تتواصل المنافسة العالمية في قطاع أشباه الموصلات، وسط مساعٍ صينية حثيثة لتقليل الاعتماد على التقنيات الغربية وتجاوز القيود الأمريكية المفروضة على صناعة الرقائق المتقدمة. وفي هذا السياق، تبرز شركة هواوي الصينية باستراتيجية جديدة قد تسمح لها بتطوير معالجات أكثر قوة دون الحاجة إلى أحدث معدات تصنيع الرقائق التي تحظر الولايات المتحدة تصديرها إلى الصين.
لماذا تمنع الولايات المتحدة وصول الصين إلى تقنيات تصنيع الرقائق المتقدمة؟
تعتبر الرقائق الإلكترونية المتطورة حجر الأساس للعديد من التقنيات الحديثة، بدءًا من الهواتف الذكية والحواسيب وصولًا إلى تطبيقات الذكاء الاصطناعي والمعدات العسكرية. ولهذا السبب فرضت الولايات المتحدة قيودًا صارمة على تصدير تقنيات تصنيع الرقائق المتقدمة إلى الصين.
ومن أبرز هذه التقنيات أجهزة الطباعة الضوئية بالأشعة فوق البنفسجية القصوى (EUV)، وهي آلات ضخمة ومعقدة تستخدم لرسم الدوائر الإلكترونية الدقيقة جدًا على شرائح السيليكون التي تُصنع منها الرقائق.
ولتبسيط الفكرة، يمكن تشبيه هذه الأجهزة بآلة طباعة فائقة الدقة تقوم بنقش مليارات المكونات الإلكترونية المجهرية على شريحة صغيرة لا يتجاوز حجمها بضعة سنتيمترات. وتنفرد شركة ASML الهولندية عالميًا بإنتاج هذه المعدات، وهو ما يجعلها عنصرًا استراتيجيًا في صناعة أشباه الموصلات.
ما هي المشكلة التي تواجه الصين؟
بسبب القيود الأمريكية، لا تستطيع شركة SMIC، وهي أكبر مصنع للرقائق في الصين، الحصول على أحدث أجهزة EUV. ونتيجة لذلك تواجه صعوبة في تصنيع الرقائق الأكثر تقدمًا التي تعتمد على تقنيات إنتاج متناهية الصغر مثل 3 نانومتر أو 2 نانومتر.
ويقاس تطور الرقائق عادة بوحدة “النانو متر”، وكلما صغر الرقم أمكن وضع عدد أكبر من الترانزستورات داخل الشريحة الواحدة، ما يؤدي إلى زيادة الأداء وتحسين كفاءة استهلاك الطاقة.
من قانون مور إلى “قانون تاو”
على مدار عقود اعتمدت صناعة أشباه الموصلات على ما يعرف بـ”قانون مور”، وهو مبدأ وضعه المؤسس المشارك لشركة إنتل، جوردون مور، وينص على أن عدد الترانزستورات داخل الشريحة يتضاعف تقريبًا كل عامين، ما يؤدي إلى زيادة مستمرة في القدرة الحاسوبية.
والترانزستور هو أصغر عنصر إلكتروني داخل المعالج، ويمكن اعتباره بمثابة مفتاح كهربائي صغير للغاية يتحكم في تدفق البيانات. وكلما زاد عدد الترانزستورات داخل الشريحة ارتفعت قدرتها على معالجة المعلومات. لكن هواوي تعتقد أن مواصلة تصغير الترانزستورات قد لا تكون الطريق الوحيد لتحسين أداء المعالجات.
ولهذا أعلنت الشركة ما أطلقت عليه اسم “قانون تاو للتوسع” (Tao Scaling Law)، وهو مفهوم جديد يركز على تقليل المسافات التي تنتقل عبرها البيانات داخل الشريحة بدلاً من التركيز فقط على تصغير حجم الترانزستورات.

ما هي تقنية LogicFolding؟
تعتمد الاستراتيجية الجديدة على بنية هندسية تعرف باسم LogicFolding، وهي تقنية تقوم على التراص الرأسي للمكونات الإلكترونية داخل المعالج. ويمكن تشبيه الأمر بمبنى متعدد الطوابق بدلاً من مبنى أفقي واسع. فبدلاً من توزيع المكونات على سطح واحد، يتم ترتيبها فوق بعضها البعض في طبقات متراكبة، ما يقلل المسافات التي تقطعها الإشارات الكهربائية بين المكونات المختلفة.
ويؤدي ذلك إلى:
* زيادة سرعة انتقال البيانات داخل الشريحة.
* تحسين الأداء العام للمعالج.
* رفع كثافة الترانزستورات دون الحاجة إلى تقنيات تصنيع أكثر دقة.
* تقليل الاعتماد على معدات EUV المحظورة على الصين.
ماذا تخطط هواوي خلال السنوات المقبلة؟
تقول هواوي إن اعتمادها على مفهوم LogicFolding وقانون تاو قد يمكنها من الوصول إلى كثافة ترانزستورات تعادل ما توفره رقائق مصنعة بتقنية 1.4 نانومتر بحلول عام 2031.
والمقصود بكثافة الترانزستورات هو عدد الترانزستورات الموجودة في مساحة معينة من الشريحة. وكلما ارتفعت هذه الكثافة ازدادت القدرة الحاسوبية للمعالج.
ورغم طموح هذه الخطة، فإن المنافسين العالميين لا يقفون في مكانهم. فشركة TSMC التايوانية تخطط لبدء الإنتاج التجاري لرقائق 1.4 نانومتر خلال النصف الثاني من عام 2028، ما يعني أن الفجوة التقنية قد تستمر رغم التقدم المتوقع للصين.
معالج جديد لهواتف Mate 90
وتراهن هواوي على هذه التقنية في تطوير معالج جديد لسلسلة هواتف Mate 90 المرتقبة. ووفقًا لما أعلنته الشركة، فإن المعالج الجديد من عائلة Kirin سيقدم أداءً يعادل المعالجات المصنعة بتقنية 3 نانومتر، رغم عدم امتلاك الصين القدرة الكاملة على إنتاج هذه الرقائق بالطريقة التقليدية المستخدمة لدى الشركات العالمية المنافسة. ويعني ذلك أن هواوي تسعى إلى تحقيق أداء مشابه للمعالجات الرائدة عبر تصميم هندسي مختلف، بدلاً من الاعتماد فقط على أحدث تقنيات التصنيع.

لماذا تراقب واشنطن هذه التطورات؟
تخشى الولايات المتحدة أن تتمكن الصين من تطوير بدائل محلية تقلل من تأثير العقوبات المفروضة على قطاع أشباه الموصلات. ورغم تأكيد شركة ASML أنها لم تصدر أي أجهزة EUV إلى الصين، فإن التقدم الذي تحققه الشركات الصينية في مجالات التراص ثلاثي الأبعاد والهندسة المعمارية الجديدة للرقائق قد يمنح بكين مسارًا مختلفًا للوصول إلى مستويات أداء متقدمة دون الحاجة إلى أحدث معدات التصنيع الغربية.
كيف تبدو المنافسة مع آبل؟
للمقارنة، تشير التوقعات إلى أن معالج A20 Pro المنتظر من شركة Apple والمصنع بتقنية 2 نانومتر قد يحتوي على نحو 30 مليار ترانزستور، مع كثافة تتراوح بين 310 و330 مليون ترانزستور لكل مليمتر مربع.
وتُظهر هذه الأرقام حجم المنافسة المحتدمة في قطاع أشباه الموصلات، حيث لم يعد السباق يقتصر على تصغير حجم الترانزستورات فحسب، بل أصبح يشمل أيضًا ابتكار أساليب هندسية جديدة لزيادة الأداء وتحسين كفاءة الرقائق في عصر الذكاء الاصطناعي والحوسبة المتقدمة.
أكدت شركة ASML الهولندية، التي تحتكر عالميًا إنتاج أجهزة الطباعة الضوئية بتقنية الأشعة فوق البنفسجية القصوى (EUV)، أنها لم تقم مطلقًا بشحن أي من هذه الأجهزة المتطورة إلى الصين، وذلك ردًا على تقارير ومخاوف أمريكية تتعلق بإمكانية وصول بكين إلى تقنيات تصنيع الرقائق الأكثر تقدمًا في العالم.
وجاء هذا التأكيد بعد لقاء جمع وزير التجارة الأمريكي هوارد لوتنيك بمسؤولي الشركة لمناقشة ملف تصدير معدات تصنيع أشباه الموصلات، والذي يُعد أحد أبرز الملفات التكنولوجية الحساسة في إطار المنافسة المتصاعدة بين الولايات المتحدة والصين. وأوضحت ASML أنها تلتزم بشكل كامل بجميع قيود وضوابط التصدير المفروضة من قبل الحكومات الغربية، وتقوم بتعديل عملياتها التجارية بصورة مستمرة بما يتوافق مع أي لوائح أو قرارات جديدة.
وتكتسب أجهزة EUV أهمية استثنائية لأنها تمثل حجر الأساس في إنتاج أحدث الأجيال من الرقائق الإلكترونية المستخدمة في الهواتف الذكية المتطورة، ومراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، والحواسيب فائقة الأداء. وتعمل هذه الأجهزة عبر تسليط أشعة ضوئية فائقة الدقة لنقش مليارات الترانزستورات والدوائر الإلكترونية المجهرية على شرائح السيليكون، وهي عملية يمكن تشبيهها بطباعة خرائط إلكترونية معقدة للغاية على سطح أصغر من ظفر الإصبع.
وتُعد هذه الأجهزة من أكثر المعدات الصناعية تعقيدًا في العالم، إذ يبلغ حجم الجهاز الواحد تقريبًا حجم حافلة مدرسية كاملة، بينما يصل وزنه إلى نحو 180 طنًا. كما تتراوح تكلفة الجهاز الواحد بين 180 و250 مليون دولار، في حين قد تتجاوز تكلفة أحدث إصداراته، المعروفة باسم أجهزة EUV عالية الفتحة العددية (High-NA EUV)، حاجز 400 مليون دولار. ولهذا السبب يرى الخبراء أن تهريب مثل هذه المعدات أو نقلها سرًا يُعد أمرًا شبه مستحيل نظرًا لضخامتها وتعقيد عملية تركيبها وتشغيلها.
وفي الوقت الذي تحظر فيه الولايات المتحدة وحلفاؤها تصدير أجهزة EUV إلى الصين، لا تزال بعض معدات الطباعة الضوئية الأقل تطورًا متاحة أمام الشركات الصينية. وتشمل هذه المعدات أنظمة الطباعة بالأشعة فوق البنفسجية العميقة (DUV)، وهي تقنية أقدم تُستخدم أيضًا في تصنيع الرقائق الإلكترونية ولكن بقدرات أقل مقارنة بتقنية EUV.
إلا أن الصين لا تستطيع الحصول على النسخ الأكثر تطورًا من أجهزة DUV، والمعروفة باسم أنظمة “الطباعة بالغمر” أو Immersion DUV. وتعتمد هذه التقنية على وضع طبقة رقيقة من الماء بين العدسات وشريحة السيليكون أثناء عملية التصنيع. ويؤدي ذلك إلى تحسين تركيز الضوء وتقليل الطول الموجي الفعال للأشعة المستخدمة في الطباعة، ما يسمح برسم دوائر إلكترونية أصغر حجمًا وأكثر دقة.
وبعبارة أبسط، فإن وجود الماء في هذه العملية يساعد على “تكبير دقة الطباعة” بشكل يشبه استخدام عدسة أكثر تطورًا في الكاميرات الاحترافية، الأمر الذي يمكّن الشركات المصنعة من إنتاج رقائق تحتوي على عدد أكبر من الترانزستورات داخل المساحة نفسها، وبالتالي تحقيق أداء أعلى واستهلاك أقل للطاقة.
وفي المقابل، تسعى الصين إلى تطوير بدائل محلية لهذه التقنيات. وكانت تقارير سابقة قد أشارت إلى أن فريقًا من العلماء والمهندسين الصينيين نجح في بناء نموذج أولي لجهاز طباعة ضوئية بتقنية EUV، بمشاركة خبراء عمل بعضهم سابقًا لدى ASML. وإذا تمكنت الصين مستقبلًا من تطوير هذه التقنية محليًا على نطاق تجاري، فقد يشكل ذلك تحولًا مهمًا في سباق أشباه الموصلات العالمي ويقلل من تأثير القيود الغربية المفروضة على قطاع التكنولوجيا الصيني.
ومع ذلك، تؤكد ASML أنها لم تقم في أي وقت بشحن أجهزة EUV أو حتى مكونات مصممة خصيصًا لتشغيل هذه الأجهزة إلى الصين، ما يعني أن بكين لا تزال محرومة من الوصول المباشر إلى أهم أداة إنتاج مطلوبة لتصنيع الرقائق الإلكترونية الأكثر تقدمًا في العالم.





