يشهد قطاع الهواتف الذكية تحولاً جذرياً تقوده تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي، التي انتقلت خلال فترة قصيرة من كونها ميزة حصرية في الهواتف الرائدة إلى عنصر أساسي يتوقع المستخدمون وجوده في معظم الأجهزة الجديدة.
وتتوقع شركة الأبحاث المتخصصة Counterpoint Research أن تواصل الهواتف المزودة بتقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي توسعها بوتيرة متسارعة خلال السنوات المقبلة، لتصبح الفئة المهيمنة على السوق العالمية، رغم التحديات غير المسبوقة التي تواجه صناعة الهواتف الذكية نتيجة أزمة نقص رقائق الذاكرة.
وبحسب أحدث تقديرات الشركة، سترتفع حصة الهواتف الداعمة للذكاء الاصطناعي التوليدي من إجمالي الشحنات العالمية من نحو 36% في عام 2025 إلى 45% خلال عام 2026، قبل أن تتجاوز حاجز الأغلبية وتصل إلى 52% بحلول عام 2027، ما يعني أن أكثر من نصف الهواتف الذكية التي ستُباع عالمياً خلال ذلك العام ستكون مزودة بهذه التقنيات.
ما هو الذكاء الاصطناعي التوليدي؟
يشير مصطلح الذكاء الاصطناعي التوليدي (Generative AI) إلى الأنظمة القادرة على إنشاء محتوى جديد بدلاً من مجرد تحليل البيانات أو تصنيفها. وتشمل هذه القدرات كتابة النصوص، وإنشاء الصور، وتحرير الفيديوهات، وتلخيص المستندات، وتقديم إجابات ذكية للمستخدمين.
وفي عالم الهواتف الذكية، أصبحت هذه التقنية تستخدم في مجموعة واسعة من المهام، مثل تحسين الصور تلقائياً، وإزالة العناصر غير المرغوب فيها من الصور، وترجمة المحادثات بشكل فوري، وإنشاء نصوص ورسائل بريد إلكتروني، فضلاً عن تشغيل مساعدين رقميين أكثر تطوراً وقدرة على فهم السياق.

آبل وأندرويد في سباق الذكاء الاصطناعي
ويبدو أن المنافسة بين الشركات المصنعة انتقلت بالفعل إلى مرحلة جديدة تتمحور حول الذكاء الاصطناعي. فقد كشفت شركة آبل عن مجموعة من المزايا المعتمدة على الذكاء الاصطناعي التوليدي التي يُنتظر طرحها مع سلسلة iPhone 18 المرتقبة خلال سبتمبر المقبل.
في المقابل، تتجه الشركات المصنعة لهواتف أندرويد إلى ما يُعرف بـ”الذكاء الاصطناعي الوكيل” أو Agentic AI، وهو جيل أكثر تقدماً من المساعدات الذكية القادرة على تنفيذ المهام بشكل مستقل نسبياً نيابة عن المستخدم، مثل حجز المواعيد، وإدارة التطبيقات، والبحث عن المعلومات، وإتمام بعض الإجراءات دون الحاجة إلى أوامر متكررة.
ويُنظر إلى هذه القدرات باعتبارها المرحلة التالية في تطور الهواتف الذكية، حيث تتحول الأجهزة تدريجياً من مجرد أدوات اتصال إلى مساعدين شخصيين قادرين على اتخاذ القرارات وتنفيذ المهام.
ازدهار الذكاء الاصطناعي وسط تراجع تاريخي للسوق
ورغم هذه الطفرة التقنية، فإن سوق الهواتف الذكية العالمية يمر بمرحلة صعبة. إذ تتوقع Counterpoint انخفاض الشحنات العالمية بنسبة 13.9% خلال عام 2026 لتصل إلى نحو 1.08 مليار وحدة فقط، وهو أدنى مستوى يسجله القطاع منذ عام 2013.
ويعكس هذا التراجع مجموعة من العوامل الاقتصادية والصناعية، إلا أن العامل الأكثر تأثيراً حالياً يتمثل في أزمة نقص رقائق الذاكرة التي أصبحت مرتبطة بشكل مباشر بالطفرة العالمية في الذكاء الاصطناعي.
كيف تسبب الذكاء الاصطناعي في أزمة الذاكرة؟
تحتاج مراكز البيانات التي تشغّل نماذج الذكاء الاصطناعي الضخمة، مثل روبوتات المحادثة وأنظمة توليد الصور والفيديو، إلى كميات هائلة من الذاكرة عالية الأداء.
ولهذا السبب، قامت شركات تصنيع الرقائق بتحويل جزء كبير من طاقاتها الإنتاجية نحو تصنيع أنواع متقدمة من الذاكرة المستخدمة في خوادم الذكاء الاصطناعي، وعلى رأسها:
DRAM: وهي الذاكرة الرئيسية المستخدمة لتخزين البيانات المؤقتة أثناء معالجة المعلومات.
HBM (High Bandwidth Memory): نوع متطور من الذاكرة يوفر سرعات نقل بيانات فائقة، ويستخدم بشكل أساسي مع معالجات الذكاء الاصطناعي المتقدمة.
وأدى هذا التحول إلى تقليص المعروض من رقائق الذاكرة المستخدمة في الهواتف الذكية، خاصة ذاكرة LPDDR (Low Power Double Data Rate)، وهي الذاكرة المصممة لتوفير استهلاك الطاقة داخل الأجهزة المحمولة.
ونتيجة لذلك، ارتفعت أسعار هذه المكونات بشكل ملحوظ، ما أدى إلى زيادة تكلفة تصنيع الهواتف الذكية.
الهواتف الاقتصادية تحت الضغط
وتُعد الفئات الاقتصادية والمتوسطة الأكثر تضرراً من هذه التطورات، نظراً لأن هوامش الربح فيها محدودة مقارنة بالهواتف الرائدة مرتفعة السعر. وتشير التقديرات إلى أن بعض الهواتف منخفضة التكلفة قد تختفي من الأسواق خلال السنوات المقبلة إذا استمرت أسعار المكونات الأساسية في الارتفاع، فيما ستتجه الشركات إلى التركيز على الأجهزة الأعلى سعراً والأكثر ربحية.
وفي المقابل، تستطيع الهواتف المزودة بتقنيات الذكاء الاصطناعي المتقدمة امتصاص جزء كبير من ارتفاع التكاليف، نظراً لكون المستهلكين أكثر استعداداً لدفع أسعار أعلى مقابل المزايا الجديدة التي تقدمها.
كما يتوقع المحللون توسع سوق الهواتف المُجددة والمستعملة المعتمدة، مع سعي شريحة من المستهلكين إلى تجنب الزيادات المتوقعة في أسعار الأجهزة الجديدة.
سامسونج وآبل في موقع المستفيد الأكبر
ومن المرجح أن تستفيد الشركات الكبرى من هذا التحول أكثر من غيرها، وعلى رأسها سامسونج وآبل اللتان تهيمنان بالفعل على سوق الهواتف الذكية الفاخرة عالمياً.
وتتمتع سامسونج بميزة إضافية تتمثل في كونها واحدة من أكبر الشركات المنتجة لرقائق الذاكرة المتقدمة المستخدمة في خوادم الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات، ما يمنحها موقعاً استراتيجياً على جانبي المعادلة؛ فهي تبيع الهواتف الذكية من جهة، وتوفر المكونات الأساسية التي تعتمد عليها ثورة الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى.
أما الشركات التي تعتمد بشكل رئيسي على بيع الأجهزة منخفضة ومتوسطة السعر، خاصة في الأسواق الناشئة، فتواجه ضغوطاً متزايدة للحفاظ على قدرتها التنافسية وسط ارتفاع تكاليف الإنتاج.
هل يقود الذكاء الاصطناعي دورة انتعاش جديدة؟
على الرغم من التحديات الحالية، يرى خبراء الصناعة أن الذكاء الاصطناعي قد يمثل المحرك الرئيسي لدورة الترقية المقبلة في سوق الهواتف الذكية.
فمع ظهور مزايا أكثر تطوراً مثل توليد الصور مباشرة على الجهاز، والمساعدات الشخصية الذكية، وأدوات تحرير الصور والفيديو المتقدمة، بات لدى المستهلكين أسباب أكثر إقناعاً لاستبدال أجهزتهم القديمة.
ويتوقع محللو القطاع أن تبدأ أزمة الذاكرة في الانحسار تدريجياً بحلول أواخر عام 2027 مع توسع القدرات الإنتاجية للمصنعين، ما قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من النمو تعتمد على أجهزة أكثر ذكاءً وكفاءة، تجعل الذكاء الاصطناعي جزءاً أساسياً من تجربة الهاتف الذكي اليومية، وليس مجرد ميزة إضافية للتسويق.





