Follow ICT
شعار الموقع الاساسى
جايزة 160
جايزة 160

عبد الملك البراوي يكتب: «أسبوع الابتكار العالمي».. عندما يأتي الحل قبل المشكلة

في أسبوع الابتكار العالمي، تذكير بسيط بأن الابتكار ليس عصا سحرية

في كل عام، يأتي World Creativity and Innovation Week خلال الفترة من 15 إلى 21 أبريل، بينما يُوافق 21 أبريل اليوم الذي اعتمدته الأمم المتحدة رسميًا بوصفه اليوم العالمي للإبداع والابتكار. الفكرة من هذه المناسبة ليست الاحتفاء بالشعارات، بل التذكير بدور الإبداع والابتكار في تحسين الحياة، ودعم التنمية، وفتح مسارات أذكى للتعامل مع التحديات.

ومع هذه المناسبة، أجد نفسي أفكر في مشهد يتكرر كثيرًا داخل الشركات والمؤسسات، وحتى الجهات الحكومية: أحدهم يقول بثقة شديدة: نريد حلًا مبتكرًا. جملة أنيقة، مناسبة جدًا للاجتماعات والعروض، لكن حين تسأله: ممتاز… وما المشكلة بالضبط؟ يبدأ الضباب. فجأة تصبح “الابتكارية” مطلوبة كأنها منتج جاهز على الرف، أو تعويذة إدارية تنقل المؤسسة من وضع تقليدي إلى وضع مبهر بمجرد توقيع عقد أو إطلاق مبادرة جديدة.

المشكلة هنا أن بعض المؤسسات تريد أن تبدأ من الحل قبل أن تفهم أصل المشكلة. بينما الفهم المهني للابتكار يقول العكس تمامًا. فوفق دليل أوسلو 2018 الصادر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD، فالابتكار ليس مجرد فكرة لطيفة أو اسم جذاب، بل هو منتج أو عملية جديدة أو محسّنة بشكل ملحوظ، تختلف بوضوح عما كان قائمًا من قبل، وتم طرحها أو تطبيقها فعليًا. وOECD نفسها ليست مجرد جهة اقتصادية بالمعنى الضيق، بل منتدى دولي للسياسات العامة والبيانات والمعرفة والممارسات الفضلى، ويُعد من أبرز المراجع العالمية في موضوعات الاقتصاد والإدارة والابتكار.

بمعنى أبسط: الابتكار لا يبدأ من سؤال: ما التقنية التي سنشتريها؟ بل من سؤال أكثر إحراجًا وفائدة: ما الذي لا يعمل جيدًا أصلًا؟ هل المشكلة في طول الإجراءات؟ في ارتفاع التكلفة؟ في تجربة عميل مربكة؟ في تضارب الأدوار؟ في بطء القرار؟ في كثرة التحويل بين الأقسام؟ هنا فقط يبدأ الكلام المفيد. لأن المؤسسة التي لا تعرف مشكلتها بدقة، لن تعرف غالبًا هل الحل نجح فعلًا أم لا.

والأهم أن الابتكار لا يأتي دائمًا من داخل قسم واحد، ولا من عقل “العبقري الوحيد”. أدبيات OECD تشير بوضوح إلى أهمية المصادر الداخلية والخارجية للمعرفة، وأن التعاون مع جهات أخرى قد يكون ذا قيمة عبر مراحل الابتكار المختلفة، من التطوير المبكر إلى الإطلاق. كما تتعامل OECD مع الابتكار بوصفه نشاطًا يضم أبعادًا تطويرية ومالية وتجارية وإدارية، لا مجرد ومضة إبداعية معزولة. هذا يعني أن الحل قد يبدأ من موظف في خدمة العملاء، أو من فريق التشغيل، أو من شريك خارجي، أو من شركة متخصصة، أو من تعاون بحثي، أو حتى من استحواذ على قدرة جاهزة بدل بناء كل شيء من الصفر.

ومن هنا نفهم أن للابتكار مركّبات متعددة. أحيانًا يكون ابتكارًا داخليًا نابعًا من الفريق نفسه. وأحيانًا يكون ابتكارًا مفتوحًا يعتمد على الاستفادة من خبرات السوق أو الشركاء. وأحيانًا يكون قرارًا استراتيجيًا بشراء تقنية، أو الاستحواذ على شركة، أو الاستعانة ببيت خبرة، بدل استنزاف الوقت والموارد في اختراع كل شيء من جديد. الفكرة هنا ليست أن المؤسسة يجب أن تبدو مبتكرة، بل أن تدير الابتكار بذكاء: من أين تأتي الفكرة، وكيف تتحول إلى تطبيق، وما القيمة التي تضيفها فعليًا.

ولهذا فالموضوع ليس من صاحب الفكرة، ولا من قالها بحماس أكبر في الاجتماع، ولا من ختمها بجملة: عندي حل عبقري. السؤال الحقيقي أبسط وأقسى في الوقت نفسه: هل الفكرة حلّت المشكلة فعلًا؟ وهل يمكن تشغيلها وقياس أثرها؟ أم أننا سنحتفل بها اليوم… ثم نفتح لها مشروع إنقاذ بعد ثلاثة أشهر؟ وحتى تعريف OECD نفسه يربط الابتكار بالفعل والتطبيق، لا بمجرد وجود الفكرة على الورق أو في العرض التقديمي.

ومن المهم أيضًا أن نفهم أن الابتكار ليس درجة واحدة. هناك تحسينات تدريجية ترفع الكفاءة خطوة خطوة، مثل تقليل وقت الخدمة أو تبسيط إجراء قائم. وهناك ابتكارات جذرية تنقل المؤسسة إلى مستوى مختلف في طريقة العمل أو تقديم القيمة. وهناك أيضًا ما يُعرف بالابتكار الإحلالي أو Disruptive Innovation، وهو في معناه الإداري الدقيق ليس مجرد شيء جديد أو رقمي، بل مسار يبدأ غالبًا بحل أبسط وأكثر إتاحة أو أقل تكلفة، ثم يتطور تدريجيًا حتى يعيد تشكيل السوق. ولهذا فليس كل تطبيق جديد ابتكارًا جذريًا، ولا كل تحسين بصري تغييرًا استراتيجيًا. أحيانًا أكبر قيمة حقيقية تأتي من تحسين صغير، لكنه متكرر، قابل للتنفيذ، ويمكن قياس أثره بوضوح.

وإذا أردنا أمثلة مفهومة من السوق، فـ Uber لم تكن مجرد تطبيق يطلب سيارة؛ هي غيّرت طريقة طلب المواصلات نفسها، ورفعت سقف توقعات الناس تجاه السرعة، والتتبع، والدفع، وتجربة الراكب بالكامل. وكذلك Airbnb لم تبنِ سلسلة فنادق جديدة، لكنها غيّرت طريقة تفكير الناس في الإقامة والحجز والسفر، وفتحت نموذجًا مختلفًا في العرض والطلب والثقة والاختيار. هذه أمثلة تشرح كيف يمكن لبعض الابتكارات أن تغيّر سلوك الناس لا مجرد شكل الخدمة.

ثم نعود إلى الواقع اليومي الأقرب لنا. جهة خدمية تختصر رحلة المستفيد من 12 خطوة إلى 4: هذا ابتكار. شركة تعيد تصميم آلية استقبال الطلبات بحيث تُحل نصف الحالات من أول تواصل بدل الدوران بين الأقسام: هذا ابتكار. مستشفى يغيّر طريقة جدولة المواعيد لتقليل الازدحام بدل شراء نظام جديد لا يعالج أصل المشكلة: هذا ابتكار. فريق موارد بشرية يعيد صياغة تجربة انضمام الموظف الجديد من سلسلة ملفات مبعثرة إلى رحلة واضحة ومنظمة: هذا أيضًا ابتكار. ليس شرطًا أن يكون الابتكار روبوتًا يتكلم أو منصة تحمل اسمًا فضائيًا. فحتى وفق الأدلة المرجعية، الابتكار قد يكون في المنتج أو الخدمة أو العملية، وليس فقط في التكنولوجيا. (OECD)

والأجمل أن هذا يعيد الابتكار إلى مكانه الطبيعي: إدارة الأعمال. وهنا تقع مؤسسات كثيرة في خطأ شائع جدًا، حين تظن أن الابتكار يعني تلقائيًا تحولًا رقميًا أو حلًا تقنيًا. بينما الحقيقة أن التقنية مجرد أداة محتملة، وليست تعريفًا للابتكار نفسه. فقد يكون الابتكار في إعادة تصميم إجراء داخلي، أو في تقليل دورة الموافقات، أو في تغيير طريقة تقديم الخدمة، أو في تطوير نموذج التشغيل، أو في أسلوب التواصل مع العملاء، أو حتى في طريقة التسعير أو تدريب الفرق على أداء العمل بصورة أذكى. والابتكار، بهذا المعنى، ليس حالة سحرية؛ بل عملية إدارية فيها فهم للمشكلة، وتحديد للأولوية، وتجريب، وقياس أثر، وإدارة مشاريع، وتشغيل، وتسويق، وتغيير تنظيمي.

ومن هنا يظهر خطأ آخر لا يقل شيوعًا: أن تُرمى كلمة “ابتكار” كلها في حضن قسم الـ IT، وكأن بقية المؤسسة جاءت فقط لتلتقط الصورة التذكارية. مع أن الواقع يقول العكس تمامًا. فالحل قد يخرج من خدمة العملاء، أو من العمليات، أو من الموارد البشرية، أو من شخص في الميدان رأى الاختناق الحقيقي بعينه. الفكرة ليست أن نبحث عن عبقري معزول، بل أن نجمع الحلول من كل الأطراف، ثم نرتبها، ونربطها، ونختبرها، ونحسنها، حتى تتحول من أفكار متفرقة إلى أثر حقيقي.

في النهاية، ربما السؤال الأذكى في أسبوع الابتكار العالمي ليس: ما الحل المبتكر الذي نشتريه؟ بل: ما المشكلة التي تستحق أن نفهمها جيدًا؟ وليس: كيف نبدو أكثر ابتكارًا؟ بل: كيف نصبح أفضل فعلًا؟ لأن كلمة الابتكار براقة، نعم، لكن جوهرها العملي أبسط بكثير: فهم مشكلة، توليد بدائل، اختيار ما يصلح، تشغيله، قياس أثره، ثم التحسين مرة أخرى. وهذا كله أقرب إلى الإدارة الجيدة منه إلى السحر.

ولو أردنا عبارة أخيرة تلخص الفكرة كلها، فقد تكون هذه:
لا تفكر أولًا في الحلول التي تبدو مبتكرة… فكر أولًا في كيف تجعل المؤسسة تعمل بشكل أفضل.
أما الابتكار الحقيقي، فهو غالبًا أقل صخبًا مما نظن، وأكثر نضجًا وتنظيمًا مما يُقال عنه في الاجتماعات.

تحليل كتبه: عبد الملك البراوي

الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة Solve Fast

The short URL of the present article is: https://followict.news/ia4j