في أعماق المحميات البرية المترامية الأطراف في ناميبيا، حيث تمتد السهول الذهبية بلا نهاية وتختلط أصوات الرياح بنداءات الحيوانات البرية، يتشكل مشهد يبدو وكأنه مقتبس من رواية خيال علمي أكثر منه مشروعًا علميًا حقيقيًا. فوسط معركة طويلة ضد الصيد الجائر، لم يعد العلماء يعتمدون فقط على الحراس الذين يجوبون الأدغال أو الكاميرات الموزعة بين الأشجار، بل اتجهوا إلى فكرة أكثر إدهاشًا وجرأة: تحويل الحيوانات نفسها إلى شبكة مراقبة حية ترصد الخطر قبل وقوعه.
الفكرة تقوم على مراقبة الخوف ذاته؛ ذلك الارتباك المفاجئ الذي يسري في القطيع عندما يشعر بوجود دخيل. فكل حركة مذعورة، وكل التفاتة حذرة، وكل اندفاع غير معتاد عبر الأعشاب، قد يتحول إلى إشارة إنذار تُرسل مباشرة إلى الأقمار الصناعية في السماء. وكأن الطبيعة نفسها بدأت تتحدث، لتكشف للبشر ما يحدث في أكثر بقاع الأرض عزلة وصمتًا.
وبينما يختبئ الصيادون الجائرون في الظلال معتقدين أن البرية الشاسعة تحميهم، تعمل هذه المنظومة الجديدة على جعل كل حيوان عينًا تراقب، وكل قطيع جهاز استشعار حي، في محاولة قد تعيد رسم مستقبل حماية الحياة البرية حول العالم.

المشروع يحمل اسم ICARUS، ويقوده باحثون من معهد ماكس بلانك لسلوك الحيوان في ألمانيا، ويعتمد على فكرة تبدو بسيطة لكنها ثورية عندما يشعر أي حيوان بالخطر، فإنه يتصرف بطريقة مختلفة يمكن رصدها وتحليلها.
تأتي هذه التقنية في وقت تواجه فيه إفريقيا واحدة من أسوأ أزمات الصيد الجائر في تاريخها الحديث. فخلال السنوات الـ15 الماضية، قُتل أكثر من 10 آلاف وحيد قرن في South Africa وحدها، وسط عجز متزايد عن مراقبة المحميات الضخمة أو إيقاف الصيادين قبل تنفيذ هجماتهم. وغالبًا ما يصل الحراس إلى موقع الحادث بعد فوات الأوان، خاصة مع اتساع المساحات البرية وصعوبة تغطيتها بالكامل.
وهنا جاءت الفكرة غير التقليدية إذا كانت الحيوانات تكتشف الخطر قبل البشر دائمًا، فلماذا لا تصبح هي نظام المراقبة نفسه؟
كيف تبلغ الحيوانات عن الصيادين؟
لاختبار الفكرة، أجرى العلماء تجارب ميدانية داخل محمية “أوكامبارا” الخاصة للحياة البرية في ناميبيا. وخلال التجارب، تحرك أشخاص يحاكون الصيادين داخل الأدغال وهم يحملون أسلحة ويطلقون النار في الهواء، بينما كانت الطائرات المسيّرة وأجهزة التتبع تسجل بدقة ردود أفعال الحيوانات المختلفة.
الهدف لم يكن إيذاء الحيوانات، بل فهم “لغة الذعر” الخاصة بكل نوع. فبعض الحيوانات تهرب فورًا، بينما تتجمد أخرى في مكانها أو تغيّر اتجاه رؤوسها بصورة جماعية.
ويقول مارتن ويكلسكي، أحد أبرز علماء البيئة الحركية في العالم ومدير المشروع، إن حتى الحيوانات التي تبدو غير مفيدة أمنيًا يمكن أن تتحول إلى أدوات مراقبة مذهلة. وأوضح أن الزرافات، على سبيل المثال، لا تركض عند اقتراب الخطر، بل تقف ثابتة وتوجّه رؤوسها جميعًا نحو مصدر التهديد، مضيفًا: “عندما نرى هذا السلوك، نعرف مباشرة مكان الصياد”.
يعتمد المشروع على أطواق وأجهزة تتبع متطورة تُثبت على الحيوانات، قادرة على قياس الموقع عبر GPS، والنشاط الحركي، ومعدل ضربات القلب، ودرجة حرارة الجسم، وحتى الضغط الجوي. وتُرسل هذه البيانات إلى خوارزميات ذكاء اصطناعي تحلل أنماط الحركة والخوف بشكل لحظي، ثم تُصدر تنبيهات فورية إلى فرق الحماية عند رصد سلوك غير طبيعي.
ويطمح المشروع إلى ربط نحو 100 ألف حيوان حول العالم بهذه الشبكة بحلول عام 2030، بحيث يتحول كل حيوان إلى “منارة ذكية” داخل نظام إنذار عالمي ضد الصيد الجائر والكوارث البيئية.
ورغم أن النظام لا يزال في مرحلة التطوير، فإن نتائجه الأولية تبدو واعدة. ففي Kruger National Park، ساعد النظام بالفعل في إنقاذ 80 كلبًا بريًا بعد اكتشاف وقوعها في فخاخ الصيد.
أما المرحلة الأكثر طموحًا، وهي تعقب الصيادين لحظة تحركهم في الزمن الحقيقي، فما تزال قيد التطوير التقني.
وفي نوفمبر الماضي، أطلقت ICARUS أول قمر صناعي مخصص للمشروع، مع خطط لإطلاق خمسة أقمار إضافية بحلول عام 2027. وعند اكتمال الشبكة، سيتمكن العلماء وحراس المحميات من مراقبة تحركات الحيوانات مباشرة من أي مكان في العالم، وهو ما قد يجعل عمليات الصيد الجائر أكثر صعوبة وتعقيدًا من أي وقت مضى.









