ربما تعتقد أن هذا اللون الأخضر المميز الذي يصبغ كل شيء عند استخدام نظارات الرؤية الليلية هو محضَ مصادفة، لكن الحقيقة إنه تم اختياره عمدًا لعدة أسباب.
فقد أجرى مصنعو الأجهزة تجارب على ألوان مختلفة، ووجدوا أن الدرجات اللونية المتفاوتة التي تُشكّل الصورة أحادية اللون في أجهزة الرؤية الليلية يمكن تمييزها واستيعابها بدقة أكبر عندما تكون باللون الأخضر، بمعنى أن اللون الأخضر يقدم للمستخدم الصورة الأكثر دقة وراحة قدر الإمكان.

بالإضافة إلى ذلك، ونظرًا لأن العين البشرية تكون أكثر حساسية للأطوال الموجية للضوء القريبة من 555 نانومتر (وهي درجة اللون الأخضر)، فإنه يمكن لشاشة العرض أن تكون خافتة الإضاءة نوعًا ما، مما يساهم في توفير طاقة البطارية.
من اخترع تقنية الرؤية الليلية؟
طُوِّرت أولى أجهزة الرؤية الليلية العملية في ألمانيا في منتصف ثلاثينيات القرن الماضي، واستخدمتها الدبابات والمشاة الألمانية خلال الحرب العالمية الثانية. وفي الوقت نفسه، كان علماء الجيش الأمريكي يطورون أجهزتهم الخاصة بالرؤية الليلية، والتي استُخدمت لأول مرة خلال الحرب العالمية الثانية والحرب الكورية.
اعتمدت أجهزة هذا الجيل “الجيل الصفر” على الأشعة تحت الحمراء النشطة لإضاءة المشهد، وكان الجنود يحملون كشافًا يعمل بالأشعة تحت الحمراء لإطلاق شعاع من الضوء القريب من الأشعة تحت الحمراء، والذي ينعكس بدوره عن الأجسام ويعود إلى عدسة المنظار ليعرض صورة مرئية لما ينظرون إليه.
وكانت الكشافات التي استخدمها “صيادو الليل” (Nachtjägers) من الألمان بحجم أطباق المائدة تقريبًا، وتتطلب مصدر طاقة كبيرًا يُحمل على ظهر الجندي.

في العقود التالية، وخلال تطوير الجيل الأول من التقنية، حدثت قفزات هائلة، وبحلول الوقت الذي دخلت فيه الولايات المتحدة حرب فيتنام، كان العديد من الجنود مجهّزين بمناظير “ضوء النجوم” (Starlight Scopes) السلبية (أو غير النشطة)، والتي استخدمت أنابيب تكثيف الصور لتضخيم الضوء المحيط المتاح (عادةً من القمر والنجوم، ومن هنا جاءت التسمية) وإنتاج صورة إلكترونية للمنطقة المظلمة.
ولا تزال تقنية “الجيل الأول” هذه موجودة حتى اليوم في أجهزة الرؤية الليلية الاستهلاكية الاقتصادية. وفي حين قامت القوات العسكرية والشرطية بالترقية إلى أجيال متتابعة من التقنية مع تحسينات جديدة على مر السنين، فإن تقنية الرؤية الليلية المعتمدة على تضخيم الصور ما زالت تعمل بناءً على المبادئ الأساسية نفسها لهذه النماذج المبكرة.
وتجمع العدسة (أو العدسات) الموجودة في نهاية منظار أو نظارة الرؤية الليلية الضوء المتاح، وتركزّه على المهبط الضوئي (Photocathode) الموجود في أنبوب تكثيف الصورة بالجهاز، والذي يقوم بتحويل جسيمات الضوء أو الفوتونات إلى إلكترونات.
أثناء تحرك الإلكترونات عبر الأنبوب، تمر عبر لوحة القنوات الدقيقة (Microchannel Plate)، وهي عبارة عن قرص يحتوي على ملايين الثقوب أو القنوات الدقيقة، وعندما تصطدم الإلكترونات بالأقطاب الكهربائية الموجودة على القنوات الدقيقة، تتسبب دفقات من الجهد الكهربائي في زيادة حركة الإلكترونات بسرعة فائقة، مما يُشكّل سحابة كثيفة من الإلكترونات تضاعف الصورة الأصلية وتقويها.
عند الطرف الأقصى من الأنبوب، تصطدم الإلكترونات بشاشة مطلية بالفوسفور، وهي مادة تشع ضوءًا مرئيًا عندما تتعرض للإثارة بسبب الإلكترونات، مما يحول الإلكترونات مرة أخرى إلى فوتونات تُشكّل الصورة الخضراء على الشاشة داخل عدسة الرؤية بالجهاز.





