عبد الملك البراوي يكتب: من «أقوى نموذج» إلى «زر الإيقاف».. التحول الحقيقي في مفهوم السيادة الرقمية
 | |
اعتدنا أن نسأل: ما النموذج الأفضل؟ ومن يملك أكبر قدرة حاسوبية؟ لكن سؤالًا آخر بدأ يفرض نفسه، وربما يكون أهم من كل ما سبق: إذا وضعت مؤسسةٌ جزءًا من أعمالها وبياناتها داخل نظام ذكاء اصطناعي، فمن يملك حق تشغيل هذا النظام أو إيقافه؟ هذا السؤال هو المدخل الحقيقي لفهم السيادة الرقمية. في 11 فبراير 2026، قال مسؤول رفيع في «مايكروسوفت» أمام لجنة الأعمال والتجارة في مجلس العموم البريطاني إن قطع الخدمة عن مسؤول خاضع لعقوبات في المحكمة الجنائية الدولية كان قرار المحكمة وحدها، لا قرار الشركة. وبعد أيام، عادت الشركة وطلبت تصحيح المحضر، موضحة أنها كانت على اتصال بالمحكمة طوال العملية التي انتهت بفصل ذلك المسؤول عن خدماتها. قد يبدو الأمر خلافًا في الصياغة لا يعني غير المتخصصين، لكنه من زاوية المؤسسات والدول يكشف سؤالًا أكبر: إذا اعتمدت مؤسسة على خدمة رقمية خارجية، فمن يملك في النهاية القدرة على أن يقول «هذه الخدمة ستستمر» أو «هذه الخدمة ستتوقف»؟ أول ما يتبادر إلى الذهن عند سماع «السيادة الرقمية» هو: «المهم أن تكون بياناتي داخل بلدي». صحيح، لكنه ليس الصورة كاملة؛ فالسيادة ثلاث طبقات: -طبقة البيانات: أين توجد معلوماتي؟ أين تُخزَّن بيانات المواطنين والعملاء، ومن يستطيع الوصول إليها وتحت أي قوانين؟ إذا كانت داخل بلدك فقد حققت جزءًا من السيادة، لا كلها. -طبقة النموذج: أين تتم المعالجة؟ تخيل أن قاعدة بيانات عملائك في القاهرة أو الرياض، لكن حين يطلب موظف تحليلها بالذكاء الاصطناعي يُرسَل المحتوى إلى نموذج يعمل على خوادم أمريكية. هنا حافظت على مكان التخزين، لكن المعالجة نفسها تحدث خارج نطاقك. -طبقة القرار: من يملك زر الإيقاف؟ وهي الأقل اهتمامًا. تخيل مؤسسة يعتمد موظفوها وعملياتها اليومية على منصة خارجية، ثم يقرر المزوّد إيقاف الحساب أو تغيير شروط الخدمة. هل تستطيع الاستمرار في العمل؟ السيادة ليست أن أمتلك البيانات فحسب، بل أن أمتلك القدرة على الاستمرار في التشغيل. والتشبيه الأقرب: خزنة تستأجرها في بنك أجنبي؛ المستندات ملكك، والمفتاح معك، لكن البنك يخضع لقوانين دولته. صار الموضوع أكثر إلحاحًا لأن الذكاء الاصطناعي نفسه تغيّر. قبل سنوات كان أداة تساعد الموظف: يكتب نصًا، ويلخّص تقريرًا. أما اليوم فيتحول إلى وكيل ينفّذ — والنظام الذي يجيب عن سؤال لا يحتاج صلاحيات واسعة، أما الذي ينفّذ إجراءً داخل المؤسسة فيحتاجها. قارن بين “لخّص لي هذا التقرير” وبين “راجع طلبات الشراء، واختر المورد الأنسب، ثم أنشئ أمر الشراء وأرسله”. في الأولى يقدم لك معلومة، وفي الثانية يشارك في عملية: يحدّث بيانات في نظام تخطيط الموارد، أو يرسل بريدًا باسم المؤسسة، أو يصل إلى معلومات العملاء. عندها يصبح أقرب إلى موظف رقمي لديه صلاحيات داخل المؤسسة، لا برنامجٌ خارجيٌ يستخدمه أحد. ويتغير السؤال معه: لم يعد «هل النموذج ذكي ودقيق؟» بل: من أعطاه هذه الصلاحيات؟ ومن يستطيع سحبها؟ وأين يُسجَّل ما فعله؟ وماذا يحدث إذا توقف المزوّد غدًا؟.. اضغط هنا لتكملة المقال تحليل كتبه: عبد الملك البراوي مؤسس شركة SolvFast Technology
|