الرقابة على سوق التمويل الاستهلاكي، وما ترتب عليه من تداعيات اقتصادية واجتماعية تمس الفئات الأكثر احتياجًا، خاصة النساء المعيلات في محافظات الصعيد.

وأوضح النائب أن نشاط التمويل الاستهلاكي شهد توسعًا كبيرًا خلال عام 2025، بعدما تجاوزت قيمة التمويلات الممنوحة 87 مليار جنيه، بمعدلات نمو مرتفعة مقارنة بالعام السابق.

وأكد حسام حسن أن محافظات الصعيد تُعد الأكثر تضررًا من هذه الأزمة، في ظل ارتفاع نسب المرأة المعيلة واعتماد آلاف الأسر على النساء كمصدر دخل رئيسي، ما يدفع الكثير منهن إلى اللجوء لبرامج التمويل الاستهلاكي أو التمويل متناهي الصغر.

ثاندر وفوري.. الاستثمار والإقراض المسؤول

على الناحية الأخرى، أكد أحمد حمودة، التزام شركته بحماية أموال المستثمرين، والشفافية، والشمول المالي، مع توضيح الدور الذي تقوم به المنصة في إتاحة الوصول إلى منتجات استثمارية مرخصة ومنظمة للمصريين.

أحمد حمودة

وأشار إلى أن مهمة ثاندر لا تُقاس فقط بالإنجازات المؤسسية أو مؤشرات النمو، ولكن بعدد المصريين الذين أصبح لديهم القدرة على الوصول إلى أدوات استثمار منظمة لبناء ثرواتهم، منوهًا بقصة الرجل الذي يعمل مع هشام عز العرب، والذي حصل على مكافأته واستثمرها من خلال ثاندر، واصفًا ذلك بأنه نموذج حقيقي للشمول المالي.

وأوضح حمودة أن ثاندر شركة استثمار مرخصة من الهيئة العامة للرقابة المالية، وأن دورها هو ربط المستثمرين بمنتجات وأدوات استثمارية مرخصة، وليس إقراض أموال المستثمرين أو العمل كشركة تمويل.

كما شرح آليات عمل المنصة، مؤكدًا أن المستثمر عندما يشتري أسهمًا يتم تسجيله كمساهم في الشركة، وعندما يستثمر في صندوق استثماري يتم تسجيله كحامل وثائق في ذلك الصندوق، بينما يتم الاحتفاظ بالأموال غير المستثمرة في حسابات مستقلة لدى بنوك منظمة ومنفصلة عن أموال الشركة.

وأشار إلى أن صناديق سوق النقد المتاحة عبر المنصة تستثمر بصورة أساسية في أدوات الدين الحكومي وأذون الخزانة، معتبرًا أنها من أكثر الأدوات الاستثمارية رسوخًا في السوق المصري.

وأضاف أن ثاندر نجحت في جذب جيل جديد من المستثمرين إلى السوق المصري، موضحًا أن أكثر من 200 ألف عملية تداول تم تنفيذها عبر المنصة خلال شهر واحد، بقيمة تجاوزت 56 مليار جنيه، فيما يمثل المستثمرون الجدد نحو 80% من مستخدمي التطبيق، وأكثر من نصفهم من خارج القاهرة والإسكندرية.

وفي السياق نفسه، كشف المهندس أشرف صبري أن شركة فوري تركز على الجمع بين توسع محفظة قروضها، التي شهدت نموًا بنسبة 68%، وبين إدارة مخاطر الائتمان من خلال استراتيجية تعتمد على «الإقراض المسؤول» والتحليل الذكي للبيانات.

وأوضح أن فلسفة الشركة تقوم على تقييم «القدرة على السداد» بدلًا من التركيز فقط على حجم الخسائر المحتملة، بحيث يضمن القرض تحقيق منفعة للعميل دون دفعه إلى استنزاف مدخراته أو بيع أصوله.

وأشار إلى أن فوري تعتمد على تقنيات البيانات الضخمة لتحليل سلوك العملاء، سواء من خلال التاريخ الائتماني أو أنماط سداد الفواتير واستخدام تطبيق «ماي فوري»، إضافة إلى الاستعانة ببيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء لتقدير مستويات الإنفاق والدخل.

أشرف صبري
أشرف صبري

وأضاف أن الشركة تتبع سياسة متحفظة مع العملاء الجدد، إذ تبدأ بمنح حدود ائتمانية منخفضة نسبيًا قبل رفعها تدريجيًا وفقًا لالتزام العميل بالسداد، موضحًا أن نسبة التعثر الحالية لدى الشركة تبلغ نحو 4%، وهي نسبة تعتبرها الإدارة مناسبة في ظل التوسع الحالي.

ثغرات رقابية وتحديات التكنولوجيا المالية

قال محمد ربيع العضو المنتدب لشركة PayMint إن شركات التكنولوجيا المالية، لا سيما العاملة في مجالي الإقراض والتمويل الاستهلاكي، أصبحت في حاجة إلى مزيد من الأدوات الرقابية لمواكبة التوسع السريع في السوق.

وأوضح أن وجود عدد كبير من شركات التمويل الاستهلاكي لا يمثل خطورة في حد ذاته، طالما تعمل تلك الشركات في إطار قانوني وتشريعي ورقابي منضبط.

وأشار إلى أن استخدام العملاء لخدمات التمويل الاستهلاكي شهد خلال الآونة الأخيرة تحولات لافتة، حيث بدأ يتجه نحو تمويل منتجات غير أساسية، مستشهدًا بانتشار تقسيط شراء الحلويات، معتبرًا أن ذلك مؤشر غير طبيعي ويستوجب تدخلًا رقابيًا أكبر.

وأكد أن المنظومة الرقابية يجب ألا تقتصر فقط على متابعة نسب التعثر، وإنما تمتد إلى مراقبة نسب إعادة جدولة المديونيات، وعدد التسهيلات الائتمانية الممنوحة للعميل الواحد، خاصة بين أصحاب الدخول المنخفضة.

وكشف ربيع عن وجود بعض الثغرات في تطبيق المنظومة الرقابية الحالية، موضحًا أن العميل يستطيع في التوقيت نفسه الحصول على حدود ائتمانية من أكثر من شركة تمويل استهلاكي، قبل أن تنعكس تلك البيانات على تقارير شركة الاستعلام الائتماني “I-Score”، التي يتم تحديثها بصورة دورية كل أسبوعين تقريبًا.

وشدد على أهمية وجود ربط إلكتروني فوري بين الجهات المعنية وشركات التمويل، مع تطوير أداة مركزية تتيح إظهار عدد التسهيلات أو الإصدارات الائتمانية الخاصة بكل عميل بشكل لحظي، بما يحد من مخاطر التوسع غير المنضبط في الإقراض.

دعوات لرقابة أكثر تطورًا

قال هشام زكي إن عددًا محدودًا للغاية من شركات التمويل الاستهلاكي الصغيرة يرتكب مخالفات تتعلق بالقواعد المنظمة للنشاط، مؤكدًا أن الشركات الكبرى المعروفة في السوق تلتزم بضوابط واضحة وثابتة.

وأوضح أن شركات التمويل الاستهلاكي تمثل إحدى الأدوات الرئيسية لتعزيز الشمول المالي، من خلال دمج شرائح غير متعاملة مع البنوك داخل المنظومة المالية الرسمية.

وأشار إلى أن احتمالات وقوع مخالفات داخل الشركات الكبرى تعد محدودة للغاية، نظرًا لخضوعها لرقابة مباشرة من الهيئة العامة للرقابة المالية وحرصها على الحفاظ على سمعتها التجارية.

وأضاف أن المخالفات غالبًا ما تصدر عن بعض الشركات الصغيرة، التي تتحمل تبعات تلك الممارسات لاحقًا سواء عبر ارتفاع معدلات التأخر في السداد أو العقوبات الرقابية.

فيما قال توفيق محمود إن قطاع التمويل الاستهلاكي في مصر يشهد نموًا متسارعًا غير مسبوق، مع تجاوز عدد الجهات الخاضعة لرقابة الهيئة العامة للرقابة المالية حاجز الـ2500 جهة.

وأشار إلى أن معدلات الفائدة الضمنية في بعض منتجات التمويل الاستهلاكي تتراوح بين 30% و60% سنويًا، ما يعني أن المستهلك يدفع فاتورة تضخمية مضاعفة، خاصة أن هذا الائتمان موجه للاستهلاك وليس للإنتاج.

ورسم محمود خريطة تحذيرية تضم سبعة مؤشرات رئيسية ينبغي مراقبتها للكشف المبكر عن أي فقاعة ائتمانية، أبرزها، نمو محفظة الائتمان الاستهلاكي بأكثر من 20% سنويًا بصورة متواصلة، تجاوز نسبة خدمة الدين إلى الدخل مستوى 40%، ارتفاع معدل التعثر المتأخر لأكثر من 90 يومًا بصورة حادة، تجاوز نسبة الائتمان الاستهلاكي إلى الناتج المحلي الإجمالي حاجز 15%.

كما تشمل الخريطة، زيادة الاعتماد على تمديد فترات السداد، نمو شريحة العملاء المقترضين من أكثر من جهة، اتساع الفجوة بين ثقة المستهلك ومعدلات الاقتراض.

وأضاف أن بعض تطبيقات التمويل الاستهلاكي أصبحت مصممة بصورة تشجع على الاقتراض السريع عبر التركيز على قيمة القسط الشهري بدلًا من التكلفة الإجمالية الحقيقية للتمويل.

واقترح ثلاثة حلول لتحقيق التوازن بين سهولة الاستخدام وحماية العملاء تتمثل في فرض فترة تروٍ إلزامية للمبالغ الكبيرة، إظهار التكلفة الإجمالية للتمويل قبل إتمام العملية، تقديم تقرير دوري للعميل يوضح حجم التزاماته مقارنة بدخله.

كما دعا إلى إنشاء منظومة رقابية أكثر تطورًا تعتمد على البيانات الضخمة والربط اللحظي بين شركات التمويل وقواعد البيانات الائتمانية، مع إنشاء لوحة رقابية مركزية لدى الهيئة العامة للرقابة المالية لرصد المؤشرات بشكل فوري.

وأكد أن المشكلة لا تكمن فقط في الشركات الصغيرة أو الكبيرة، بل في اتساع الفجوة بين مستويات الالتزام والحوكمة داخل السوق، وهو ما قد يخلق ضغوطًا تنافسية تدفع بعض الشركات الجيدة إلى التوسع بصورة أكثر مخاطرة للحفاظ على حصتها السوقية.

وأكد على أن الحل يكمن في تطبيق «رقابة متدرجة» تراعي اختلاف أحجام الشركات وطبيعة نشاطها، بحيث تخضع الشركات الصغيرة لمتطلبات رأسمالية ورقابية أكثر تشددًا، مع توفير بيئة تنظيمية مرنة للشركات الناشئة المبتكرة تحت إشراف رقابي مكثف.

 

The short URL of the present article is: https://followict.news/f5wj
Leave A Reply

Your email address will not be published.