أزمة الهيليوم العالمية تتفاقم رغم التهدئة الإقليمية و تهدد صناعة أشباه الموصلات لفترة قد تمتد لـ ٥ سنوات
أزمة تتجاوز السياسة إلى الاقتصاد الصناعي
تستمر أزمة نقص الهيليوم العالمي في تهديد صناعة أشباه الموصلات رغم التقدم في مسار التهدئة بين إيران وعدد من الأطراف الإقليمية، وذلك في ظل الاضطرابات التي طالت البنية التحتية الحيوية للإنتاج، خصوصًا في منطقة الخليج. وتشير المعطيات إلى أن جذور الأزمة تجاوزت الإطار السياسي لتتحول إلى أزمة إمدادات صناعية ذات تداعيات واسعة على قطاعات التكنولوجيا المتقدمة، وفقا لتقرير موقع Moltley fool المتخصص.
يُعد إعلان حالة “القوة القاهرة” من قبل QatarEnergy في منطقة رأس لفان الصناعية، في ٢ مارس الماضي، خطوة استثنائية في قطاع الطاقة، عقب تعرض منشأة رئيسية تضم أحد أكبر مراكز إنتاج الهيليوم في العالم لأضرار جسيمة نتيجة هجمات بطائرات مسيّرة وصواريخ. وقد أعقب ذلك توقف شبه كامل للعمليات في المنشأة التي تُعد من الركائز الأساسية لسلاسل الإمداد العالمية.
وتُقدّر مساهمة قطر بنحو 30% إلى 38% من الإمدادات العالمية للهيليوم، ما يجعل أي تعطّل في إنتاجها ذا تأثير مباشر على الأسواق الدولية. وحتى الآن، لا يزال موعد استئناف العمليات غير واضح، في حين تشير تقديرات خبراء الصناعة إلى أن أعمال الإصلاح قد تستغرق ما بين ثلاث إلى خمس سنوات.

هيليوم بلا بديل في قلب صناعة الرقائق
يُعد الهيليوم عنصرًا أساسيًا لا يمكن الاستغناء عنه في صناعة أشباه الموصلات، حيث يُستخدم خلال عمليات الحفر الدقيقة على رقائق السيليكون لضبط درجات الحرارة عبر التبريد الفوري، بفضل خصائصه الحرارية الفريدة. هذه الوظيفة الحيوية تجعل منه عنصرًا لا يمكن تعويضه ببدائل صناعية حالية.
وقد حذّرت رابطة صناعة أشباه الموصلات في عام 2023 من أن أي اضطراب في إمدادات الهيليوم قد يؤدي إلى صدمة واسعة في قطاع تصنيع الرقائق العالمي، وهو ما يبدو أقرب إلى الواقع في ظل التطورات الحالية.
لا تُخزن شركات تصنيع الرقائق كميات كبيرة من الهيليوم في مصانعها إذ تحتفظ معظم المنشآت بمخزون يكفي لمدة أسبوع تقريبًا.
في غضون ذلك، تقطعت السبل بنحو 200 حاوية شحن متخصصة في التبريد العميق – وهي الوحدات الوحيدة القادرة على نقل الهيليوم السائل – في قطر أو أثناء عبورها عندما أُغلق مضيق هرمز. تبلغ تكلفة الحاوية الواحدة حوالي مليون دولار، ولا يوجد الكثير من الحاويات الاحتياطية في أماكن أخرى.

حتى لو استؤنفت حركة المرور عبر المضيق بالكامل اليوم، فسيتعين إعادة تموضع هذه الحاويات وتغيير مسارها وإعادة تعبئتها قبل أن تتمكن مصانع أشباه الموصلات الآسيوية من الحصول على إمدادات جديدة.
مخزونات محدودة وسلاسل توريد هشّة
تعتمد مصانع الرقائق حول العالم على مخزونات تشغيلية محدودة من الهيليوم، غالبًا لا تتجاوز أسبوعًا واحدًا في مواقع الإنتاج. وحتى مع وجود احتياطيات أكبر على مستوى سلاسل التوريد قد تمتدلدة ٦ أشهر كحد أقصى، فإن استمرار انقطاع الإمدادات يهدد بتباطؤ الإنتاج تدريجيًا مع استنزاف هذه المخزونات.
وفي موازاة ذلك، تواجه سلاسل النقل العالمية تحديات إضافية، إذ تُشير التقارير إلى تعطل نحو 200 حاوية شحن مبردة متخصصة، وهي الوسيلة الأساسية لنقل الهيليوم السائل، بعد أن تعطلت أو عُلقت في قطر أو أثناء عبورها لمضيق هرمز. وتُقدّر قيمة الحاوية الواحدة بنحو مليون دولار أمريكي، مع ندرة كبيرة في البدائل المتاحة عالميًا.
ضغط متزايد على قطاع أشباه الموصلات
حتى في حال استئناف حركة الشحن بشكل كامل، فإن إعادة تموضع الحاويات وإعادة تهيئتها قد يستغرق وقتًا إضافيًا، ما يعني استمرار الضغط على مصانع الرقائق، خصوصًا في آسيا، التي تعتمد بشكل كبير على هذا المورد الحيوي.
وفي ظل هذه التطورات، تبرز مخاوف متزايدة في الأسواق المالية بشأن تأثير الأزمة على شركات التكنولوجيا، حيث تواجه شركات تصنيع الذاكرة مثل Micron Technology مخاطر مباشرة، نظرًا لاعتمادها على الهيليوم في إنتاج شرائح الذاكرة مثل DRAM وHBM داخل خطوط إنتاج حساسة تتطلب تدفقًا مستمرًا للغاز.
تشير التطورات الحالية إلى أن أزمة الهيليوم لم تعد مجرد انعكاس للتوترات الجيوسياسية، بل أصبحت تهديدًا مباشرًا للبنية التحتية للصناعة التقنية العالمية، مع تداعيات محتملة قد تمتد إلى تباطؤ إنتاج الرقائق وارتفاع تكاليف التصنيع في قطاع يعد من أكثر القطاعات حساسية في الاقتصاد الحديث.
الأسهم التي قد تستفيد
تُعدّ شركة إكسون موبيل (المدرجة في بورصة نيويورك تحت الرمز: XOM) المستفيد الأبرز من نقص الهيليوم. إذ يُمثّل مصنعها في لابارج، وايومنج، ما يقارب 20% من إمدادات الهيليوم العالمية في الظروف العادية. وقد ارتفعت أسعار الهيليوم الفورية من حوالي 500 دولار لكل ألف قدم مكعب قبل بدء الحرب إلى ما بين 1000 و1200 دولار في الأسابيع التي تلت إغلاق رأس لفان.
أما شركة ليندي (المدرجة في بورصة ناسداك تحت الرمز: LIN) فهي قصة نجاح في مجال الغازات الصناعية يغفل عنها معظم المستثمرين. فعندما يكون عرض الهيليوم محدودًا وغير مرن إلى هذا الحد، أي عندما لا يجد المشترون بديلًا ولا يستطيعون خفض الطلب، فإن من يسيطر على شبكة التوزيع هو من يملك القدرة على تحديد الأسعار. تُعدّ ليندي أكبر شركة للغازات الصناعية في العالم، ولديها عقود توزيع طويلة الأجل للهيليوم في قطاعات أشباه الموصلات والطب والفضاء. وتتمتع شركتا إير برودكتس وإير ليكيد الفرنسية بوضع هيكلي مماثل.







