في مشهد يبدو وكأنه مقتبس من أفلام الخيال العلمي، تتحول مراكز تدريب الروبوتات في الصين إلى معامل حقيقية لإعداد “عمال المستقبل”، حيث يقف البشر يوميًا لتعليم الآلات كيف تفكر، تتحرك، وتتفاعل مع العالم المحيط بها، في إطار استراتيجية صينية واسعة تهدف إلى ترسيخ هيمنة البلاد على الصناعات المستقبلية وسلاسل التوريد العالمية.
وفي قلب العاصمة الصينية بكين، يعمل خبراء ومهندسون ومدربون لساعات طويلة على تدريب روبوتات شبيهة بالبشر على تنفيذ مهام متنوعة، تبدأ من ترتيب رفوف المتاجر والتنظيف المنزلي، وصولًا إلى العمل في خطوط الإنتاج والمطاعم والخدمات العامة. وبينما لا تزال هذه الروبوتات تعتمد جزئيًا على التدخل البشري، يؤكد القائمون على المشروع أن الوصول إلى التشغيل الذاتي الكامل لم يعد سوى مسألة وقت، وفقا لتقرير موقع cnbc الإخباري
تعليم الروبوتات التفكير
يقول كينيث رين Kenneth Ren، خبير الحلول الخارجية في RealMan Intelligent Technology، إن المهمة الأساسية اليوم لم تعد تقتصر على برمجة الروبوتات، بل تجاوزت ذلك إلى “تعليمها التفكير بشكل مستقل”.
وفي تصريحات أدلى بها خلال جولة داخل مركز تدريب بيانات الروبوتات الشبيهة بالبشر في بكين، أوضح رين أن الصين تسعى إلى نقل الروبوتات من مرحلة الأداء الترفيهي والاستعراضي إلى مرحلة التوظيف الحقيقي داخل القطاعات الاقتصادية والإنتاجية.
ويُوصف المركز، المدعوم من حكومة بكين، في وسائل الإعلام الصينية بأنه “مدرسة للروبوتات الشبيهة بالبشر”، وهو جزء من شبكة وطنية من المراكز المتخصصة التي تعمل على جمع البيانات الحركية والسلوكية وتطوير قدرات الذكاء الاصطناعي الخاصة بالروبوتات.

استراتيجية صناعية تتجاوز الروبوتات
ولا تنظر بكين إلى الروبوتات الشبيهة بالبشر باعتبارها مجرد تطور تقني، بل كجزء أساسي من مشروع اقتصادي واستراتيجي طويل المدى. فبعد النجاحات التي حققتها الصين في قطاعات السيارات الكهربائية والطاقة النظيفة والذكاء الاصطناعي، باتت الروبوتات إحدى الركائز الرئيسية في الخطة الصناعية الصينية حتى عام 2030.
ووفقًا لتقرير صادر عن American Chamber of Commerce وRhodium Group، فإن السياسة الصناعية الصينية الجديدة تمثل تحولًا نحو ما يمكن وصفه بـ”السياسة الصناعية الشاملة”، التي تهدف إلى بناء تفوق متكامل في التقنيات المستقبلية.
وترى بكين أن السيطرة على صناعة الروبوتات ستمنحها نفوذًا اقتصاديًا واسعًا، خصوصًا مع التوقعات المتزايدة بأن تعتمد المصانع والخدمات اللوجستية والرعاية الصحية وقطاعات الخدمات مستقبلاً على الأنظمة المؤتمتة والروبوتات الذكية.
كيف تتعلم الروبوتات؟
داخل مراكز التدريب، تبدو العملية أقرب إلى تعليم الأطفال مهاراتهم الأولى. فالمدربون البشريون يرتدون أجهزة استشعار ويستخدمون تقنيات التقاط الحركة والكاميرات وأجهزة التحكم لنقل الحركات الدقيقة إلى الروبوتات.
وتوضح Fudi Lu، وهي معلمة فنون سابقة تحولت إلى مدربة روبوتات، أن الروبوت في مراحله الأولى “لا يمتلك أي وعي أو فهم للمهمة”، ولذلك يتعين على المدرب تنفيذ الحركة يدويًا عشرات وربما مئات المرات حتى تتمكن أنظمة الذكاء الاصطناعي من تحليل البيانات وتعلم المهمة ذاتيًا. وتضيف: “بمجرد أن تُولد الحركة بيانات كافية، يبدأ الروبوت في التعلم، ثم يصبح قادرًا على تنفيذ المهمة بنفسه”.
ويشمل التدريب اليومي مهارات متعددة، من فرز المنتجات في خطوط الإنتاج، إلى أعمال التنظيف والتدليك وإصلاح المعادن وترتيب المتاجر. وتقول لو إن ساعات العمل الطويلة والحركات المتكررة تمثل تحديًا حقيقيًا للبشر، مضيفة بنبرة ساخرة: “الروبوت لا يعرف معنى التعب، لكنني أعرفه جيدًا”.
الأيدي الروبوتية.. التحدي الأصعب
وفي حرم التكنولوجيا ذاته في بكين، تعمل شركة Beijing Inspire-Robots Technology الناشئة على تطوير أيدٍ روبوتية عالية الدقة تعتمد على أجهزة استشعار وتقنيات تتبع الحركة.
ويقول Winston Zhou إن تدريب اليد الروبوتية على مهارة واحدة قد يتطلب أكثر من 10 آلاف محاولة متكررة حتى تتمكن من تنفيذ المهمة بكفاءة. وبحسب زو، أصبحت بعض النماذج قادرة بالفعل على التقاط أشياء شديدة الحساسية مثل البيض أو رفع خيط رفيع، وهي مهام كانت حتى وقت قريب تمثل تحديًا كبيرًا في عالم الروبوتات.
تسلا تراقب المنافس الصيني
السباق العالمي نحو تطوير الروبوتات الشبيهة بالبشر لا يقتصر على الصين وحدها، إذ تتابع شركات التكنولوجيا الأمريكية هذا التطور عن كثب، وفي مقدمتها Tesla. وكان الرئيس التنفيذي للشركة، Elon Musk، قد أقر خلال مكالمة أرباح الشركة الأخيرة بأن الصين تمثل المنافس الأكبر في مجال الروبوتات البشرية، مشيرًا إلى أن قدراتها التصنيعية الهائلة تمنحها أفضلية واضحة في توسيع نطاق الإنتاج.
ورغم تأكيده أن روبوت “أوبتيموس” التابع لتسلا يتفوق تقنيًا في بعض الجوانب، خاصة تصميم الأيدي الروبوتية، فإنه وصف هذه التقنية بأنها “أصعب ما يمكن إتقانه” في هذا القطاع.
الروبوتات تغادر المختبرات إلى الحياة اليومية
ولم تعد الروبوتات في الصين حبيسة المختبرات أو مراكز التطوير، بل بدأت بالفعل في الظهور داخل الحياة اليومية، حيث تُجرى تجارب على روبوتات تعمل كنُدُل في المطاعم، وطهاة، وموظفي خدمة، وحتى رجال مرور وأصحاب متاجر صغيرة.
ورغم أن كثيرًا من هذه الأنظمة لا يزال يحتاج إلى إشراف بشري مباشر، فإن المؤيدين يرون أن التطور السريع في الذكاء الاصطناعي سيقود قريبًا إلى استقلالية شبه كاملة لهذه الروبوتات.
ويؤكد المطورون الصينيون أن الهدف لا يتمثل في استبدال البشر بالكامل، بل في توجيه الروبوتات نحو الأعمال الخطرة أو المرهقة والمتكررة التي يعزف كثير من الأشخاص عن القيام بها. وفي هذا السياق، يقول كينيث رين: “هدفنا هو تنفيذ المهام الخطرة أو الأعمال المتكررة التي يتردد البشر في القيام بها، وليس استبدال الإنسان”.
سباق على المستقبل
يعكس التحول الصيني السريع نحو الروبوتات الشبيهة بالبشر ملامح مرحلة جديدة من المنافسة الاقتصادية العالمية، حيث لم تعد الهيمنة تُقاس فقط بحجم المصانع أو التجارة، بل بالقدرة على تطوير أنظمة ذكية قادرة على التعلم والعمل والإنتاج بشكل مستقل.
ومع استمرار الصين في ضخ الاستثمارات الضخمة في الذكاء الاصطناعي والروبوتات، يبدو أن العالم يقترب تدريجيًا من عصر تصبح فيه الآلات جزءًا أساسيًا من سوق العمل، ليس كأدوات مساعدة فحسب، بل كشركاء فعليين في الاقتصاد والإنتاج والخدمات.









