أصبح من المعتاد دفع الإكرامية أو البقشيش على كل خدمة في حياتنا اليومية، وقد تحولت هذه الثقافة من أمر طوعي يعبر عن اختيار الشخص لتقدير من يخدمه إلى وسيلة لعمل الخير ومساعدة العمال الأقل دخلا، ثم نوعا من الإجبار، وفي كثير من الأحيان البلطجة و”الفردة”!
ويشير التاريخ إلى أن أولى أشكال الإكراميات تعود إلى أوروبا في القرون الوسطى، عندما كان الخدم يتلقون بضع عملات إضافية لقاء الخدمة الجيدة، وانتقلت هذه الممارسة في النهاية إلى الولايات المتحدة في القرن التاسع عشر، بعدما استوردها الأثرياء الأمريكيون العائدون من أوروبا الذين رأوا في الإكرامية رمزًا للرقي والتحضر، ولكنها اتخذت دورًا مختلفًا وأكثر التواءً في أمريكا بعد الحرب الأهلية.

ورغم وجود رفض من الفقراء الأمريكيين في البداية، الذين رأوا أنه من غير العدل أن يدفعوا مبلغًا إضافيًا يضاف إلى ما هو مستحق عن طعامهم، لم يرَ أصحاب الأعمال في ذلك سوى أرقام وأرباح.
مع دخول العبيد السابقين إلى سوق العمل بعد تحريرهم، لا سيما في السكك الحديدية والفنادق والمطاعم، سرعان ما وجد أرباب العمل طريقة لخفض تكاليف العمالة. فبدلًا من دفع أجور كاملة، أتاحوا للزبائن تحمُّل التكلفة من خلال الإكراميات، فقد استمر جوهر العبودية سائدًا عبر عمال الخدمات.
ومن أكثر الأمثلة المبكرة على ذلك حمّالو السكك الحديدية في “شركة بولمان”، إذ وظفت الشركة رجالًا من أصل أفريقي، ودفعت لهم أجورًا أساسية متدنية للغاية، متوقعة منهم الاعتماد على إكراميات الركاب!
بحلول أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، أصبحت الإكراميات هي العرف السائد في مختلف قطاعات الخدمات الأمريكية، ولكنها كانت محاطة بالجدل أيضًا. فقد رأى منتقدوها بأنها أوجدت نظامًا غير ديمقراطي يُضطر فيه العمال إلى كسب دخلهم الأساسي من خلال الانحناء والخضوع للزبائن.

وفي دراسة أُعدت عام 1916 لمناهضة الإكراميات بعنوان “اليد الحاكة” (The Itching Palm)، شبَّه الكاتب ويليام سكوت العلاقة بين دافع الإكرامية ومتلقيها بعلاقة “السيّد والعبد”.
ولم يكن الأمر مجرد رأي شخصي؛ فقد حاولت عدة ولايات، من جورجيا إلى أيوا، حظر هذه الممارسة في أوائل القرن العشرين، ولكن، للأسف، خاض أصحاب المطاعم مواجهة شرسة، وفشلت تلك الجهود في نهاية المطاف في تجريم الإكراميات.
وعندما تم تطبيق أول حد أدنى فيدرالي للأجور يبلغ 25 سنتًا في الساعة عام 1938، أُستبعد منه 80% من القوى العاملة، بما في ذلك عمال الإكراميات، ولم يكن على أصحاب العمل دفع المبلغ كاملاً إلا إذا فشلت إكراميات العامل في إيصاله إلى ذلك الحد الأدنى بمفردها.
ولعقود طويلة، ظلت الأجور دون الحد الأدنى لعمال الإكراميات مُهمشة باستمرار، ولم يُمنحوا أجرًا أساسيًا على الإطلاق حتى عام 1966، وحتى ذلك الحين، تم تحديده بنصف الحد الأدنى القياسي للأجور.
بحلول عام 1991، تم تثبيت الحد الأدنى لأجور عمال الإكراميات عند 2.13 دولار في الساعة، وظل محتجزًا عند هذا الرقم منذ ذلك الحين.
ورغم أن القانون لا يزال يتطلب نظريًا من أرباب العمل سد هذه الفجوة، فإن تطبيقه غالبًا ما يكون ضعيفًا ومترددًا في أفضل الأحوال. وفي الواقع، لا تُعد الإكراميات مجرد مبلغ إضافي لمقدمي الخدمة الكاملة، بل أصبحت تشكل الآن أكثر من 58% من إجمالي رواتبهم.





