الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل كتابة عالم الروايات والقصص من أداة مساعدة إلى شريك إبداعي لـ 45% من المؤلفين
يشهد عالم الكتابة الأدبية تحولًا غير مسبوق مع تسارع تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، التي لم تعد مجرد أدوات مساعدة، بل أصبحت شريكًا فعليًا في العملية الإبداعية. وبينما يثير هذا التحول نقاشًا واسعًا حول حدود الإبداع البشري ودور الآلة، يواصل عدد متزايد من الروائيين تبني هذه التقنيات لإعادة تشكيل طرق كتابة الروايات وتسريع إنتاجها دون التخلي الكامل عن اللمسة الإنسانية.
في هذا السياق، برز الذكاء الاصطناعي كأداة قوية ومثيرة للجدل في مراحل متعددة من كتابة الرواية، بدءًا من توليد الأفكار وصولًا إلى التحرير والتسويق. ورغم أن الأعمال التي تعتمد كليًا على الذكاء الاصطناعي لا تزال تعاني في كثير من الأحيان من ضعف التماسك وغياب العمق، فإن الاتجاه السائد يتجه نحو نموذج “هجين” يجمع بين الإبداع البشري وقدرات الآلة. وتشير التقديرات إلى أن نحو 45% من المؤلفين استخدموا أدوات الذكاء الاصطناعي ضمن سير عملهم بحلول عام 2025.

تُظهر البيانات الحديثة صورةً مُتباينة. فقد كشف استطلاع أجرته BookBub في مايو 2025 وشمل أكثر من 1200 مؤلف أن حوالي 45% منهم يستخدمون الذكاء الاصطناعي حاليًا. ومن بين هؤلاء، تتصدر مجالات استخدام الذكاء الاصطناعي البحث (81%)، وكتابة النصوص التسويقية (حوالي 73%)، ووضع المخططات/الرسوم البيانية (72%)، والتحرير (70%). ومن المُرجح أن يستمر استخدام الذكاء الاصطناعي في الارتفاع مع مرور الوقت، مع ازدياد إلمام المؤلفين بخياراتهم. ويتصدر ChatGPT حاليًا استخدام المنصات، يليه Claude بفارق بسيط، ومعظم المؤلفين الذين يستخدمون الذكاء الاصطناعي لا يُفصحون عن ذلك للقراء (74%).
وفي قطاع النشر عمومًا، يستخدم ما يقرب من نصف العاملين في هذا المجال أدوات الذكاء الاصطناعي في عملهموفقا لاستطلاع BISG، بتاريخ 23 سبتمبر 2025، على الرغم من أن 98% منهم يُبدون مخاوف كبيرة بشأن تطبيقها. كما أظهر تقرير الرواتب والوظائف لعام 2024 الصادر عن مجلة Publishers Weekly أن 53% من شركات النشر تستخدم الذكاء الاصطناعي، بزيادة عن 23% في عام 2022.
دور متنامٍ في مختلف مراحل الكتابة
أصبح الذكاء الاصطناعي عنصرًا داعمًا في عدد من المهام الأساسية التي يواجه فيها الكُتّاب تحديات متكررة. ففي مرحلة العصف الذهني، يُستخدم لتوليد أفكار جديدة للحبكة وبناء خلفيات الشخصيات، ما يساعد على تجاوز “جمود الكاتب”. كما يسهم في تحويل الأفكار الأولية إلى مخططات تفصيلية للفصول، وهو ما يوفر إطارًا منظمًا للعمل الروائي.
أما في مرحلة التحرير، فتُستخدم هذه الأدوات لتحسين الأسلوب وضبط الإيقاع السردي وتوحيد النبرة، إضافة إلى مراجعة تسلسل الأحداث. كما تلعب دورًا في البحث وبناء العوالم الروائية عبر توفير معلومات تاريخية أو علمية، مع ضرورة التحقق من دقة هذه البيانات لتجنب الأخطاء الناتجة عن ما يُعرف بـ“هلوسة” الذكاء الاصطناعي.
ولا يقتصر الاستخدام على الكتابة فقط، بل يمتد إلى الجوانب التسويقية، مثل إعداد أوصاف الكتب والنشرات الترويجية، فضلًا عن تصميم الأغلفة ورسومات الشخصيات باستخدام أدوات مثل Midjourney وDALL-E.

وتقول الكاتبة الإيطالية كيلا دامير المتخصصة في مختلف أنواع الخيال العلمي والفانتازيا والرعب في تصرحات لموقع authors.AI، إنها تتعامل مع الذكاء الاصطناعي كأداة فعّالة. تستخدم برنامج Gemini من جوجل لتبادل الأفكار القصصية، وكتابة القصص، والملخصات، ومنشورات وسائل التواصل الاجتماعي، والنشرات الإخبارية، وللتحرير، وكتابة أكواد موقعها الإلكتروني ونشرتها الإخبارية، وإعداد التطبيقات، وكتابة كلمات الأغاني، ورسائل البريد الإلكتروني التجارية، وتصميم أغلفة الكتب والرسومات بشكل عام. تقول: “أستخدم أحدث إصدارات Gemini منذ أكثر من عام ولم أندم على ذلك أبدًا. لقد ارتفعت إنتاجيتي بشكل كبير لأنني لست مضطرة للانتظار أيامًا أو أسابيع للحصول على تعليقات القراء التجريبيين… بضع ثوانٍ فقط وأحصل على الإجابة. إنه حلم أصبح حقيقة.”
بينما الكاتبة إس. جيه. باجوناس المتخصصة في روايات الخيال العلمي الرومانسية والغموض الهادئ، إن بدايتها مع الذكاء الاصطناعي تجربة شخصية: “بدأت رحلتي مع الذكاء الاصطناعي في أبريل 2022، بعد إصابتي بكوفيد-19 التي تركتني أعاني من تشوش ذهني شديد لمدة ثمانية أشهر تقريبًا، أصبح الذكاء الاصطناعي بمثابة طوق نجاة، ثم جزءًا أساسيًا من عملي، ما بدأ كتجربة في العصف الذهني والتحرير وتحسين كتاباتي، تطور إلى اندماج عميق ومتعدد الأوجه.” اليوم، بصفتها المؤسسة المشاركة لأكاديمية الخيال المستقبلي، ترى أن الذكاء الاصطناعي “ليس مجرد أداة لزيادة الإنتاجية، بل شريكًا إبداعيًا”.
بدروها قالت دانيكا فافوريت المتخصصة في الروايات الرومانسية إنها تعشق إملاء المسودات الأولى وتستخدم الذكاء الاصطناعي لتنقيحها. “أملي النص مباشرةً في تطبيق تسجيل على هاتفي، والذي يقوم بنسخه تلقائيًا، ثم أضع النص في برنامج ChatGPT لتنقيحه”، كما قالت. كما يساعدها الذكاء الاصطناعي في تبادل الأفكار حول كيفية ربط أجزاء الحبكة: “لأنني أخطط لكل شيء، أحب مشاركة مخططاتي وسؤال الآخرين عما إذا كان هناك أي شيء ناقص، أو إذا لم أستطع رؤية كيفية الانتقال من النقطة أ إلى النقطة ج، يمكنني طلب اقتراحات.” بصفتها رئيسة قسم التسويق في منصة نشر الكتب “Publish Drive”، تشارك في تقديم بودكاست “Brave New Bookshelf” (مع ستيف باجونز)، والذي تجاوز مؤخرًا حاجز الخمسين حلقة.

أدوات متخصصة تعزز الكتابة الروائية
مع تزايد الطلب، ظهرت مجموعة من الأدوات المتخصصة التي تدعم كتابة الروايات الطويلة، مع التركيز على الحفاظ على ترابط الحبكة واتساق الشخصيات. من أبرز هذه الأدوات:
Sudowrite: يُعد من أبرز المساعدين في الكتابة الإبداعية، حيث يوفر أدوات لوصف المشاهد وإعادة صياغة النصوص بأساليب مختلفة.
Novelcrafter: يتميز بميزة “Codex” التي تعمل كمرجع منظم يساعد على تتبع تفاصيل القصة وضمان الاتساق.
Claude من Anthropic: يتمتع بقدرة على معالجة سياق طويل، ما يجعله مناسبًا للتعامل مع نصوص روائية ممتدة.
ImagineYourBook: يركز على التخطيط التفصيلي وضمان تسلسل منطقي للأحداث.
NovelistAI: يقدم حزمة متكاملة تشمل الكتابة، وتصميم الأغلفة، وحتى تحويل الكتب إلى صيغ صوتية.
رغم الفوائد الواضحة، لا تزال مسألة الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في الأدب محل جدل، خاصة فيما يتعلق بالأصالة والهوية الإبداعية. ومع ذلك، يبدو أن المستقبل يتجه نحو تكامل أكبر بين الإنسان والآلة، حيث يظل الكاتب هو العنصر الحاسم في منح النص روحه وعمقه، بينما يوفر الذكاء الاصطناعي السرعة والكفاءة والدعم التقني.







