طموح عابر للحدود.. قرارات البنك المركزي تضع التكنولوجيا المالية المصرية على رادار المؤسسات العالمية
في وقت تتسارع فيه وتيرة التحول الرقمي عالميًا، تبدو مصر وكأنها تعيد رسم خريطة القطاع المالي من جذورها، عبر حزمة من القرارات والتحركات التي تمهد لمرحلة جديدة تتجاوز مفهوم “المدفوعات الرقمية” إلى اقتصاد متكامل قائم على التكنولوجيا المالية، وخلال الفترة الأخيرة، صدرت إشارات قوية من البنك المركزي المصري والحكومة تعكس تحولًا استراتيجيًا في فلسفة إدارة القطاع، أبرزها السماح للبنوك بالمساهمة في الشركات المالية دون حد أقصى، في خطوة تعيد تعريف العلاقة بين البنوك وشركات التكنولوجيا المالية من منافسة إلى شراكة واستثمار.
وقرر “المركزي” تعديل حظر امتلاك البنوك لأسهم الشركات غير المالية بما يزيد عن 40% من رأس المال المصدر للشركة، والسماح لها بامتلاك أسهم الشركات المالية بدون حد أقصى، مع إمكانية إضافة شركات تقديم خدمات الدفع ومشغلي نظم الدفع إلى تعريف الشركات المالية التي يمكن للبنوك تملك أسهمها، تماشيًا مع المستجدات الحالية بالسوق وظهور عدد من الشركات التي تعمل في أنشطة مالية جديدة.
هذا التحول يأتي بالتوازي مع تسارع ملحوظ في وتيرة إصدار التراخيص، حيث حصلت شركة “كيوي” هذا الأسبوع على رخصة تشغيل، ضمن قائمة متنامية من الشركات التي تسعى لدخول السوق المنظم، ما يعكس جاذبية البيئة التنظيمية الجديدة التي تدعم الابتكار وتفتح المجال أمام نماذج أعمال جديدة، خاصة في مجالات التمويل المدمج والخدمات المالية الاجتماعية.
كما شهدت الفترة الأخيرة تحركًا مهمًا على صعيد جذب الاستثمارات الأجنبية، تمثل في لقاءات مكثفة لوزارة الاستثمار مع قيادات مؤسسات دولية مثل Accion وQuona Capital، لبحث فرص ضخ استثمارات جديدة في قطاع التكنولوجيا المالية المرتبطة بالتجارة الدوليةـ ويعكس هذا التوجه إدراكًا متزايدًا بأن مستقبل التمويل لا ينفصل عن النشاط الاقتصادي الحقيقي، بل يتكامل معه عبر أدوات رقمية مرنة قادرة على دعم سلاسل الإمداد، ومن أبرزها إطلاق بيئات تنظيمية تجريبية مثل “TradeTech Sandbox”، التي تتيح اختبار الحلول المالية في بيئة آمنة، مما يحول دور الجهات التنظيمية من “الرقابة التقليدية” إلى “الشريك الممكن”.

وعلى صعيد الأرقام، لعب البنك المركزي المصري دورًا حاسمًا في تحقيق طفرة بمؤشرات الشمول المالي؛ حيث سجلت قيمة المعاملات عبر محافظ الهاتف المحمول نحو 4 تريليونات جنيه خلال عام 2025، مع ارتفاع عدد المحافظ إلى نحو 60 مليون محفظة بنهاية العام نفسه، مقارنة بـ 50.4 مليون محفظة في 2024. كما ارتفع عدد نقاط البيع الإلكترونية التابعة للبنوك إلى 1.351 مليون ماكينة، فيما وصل عدد ماكينات الصراف الآلي إلى 26.160 ألف ماكينة، بالتوازي مع توسع فروع البنوك لتصل إلى 4787 فرعًا، ما يعكس عمق الانتشار الرقمي والجغرافي للمنظومة.
ويرى خبراء أن قرار إلغاء سقف ملكية البنوك في الشركات المالية يتجاوز كونه إجراءً تنظيميًا ليصبح “محركًا للسيولة الاستراتيجية”، حيث يؤكد المحللون أن هذا التحول ينهي حقبة “المنافسة الصفرية” ويبدأ عصر “الاستحواذ المنتج”. فالبنوك اليوم لم تعد تبحث عن شراء حصص للمشاركة في الأرباح فقط، بل تسعى للاستحواذ على “التكنولوجيا والرؤية المرنة” التي تمتلكها الشركات الناشئة لدمجها في هياكلها التقليدية، مما يخلق كيانات هجينة قادرة على المنافسة عالميًا وسد فجوة التمويل التي طالما واجهت القطاع.
ويضيف المحللون أن هذا التكامل سيحدث “أثرًا مضاعفًا” على الاقتصاد الكلي، فالتوسع في “التمويل المدمج” داخل سلاسل الإمداد سيعمل على تقليل التكاليف التشغيلية للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتحويلها من القطاع غير الرسمي إلى المظلة المصرفية بمرونة فائقة. وبحسب الخبراء، فإن الوصول إلى 60 مليون محفظة إلكترونية ليس مجرد رقم إحصائي، بل هو “قاعدة بيانات قومية” تسمح بتصميم سياسات ائتمانية أكثر دقة وعدالة، وتنعكس بشكل مباشر على كفاءة الأنشطة التشغيلية مثل التجارة الإلكترونية والخدمات اللوجستية.
وفيما يخص جذب رؤوس الأموال الدولية، يشير الخبراء إلى أن اهتمام مؤسسات الاستثمار العالمية يعكس اعترافًا بنضج “العقد الاجتماعي الرقمي” في مصر، حيث تمثل البيئات التجريبية مثل “TradeTech Sandbox” مغناطيسًا للاستثمارات، كونها تحول مصر من مستهلك للتكنولوجيا إلى “مختبر إقليمي” لتطوير حلول التجارة الدولية. هذا التوجه، بحسب وصف الخبراء، يضع مصر في صدارة المشهد كبوابة مالية ذكية تربط تدفقات التجارة بين القارات، مستفيدة من موقعها الجغرافي وبنيتها التحتية التي باتت تضاهي المعايير العالمية، مما يعزز من ثقة الأسواق الدولية في تحول مصر إلى مركز إقليمي رائد للتكنولوجيا المالية

وقال عاكف المغربى، الرئيس التنفيذى العضو المنتدب لبنك قناة السويس، إن القطاع المصرفى المصرى يشهد خلال السنوات الأخيرة واحدة من أسرع وأعمق موجات التطور فى تاريخه، مدفوعًا بعوامل عدة متزامنة، أبرزها الإصلاحات الاقتصادية، ودعم البنك المركزى التحول الرقمى، وانتشار الخدمات البنكية الإلكترونية، إلى جانب تغير سلوك العملاء وتوقعاتهم من البنوك.
وأوضح المغربى أن الجدل حول ما إذا كانت البنوك ستتحول بالكامل إلى كيانات رقمية أم ستظل تعتمد على الفروع التقليدية قد انتهى، مؤكدًا أن النموذج الناجح اليوم هو الجمع بين الاثنين، فالبنك الناجح يمتلك وجودًا فعليًا على الأرض من خلال شبكة فروعه، وفى الوقت نفسه منظومة رقمية متكاملة تقدم معظم الخدمات عبر التطبيقات والمنصات الإلكترونية بالتعاون مع شركات التكنولوجيا المالية التي باتت البنوك تستثمر فيها بقوة خلال السنوات الأخيرة.
وأشار إلى أن أى بنك لا يمتلك تطبيقًا رقميًا قويًا وخدمات مبتكرة لن يكون قادرًا على المنافسة، لأن العميل لم يعد يعتمد على زيارة الفرع لإتمام معاملاته، بل أصبح يتوقع إنجاز معظم العمليات عبر الهاتف أو الإنترنت، سواء كانت تحويلات، أو دفع فواتير، أو فتح حسابات، أو طلب تمويلات، أو إدارة البطاقات.
وأضاف أن التحول الرقمى أصبح مرحلة أساسية، وانتقل القطاع الآن إلى الاعتماد على الذكاء الاصطناعى وتحليل البيانات الضخمة، والذى يمثل الثورة الحقيقية فى الصناعة المصرفية.
وأوضح أن تطبيقات الذكاء الاصطناعى تُستخدم بشكل خاص فى مجال الائتمان وإدارة المخاطر، إذ تمكن البنوك من تحليل آلاف البيانات فى وقت قياسى، وتصنيف العملاء وتقييم مستوى المخاطر، واتخاذ قرارات دقيقة وسريعة، ما يقلل نسب التعثر ويحسن جودة محافظ الائتمان.
وأضاف أن استخدام الذكاء الاصطناعى يمتد إلى خدمة العملاء عبر المساعدات الذكية، وتحليل وشكاوى العملاء، والتنبؤ باحتياجاتهم، واقتراح المنتجات المناسبة، إضافة إلى أتمتة العمليات الداخلية لخفض التكاليف التشغيلية، خاصة فى إدارات الباك أوفيس.
وأوضح المغربى أن إدارات الالتزام والحوكمة ومكافحة غسل الأموال من أكثر الأقسام استفادة، إذ تستطيع الأنظمة الذكية تحليل حجم ضخم من المعاملات المالية واكتشاف العمليات المشبوهة وإصدار تنبيهات فورية، بما يعزز الرقابة ويقلل الأخطاء البشرية.
وحول التعاون مع شركات التكنولوجيا المالية، أكد المغربى أن النموذج الأمثل هو الشراكة وليس المنافسة، مشيرًا إلى أن البنوك تتميز بقاعدة ودائع قوية وخبرة طويلة فى التمويل وإدارة السيولة، بينما تتميز شركات الفينتك بالابتكار والمرونة وانخفاض التكلفة التشغيلية، مشيرًا إلى أن التعاون قد يشمل التمويل، ودمج الأنظمة، أو تقديم منتجات مشتركة تجمع بين الحلول الرقمية والخبرة المصرفية.
ونوه بأن إطلاق شركة الهوية الرقمية تحت إشراف البنك المركزى سيكون نقطة تحول مهمة، لأنها ستتيح فتح الحسابات رقميًا والتحقق من الهوية بشكل آمن، ما يعزز تجربة العملاء ويمكّن البنوك من التوسع فى الخدمات الرقمية على نطاق واسع.
وأكد أن القطاع المصرفى المصرى يسير بخطوات ثابتة نحو مستقبل يعتمد على التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعى، وأن المؤسسات التى تستثمر مبكرًا فى هذه المجالات ستكون الأكثر قدرة على النمو والمنافسة خلال السنوات المقبلة.

ويرى الخبير الاقتصادي محمد سيد، أن ما يحدث في السوق المصرية حاليًا يمثل “إعادة هندسة كاملة لدور البنوك داخل المنظومة المالية”، وليس مجرد تعديلات تنظيمية عابرة.
وأوضح أن قرار البنك المركزي المصري بإلغاء سقف مساهمة البنوك في الشركات المالية يُعد نقطة فاصلة، حيث يدفع البنوك للتحول من نموذج المنافسة المباشرة مع شركات التكنولوجيا المالية إلى نموذج “الشريك الاستراتيجي والمستثمر”.
وأضاف أن هذا التحول يخلق ما يمكن تسميته بـ”تحالفات القيمة”، حيث توفر البنوك رأس المال والبنية التحتية وقاعدة العملاء، بينما تقدم الشركات الناشئة الابتكار والسرعة في تطوير الحلول.
وأشار إلى أن زيادة عدد الشركات المتقدمة للحصول على تراخيص، وآخرها حصول شركة “كيوي” على رخصة تشغيل، يعكس تحسن بيئة الأعمال التنظيمية، ويعزز المنافسة الإيجابية داخل السوق.
ويرى أن هذا التوسع لن يؤدي إلى تشبع سريع، بل إلى تنويع الخدمات، خاصة مع الانتقال من خدمات الدفع إلى حلول أكثر تعقيدًا مثل التمويل المدمج والخدمات المالية الرقمية المتكاملة.
وأكد سيد أن اجتماعات الحكومة مع مؤسسات دولية تحمل بُعدًا استراتيجيًا يتجاوز جذب التمويل، لتشمل نقل الخبرات وبناء نماذج تشغيل متقدمة في مجالات تمويل التجارة وسلاسل الإمداد، مضيفًا أن التركيز على حلول مرتبطة بالتجارة الدولية يعكس فهمًا عميقًا لطبيعة الاقتصاد المصري، الذي يعتمد بشكل كبير على الاستيراد والتصدير.
واعتبر الخبير الاقتصادي، أن إطلاق بيئات اختبار مثل “TradeTech Sandbox” يمثل تحولًا مهمًا في الفكر الرقابي، حيث يسمح بتجربة منتجات مالية جديدة مرتبطة بالتجارة قبل تعميمها، ما يقلل المخاطر ويشجع الابتكار، لافتًا إلى أن هذه الأداة قد تكون مفتاحًا لتحويل مصر إلى مركز إقليمي يربط التمويل الرقمي بالنشاط التشغيلي، خاصة في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا.
وتوقع محمد سيد أن تسهم هذه التحركات في رفع معدلات النمو في قطاع التكنولوجيا المالية بمعدلات مزدوجة خلال السنوات المقبلة، وتحسين كفاءة الأنشطة التشغيلية، خاصة في قطاعات مثل التجارة الإلكترونية والخدمات اللوجستية.
ولفت إلى أن واحدة من أهم نتائج هذه السياسات هي تضييق فجوة التمويل، خاصة للفئات غير المخدومة مصرفيًا، إذ أنه مع دخول شركات جديدة وتوسع البنوك في الاستثمار، ستزداد قدرة السوق على تقديم منتجات مالية مخصصة، ما يعزز من معدلات الشمول المالي ويزيد من دمج الاقتصاد غير الرسمي في المنظومة الرسمية.

من جانبها قالت سهر الدماطي الخبيرة المصرفية، إن مصر تمتلك فرصة حقيقية للتحول إلى مركز إقليمي للتكنولوجيا المالية، مستفيدة من حجم سوقها الكبير وموقعها الجغرافي، إلى جانب الدعم التنظيمي الحالي.
وأشارت إلى أن هذه التحركات تمثل “جيلًا جديدًا من السياسات المالية”، لا يهدف فقط إلى تطوير القطاع المصرفي، بل إلى بناء اقتصاد رقمي متكامل، وأن نجاح هذه التجربة سيعتمد على قدرة جميع الأطراف “بنوك، شركات ناشئة، وجهات تنظيمية” على العمل ضمن منظومة واحدة قائمة على الشراكة والابتكار.
أكدت الدماطي، أن الشراكات بين البنوك وشركات التكنولوجيا المالية لم تعد خيارًا تكميليًا، بل أصبحت ضرورة حتمية لتطوير القطاع المصرفي، في ظل تصدر التكنولوجيا مشهد التحول داخل مختلف القطاعات الاقتصادية، وعلى رأسها القطاع المالي.
وأوضحت أن تبني هذا النموذج التعاوني يسهم بشكل مباشر في رفع كفاءة البنوك، ويمنحها مرونة أكبر في الاستجابة لاحتياجات العملاء المتغيرة والمتسارعة.
وأضافت أن التعاون مع شركات التكنولوجيا المالية يتيح للبنوك تقديم حلول مبتكرة بوتيرة أسرع، مثل خدمات الدفع اللحظي والتمويل الرقمي، بما يعزز تجربة المستخدم ويرفع مستويات رضاه وولائه، مؤكدة أن تجربة العميل أصبحت اليوم العامل الفاصل في تنافسية المؤسسات المصرفية.
أشارت إلى أن هذه الشراكات تتماشى مع توجهات الدولة نحو تعزيز الشمول المالي وتقليل الاعتماد على النقد، موضحة أن دمج التكنولوجيا المالية داخل المنظومة المصرفية يسهم في توسيع قاعدة المستفيدين من الخدمات المالية، خاصة بين فئات النساء والشباب ورواد الأعمال وأصحاب المشروعات الصغيرة والمتوسطة، بما يدعم تحقيق نمو اقتصادي أكثر شمولًا واستدامة.







