في الوقت الذي تتسابق فيه شركات التكنولوجيا الكبرى لفرض هيمنتها على سباق الذكاء الاصطناعي، يبدو أن الثمن لا يُدفع فقط بالمليارات، بل أيضًا من راحة الموظفين وشعورهم بالأمان داخل بيئة العمل. شركة Meta، بدأت تنفيذ منظومة داخلية جديدة تعتمد على تتبع سلوكيات الموظفين الرقمية بشكل تفصيلي، من حركة الفأرة وضغطات لوحة المفاتيح إلى المحتوى الذي يشاهدونه على شاشاتهم، بهدف استخدام هذه البيانات في تدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي الخاصة بها.
لكن هذه الخطوة، التي تصفها ميتا بأنها جزء من مستقبل “الذكاء الاصطناعي للعمل”، أثارت موجة واسعة من الغضب والقلق داخل الشركة، خاصة مع تزامنها مع خطط لتسريح آلاف الموظفين، وتزايد المخاوف من أن تتحول أدوات الذكاء الاصطناعي إلى بديل مباشر للوظائف البشرية. وبينما تؤكد الشركة أن الهدف هو تطوير نماذج أكثر ذكاءً وكفاءة، يرى موظفون حاليون وسابقون أن ما يحدث يمثل تحولًا غير مسبوق نحو بيئة عمل خاضعة للمراقبة المستمرة، حيث أصبح كل تحرك رقمي مادة خام تُستخدم لتدريب الأنظمة التي قد تحل محل أصحابها مستقبلًا.
أبلغت شركة ميتا بلاتفورمز العالمية، موظفيها في الولايات المتحدة الأمريكية من خلال منشور داخلي، أنها ستُجري تغييرًا في سير العمليات الداخلية للشركة سيؤثر على عشرات الآلاف منهم، وأضافت ميتا موضحة إنه سيتم تتبع ما يكتبه الموظفون على أجهزة الكمبيوتر، وكيفية تحريكهم للفأرة، وما هو المحتوى الذي يحثهم على النقر للمشاهدة أو القراءة، كما يتضمن نظام الـ AI مراقبة ما يرونه الموظفين على شاشات أجهزتهم. وأوضحت الشركة أن الهدف هو جمع بيانات الموظفين لكي تتمكن نماذج الذكاء الاصطناعي الخاصة بها من تعلم “كيفية إنجاز الأشخاص للمهام اليومية باستخدام أجهزة الكمبيوتر”.
![]()
وكانت وكالة Reuters أول من كشف عن الخبر، استنادًا إلى مذكرات داخلية جرى توزيعها على الموظفين، أفادت بأن شركة Meta بدأت تثبيت برنامج جديد على أجهزة الكمبيوتر الخاصة بموظفيها في الولايات المتحدة. ووفقًا للتقارير، فإن “أداة التتبع” الجديدة، التي تحمل اسم “مبادرة قدرات النموذج” (MCI)، ستقوم بتسجيل جميع تحركات الفأرة والنقرات وضغطات المفاتيح التي ينفذها الموظفون، بهدف استخدام هذه البيانات في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي التي قد تتولى لاحقًا تنفيذ بعض مهامهم.
ويأتي هذا التطور، الذي يُتوقع أن يثير حالة من القلق داخل أوساط موظفي ميتا، بعد أيام قليلة من كشف مصادر مطلعة لرويترز عن موجة تسريحات جماعية مرتقبة داخل الشركة. وبحسب تلك المصادر، فمن المقرر أن تبدأ المرحلة الأولى من عمليات خفض الوظائف في 20 مايو، على أن تشمل نحو 10% من إجمالي القوى العاملة العالمية للشركة، مع التخطيط لجولة إضافية خلال النصف الثاني من عام 2026.
ما هي أداة التتبع الجديدة MCI؟
وسيعمل البرنامج على أجهزة ميتا وتطبيقاتها الداخلية بهدف تسجيل أنشطة الموظفين اليومية، تمهيدًا لاستخدامها كبيانات تدريب لتطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي الخاصة بالشركة.
وبحسب إحدى المذكرات الداخلية التي نشرها أحد باحثي الذكاء الاصطناعي عبر قناة فريق تطوير النماذج في مختبرات “ميتا للذكاء الفائق”، فمن المتوقع أن تتمكن المبادرة من التقاط لقطات للمحتوى الظاهر على شاشات الموظفين أثناء العمل.
وجاء في المذكرة، التي اطلعت عليها رويترز: “يمكن لجميع موظفي ميتا المساهمة في تحسين نماذجنا ببساطة من خلال أداء مهامهم اليومية”، مشيرة إلى أن هذه البيانات ستساعد نماذج الذكاء الاصطناعي التابعة للشركة في معالجة التحديات المتعلقة بمحاكاة التفاعل البشري مع أجهزة الكمبيوتر.

وفي السياق ذاته، أوضح Andrew Bosworth، المدير التقني لشركة ميتا، في مذكرة منفصلة نُشرت يوم الاثنين، أن الشركة تعمل على تطوير منظومة جمع البيانات الداخلية ضمن جهودها المتعلقة بما يُعرف بـ“الذكاء الاصطناعي للعمل”، وهو المشروع الذي أصبح يحمل حاليًا اسم “مسرّع تحويل الوكلاء” (ATA).
وأضاف بوسورث: “الرؤية التي نعمل على تحقيقها تتمثل في أن تتولى الوكلاء الذكية تنفيذ الجزء الأكبر من العمل، بينما يقتصر دورنا على التوجيه، ومراجعة الأداء، والمساعدة في تحسين النتائج”. كما أشار إلى أن التركيز الحالي ينصب على تمكين هذه الوكلاء من “تحديد مواضع الحاجة إلى التدخل بشكل تلقائي، بما يسمح لها بتحسين أدائها مستقبلًا”. وتُشير التقارير كذلك إلى أن بيانات إدارة الحوادث الطبية ستكون ضمن البيانات التي ستُستخدم في هذه المنظومة.
ثار العديد من الموظفين فورًا على هذا القرار الذي اعتبروه يحد من خصوصياتهم، وفي تعليقاتهم على الإنترنت، انتقدوا التتبع بشدة، معتبرين إياه انتهاكًا للخصوصية، ووصفوه بأنه سلوك يحض على العزلة وقاسٍ، بينما تعتبره الشركة الوسيلة المثلى لتدريب نماذجها من الذكاء الاصطناعي التوليدي وجعل ردوده أكثر دقة
كتب مدير هندسة في تعليق ردًا على الإعلان، والذي اطلعت عليه صحيفة نيويورك تايمز: “هذا الأمر يُشعرني بانزعاج شديد. كيف يُمكننا إلغاء الاشتراك؟”

رد أندرو بوسورث، كبير مسؤولي التكنولوجيا في ميتا: “لا يوجد خيار لإلغاء الاشتراك على جهاز الكمبيوتر المحمول الخاص بالشركة”. ردّ الموظفون بنشر أكثر من 100 رمز تعبيري غاضب ومتفاجئ، وفقًا للرسائل.
راهن مارك زوكربيرج، الرئيس التنفيذي لشركة ميتا، بمستقبل شركته على الذكاء الاصطناعي من خلال دمج هذه التقنية القوية في تطبيقات مثل فيسبوك وإنستجرام، وإنفاق مئات المليارات من الدولارات على تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات. ولكن بينما تسعى شركة وادي السيليكون إلى التحول من شركة تطبيقات ومنصات اجتماعية إلى مؤسسة متخصصة في الذكاء الاصطناعي، ما زال تبنيها لهذه التقنية متعثرًا، بل ومثيرًا للاستياء في بعض الأحيان.
تحثّ ميتا موظفيها البالغ عددهم 78 ألفًا على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، وتأخذ استخدامهم لهذه التقنية في الاعتبار عند تقييم أدائهم. كما تقوم الشركة بتتبع استخدام الموظفين لأجهزة الكمبيوتر لتغذية نماذج الذكاء الاصطناعي وتدريبها. وتستغني الشركة عن بعض الوظائف لتعويض نفقاتها على الذكاء الاصطناعي، حيث أعلنت الشهر الماضي أنها ستخفض 10% من قوتها العاملة.
أدى ذلك إلى حالة من الغضب والقلق لدى الموظفين الذين ينتظرون معرفة ما إذا كانوا سيتأثرون بعمليات التسريح، المقرر تنفيذها في 20 مايو، وفقًا لـ 11 موظفًا في ميتا. وقال بعض الموظفين إنهم لم يعودوا يرون في شركة ميتا مكانًا مناسبًا لمسيرة مهنية طويلة. بينما كان آخرون يبحثون عن وظائف جديدة أو يحاولون الإشارة إلى رغبتهم في إنهاء خدماتهم للحصول على تعويضات نهاية الخدمة.
وكتب أحد الموظفين العاملين في مجال أبحاث المستخدمين في منشور داخلي، اطلعت عليه صحيفة التايمز: “إنه أمر محبط للغاية”.
وتُقدّم حالة القلق السائدة في ميتا لمحة عما قد يحدث في شركات التكنولوجيا الأخرى مع تزايد دمجها للذكاء الاصطناعي في بيئات العمل. فقد أعلنت شركات مايكروسوفت وبلوك وكوين بيس مؤخرًا عن تسريح موظفين أو عمليات استحواذ، في ظل إعادة الذكاء الاصطناعي تشكيل طبيعة العمل. وقد أحدثت هذه التقنية تغييرًا جذريًا في شركات التكنولوجيا، نظرًا لأن أدوات الذكاء الاصطناعي تساعد بقوة في عملية كتابة وإنشاء الشفرات البرمجية، التي كانت سابقا مهمة حصرية يقوم بها مهندسو البرمجيات المختصين، وهم حجر الأساس للعديد من الشركات الرقمية.
بدوره قال ليو بوسيو، أستاذ نظم المعلومات في جامعة واشنطن: “يُمكن للذكاء الاصطناعي أن يجعل الجميع مبرمجين أفضل، وأن يُساعدهم على إنجاز المزيد من المهام بموارد أقل، ولكنه في المقابل، يُزيد من ضغط العمل اليومي على الموظفين. ولا توجد حتى الآن خطة مُحددة لاستخدام الذكاء الاصطناعي في بيئة العمل”.
قال آندي ستون، المتحدث باسم شركة ميتا، في بيان لها، إن الغرض من برنامج تتبع الموظفين الجديد هو تدريب منتجات الذكاء الاصطناعي الخاصة بالشركة. وأضاف: “هناك إجراءات وقائية لحماية المحتوى الحساس، ولا تُستخدم البيانات لأي غرض آخر”.
كما نقلت رويترز عن المتحدث الرسمي قوله: “إذا كنا نبني برامج ذكية لمساعدة الناس على إنجاز مهامهم اليومية باستخدام الحواسيب، فإن نماذجنا تحتاج إلى أمثلة واقعية لكيفية استخدام الناس لها فعليًا، مثل حركات الفأرة، والنقر على الأزرار، والتنقل بين القوائم المنسدلة”.
ورغم توضيح شركة ميتا، انتقد أحد موظفيها، متحدثًا إلى بي بي سي شريطة عدم الكشف عن هويته، هذا التطور ووصفه بأنه “كارثي للغاية”. وانتقد الموظف هوس الشركة بالذكاء الاصطناعي، معتبرًا أنه لم يستوعب كيف ستُستخدم تصرفات الموظفين على الحاسوب لتدريب نموذج الذكاء الاصطناعي كعمال، مما سيؤدي إلى موجة إضافية من عمليات التسريح.
وقال موظف سابق في الشركة، قطع علاقته مؤخرًا بميتا، إن أداة تتبع MCI “ليست سوى أحدث وسيلة لفرض الذكاء الاصطناعي على الجميع”، وفقًا لبي بي سي.
بدأت ميتا إعادة توجيه جهودها نحو الذكاء الاصطناعي بعد فترة وجيزة من إطلاق أوبن إيه آي لروبوت الدردشة ChatGPT في عام 2022. وفي الصيف الماضي، أنفق زوكربيرج مليارات الدولارات لإنشاء مختبر لـ”الذكاء الخارق”، وهو شكل مستقبلي من الذكاء الاصطناعي قادر على العمل كمساعد شخصي مثالي، كما أجرى تغييرات جذرية على قسم الذكاء الاصطناعي في الشركة. وقد تحدث زوكربيرج، البالغ من العمر 41 عامًا، مطولًا عن كيف سيُحسّن الذكاء الخارق حياة الناس.
وفي مارس الفائت، نظمت ميتا “أسابيع التحول في مجال الذكاء الاصطناعي” لموظفيها، وفقًا لما ذكره خمسة موظفين حاليين وسابقين. وكان الهدف هو تعليم الموظفين كيفية استخدام أدوات برمجة الذكاء الاصطناعي ووكلاء الذكاء الاصطناعي، وهم مساعدون رقميون قادرون على أداء المهام بأنفسهم. وقد طُلب من مصممي المنتجات، المسؤولين عن تصميم مظهرها وتفاعل المستخدمين معها، استخدام الذكاء الاصطناعي في البرمجة، كما طُلب من مبرمجي البرمجيات استخدامه في تصميم المنتجات.
كما أفاد أربعة موظفين أن شركة ميتا استحدثت لوحات تحكم داخلية لتتبع استخدام كل موظف من الـ”Tokens”، وهي وحجات النص التي يتعامل معها النموذج بدلًا من الكلمات الكاملة. . وذكر البعض أن لوحات التحكم هذه كانت بمثابة أسلوب ضغط لتشجيع المنافسة بين الزملاء. وأوضح شخصان أن ذلك دفع بعض الموظفين إلى إنشاء عدد كبير من وكلاء الذكاء الاصطناعي، واحتدمت المنافسة بين المهندسين على من الذي يستخدم توكنز أكثر







