في ظل السباق العالمي المتزايد نحو جذب الاستثمارات الأجنبية، تبرز صناعة “تصدير العقار” كأحد أهم المحاور الاستراتيجية لدعم الاقتصاد الوطني وتوفير موارد مستدامة من النقد الأجنبي، وفي هذا الصدد، رسم المهندس هشام شكري، رئيس المجلس التصديري للعقار، خارطة طريق متكاملة تهدف إلى تعظيم استفادة مصر من هذا الملف الواعد، مع وضع ضوابط واضحة تبدد المخاوف المجتمعية والأمنية المرتبطة بتملك الأجانب.
تبديد الهواجس: الأمن القومي والتركيبة السكانية خطوط حمراء مؤمنة
أكد شكري أن المخاوف المرتبطة بالأمن القومي مشروعة ولها ما يبررها، مشدداً على أن المنظومة التشريعية الحالية تضع ضوابط صارمة بالفعل؛ حيث يشترط قانون الإقامة والجنسية الحصول على موافقة الأمن القومي كخطوة أساسية لتملك الأجنبي للعقار.
واستكمالاً للتدابير الاحترازية، اقترح رئيس المجلس التصديري إمكانية اللجوء إلى نظام “حق الانتفاع” كبديل للتملك الكامل في المناطق الاستراتيجية التي تحددها الدولة، وهو نموذج قانوني ناجح ومعمول به في العديد من دول العالم ولا يمثل عائقاً أمام المستثمر الأجنبي.
أما بشأن المخاوف من تأثر الهوية أو التركيبة السكانية، فقد قلل شكري من هذه التخوفات، مستشهداً بالتاريخ المصري الحافل باستيعاب جاليات مختلفة كالروم والأرمن والإيطاليين والاندماج معهم دون المساس بالهوية الوطنية. وأوضح أن هناك خلطاً شائعاً بين العرب المقيمين في مصر لأسباب معيشية أو سياسية والذين يفضلون غالباً الاستئجار، وبين الفئة المستهدفة بالشراء الفعلي للعقارات. وأشار إلى أن حركة البشر العابرة للحدود تضيف لقيمة الدولة، بدليل وجود ملايين المصريين العاملين في دول الخليج دون أن يتسبب ذلك في تغيير الهوية الديموغرافية لتلك الدول.
معادلة الأسعار: هل يدفع المواطن البسيط ثمن تملك الأجانب؟
وحول التخوف من انعكاس بيع العقارات لغير المصريين سلباً على أسعار الوحدات السكنية للمواطنين، أكد شكري أن هذا الطرح يفتقد للدقة الاقتصادية؛ حيث إن الشريحة العقارية التي يقبل عليها الأجانب هي العقارات السياحية والفاخرة، وهي فئة سوقية مختلفة تماماً عن شريحة الإسكان المتوسط والاجتماعي التي تمثل الاحتياج الأساسي للقاعدة العريضة من الشعب المصري.
وأضاف أن السوق العقاري المصري يواجه حالياً وفرة كبيرة في المعروض نتيجة نشاط المطورين والمشروعات المختلفة. وبالتالي، فإن فتح منافذ بيع خارجية وتصدير العقار لا يمثل تهديداً برفع الأسعار، بل هو ضرورة اقتصادية ملحة لاستيعاب هذا المعروض وتفادي أي ركود قد يضر بالقطاع وصناعة التطوير العقاري. وبالمثل، قلل شكري من مخاوف تحول المناطق الساحلية إلى تجمعات مغلقة للأجانب، مشيراً إلى أن الساحل الشمالي يستوعب ملايين المصريين الذين يمثلون القوة الشرائية والاستهلاكية الأكبر في المطاعم والمشروعات مقارنة بالجنسيات الأخرى.
الدولار والسياحة: وجهان لعملة تصدير العقار
واعتبر رئيس المجلس التصديري أن تصدير العقار يمثل “أهم مصدر محتمل للعملة الصعبة”، مشيراً إلى الارتباط الوثيق بين انتعاش القطاع العقاري والنمو السياحي، مستشهداً بنماذج دولية رائدة مثل إسبانيا، تركيا، الإمارات (خاصة دبي)، فرنسا، والبرتغال.
وأوضح أن تملك الأجنبي لوحدة سكنية يحوله تلقائياً إلى سائح دائم يقضي فترات أطول داخل البلاد ويرفع من معدلات الإنفاق السياحي، وحتى في حال غيابه، فإن الوحدة يتم استغلالها عبر الأقارب أو إعادة التأجير. وفي هذا السياق، دعا شكري إلى تفعيل دور شركات محترفة في إدارة الأصول العقارية لتشغيل الوحدات المغلقة في مناطق مثل الساحل الشمالي والهرم، وتحويلها إلى طاقة فندقية تدعم النشاط السياحي وتوفر عوائد للملاك والدولة.
عقبات هيكلية وحلول تنظيمية: من التسجيل إلى “الهيئة المستقلة”
وفيما يخص التحديات التي تواجه تمدد هذه الصناعة، وضع شكري إصبعه على ملف تسجيل العقارات كأبرز العوائق الحالية. فبينما اعتاد المشتري المصري الشراء بموجب عقود ابتدائية، يتردد الأجنبي في اتخاذ قرار الشراء لعدم وجود منظومة إشهار وتسجيل عقاري فوري تضمن حقوقه كما هو معتاد عالمياً.
واختتم شكري برؤية تنظيمية شاملة لهيكلة قطاع التطوير العقاري، موضحاً أن المطور ليس الطرف الوحيد في الصناعة التي تضم “أصحاب مصلحة” متعددين، منهم المستثمر، جهات الولاية (مثل هيئة المجتمعات العمرانية والتنمية السياحية)، الاستشاري الهندسي، المقاول، وجهات التمويل المصرفي وغير المصرفي.
ولتنظيم هذه المنظومة المعقدة، اقترح شكري التدرج في الخطوات كالتالي:
- تأسيس اتحاد للمطورين العقاريين واتحاد للمسوقين العقاريين لتمثيل كل فئة بشكل شرعي.
- إطلاق هيئة مستقلة لتنظيم العقار تضم ممثلين عن كافة الأطراف بما فيهم جمعيات حماية المستهلك وأعضاء محايدين من الخبراء والأكاديميين لضمان توازن العلاقة بين المطور والعميل.
- تبعية هذه الهيئة التنظيمية مباشرة إلى رئيس مجلس الوزراء أو رئاسة الجمهورية، وليس لوزير الإسكان؛ وذلك لضمان حياد الهيئة التام نظراً لأن وزارة الإسكان تمثل طرفاً بائعاً ومانحاً للأراضي (جهة ولاية) داخل السوق العقاري.






