تحمل قصص صعود شركات التكنولوجيا المالية في منطقة الشرق الأوسط الكثير من فصول الإثارة والمغامرة، لكن قلة منها هي تلك التي بدأت من نقطة الصفر الحقيقية، حيث لم يكن السوق مستعداً، ولم تكن القوانين التشريعية قد صيغت بعد، وكان إقناع مستهلك واحد بوضع بيانات بطاقته المصرفية عبر موقع إلكتروني أشبه بمهمة مستحيلة.
في هذا الفضاء البكر، وتحديداً في عام 2016، قرر شاب مصري في مقتبل العمر أن يلقي وراء ظهره باستقرار وظيفة مصرفية مرموقة داخل أحد أكبر البنوك، ليركب أمواج مخاطرة غير مأمونة العواقب، مؤمناً بأن مستقبل التجارة في مصر سيمر حتماً عبر شاشات الهواتف الذكية والمنصات الرقمية.
اليوم، وبعد عقد تقريباً من تلك المحاولات الشاقة لإقناع قيادات بنكية مخضرمة وتجار تقليديين بفكرة الشمول المالي قبل أن تصبح مصطلحاً دارجاً، تتربع منصة EasyKash على عرش التكنولوجيا المالية في السوق المصري كواحدة من أبرز قصص الصعود محتلة حصة سوقية تناهز 25% من قطاعها المستهدف، مع قاعدة عملاء تتجاوز 15 ألف تاجر في قطاعات حيوية كالسياحة والتعليم والتجزئة، ومستهدفة تحقيق حجم معاملات مالية قياسي يتخطى المليار ونصف المليار جنيه بنهاية العام الجاري.
في هذا الحوار الاستثنائي، نلتقي برائد الأعمال مراد العشري، المؤسس والرئيس التنفيذي لـ EasyKash، ليفتح لنا رحلة صعود الشركة ، ورؤيته العميقة لتحديات القطاع الراهنة
بدايةً، نود العودة بالزمن إلى ما قبل تأسيس EasyKash.. كيف كانت رحلتك المهنية؟
أنا أبلغ من العمر 42 عاماً، وتخرجت عام 2004 في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية. بعد تخرجي، خضت مسيرة مهنية ممتدة لـ 10 سنوات تنقلت فيها بين قطاعي الاتصالات والبنوك. وفي عام 2016، اتخذت قراراً مصيرياً بترك العمل المصرفي وتأسيس شركتي الخاصة، والتي كانت بمنزلة أول شركة تكنولوجيا مالية (FinTech) في مصر، في وقت لم يكن فيه أحد يعرف شيئاً عن هذا المصطلح أو طبيعة هذا المجال.
في 2016 لم يكن مفهوم التكنولوجيا المالية “فينتك” شائعاً في مصر.. ما الذي دفعك لدخول هذا التحدي؟
أتذكر أنني اجتمعت وقتها مع مدير البنك الأهلي المصري، وكنا نشرح له فكرتنا برغبتنا في مساعدة الشركات على العمل والبيع عبر الإنترنت، ليصبح هذا النشاط تحت مظلة الدولة. حينها قال لي: “هذا هو ما يُسمى بالشمول المالي”. ومن هنا كانت الشرارة الأولى، فرغم غياب مفهوم “الشركات الناشئة” أو التكنولوجيا المالية السائد اليوم، فإننا أخذنا زمام المبادرة وكنا رواداً في هذا السوق.
لكن الريادة في مجال غير معروف تعني الاصطدام بتحديات كبرى.. ما أبرز ما واجهكم؟
الموضوع كان في غاية الصعوبة. كنا شابين في مقتبل العمر نحاول إقناع قيادات بنكية مخضرمة وكبيرة في السن بفكرة لا يستوعبونها برمتها. بالإضافة إلى ذلك، كانت البنية التحتية للبنوك آنذاك قديمة، والعمل معها معقداً، والأخطر كان ملف الأمان؛ فالمخاوف من العمل معنا كشركة ناشئة كانت ضخمة.
بدأنا نطور منظومة الأمان (Security) خطوة بخطوة، وكان للحصول على الشهادات العالمية شروطاً قاسية وتكلفة باهظة؛ فعلى سبيل المثال، شهادة الأمان كانت تتطلب 30 ألف دولار، ولم نكن نملك هذا المبلغ ولا نعرف سبيلاً لتوفيره، حتى تواصلنا مع شركات بالخارج حتى وصلنا لآلية تنفيذها. يضاف إلى ذلك أن المنظومة كانت تفرض على كل تاجر دفع 360 دولاراً، وهو ما جعل الإقناع في البداية أمراً شاقاً.
هذا عن البنوك، فماذا عن الطرف الآخر.. كيف كان تقبل التجار والمستهلكين للدفع الإلكتروني؟
في الفترة من 2016 وحتى 2020، كان دورنا مقتصرًا تقريباً على نشر الوعي بين البنوك والتجار والمستخدمين، لأنه في 2016 لم يكن أحد يثق في الدفع عبر الإنترنت. شرارة الفكرة جاءتني أصلاً عندما كنت في تركيا، ودخلت متجراً ووجدتهم يتيحون الدفع عبر الـ (QR Code)، فأردت نقل التجربة لمصر.
التحول الحقيقي بدأ تدريجياً؛ في 2020 ومع انتشار تطبيق “أوبر” للنقل التشاركي الذكي، أُجبر الناس على الدفع عبر التطبيق فبدأت الثقافة تتغير. ثم جاءت جائحة كورونا لتجبر التجار على التحول للإنترنت لإنقاذ أعمالهم. لذلك أقول دائماً إن رحلتنا الواقعية بدأت في 2020، وما قبلها كان مرحلة تجارب وإقناع، وهي الرحلة التي توجت بتحقيق حجم معاملات وصل إلى مليار جنيه في عام 2025.
كم تبلغ قيمة العمولة التي تقرها EasyKash؟
عمولتنا هي 2.5%، وقطاع التكنولوجيا المالية يعتمد أساساً على كثرة البيع وحجم المعاملات الضخم.
كيف تقيم القفزة القوية التي شهدتها المدفوعات الرقمية في مصر مؤخراً؟
البنك المركزي المصري قام بطفرة حقيقية؛ إذ قدم في آخر 3 سنوات عملاً وإجراءات وتراخيص لشركات التكنولوجيا المالية تتجاوز ما تم إنجازه في 15 عاماً سابقة، كما شهد السوق تغيرات جذرية، أبرزها ثقة الناس في الدفع أونلاين، وظهور شركات “الشراء الآن والدفع لاحقاً” (BNPL) التي أحدثت ضجة كبيرة، حيث يتعامل معها اليوم أكثر من 30 مليون مستخدم لسرعتها وتقديمها تسهيلات تفوق البنوك. ونحن في EasyKash حققنا العام الماضي 700 مليون جنيه من قطاع التمويل الاستهلاكي، وعملاؤنا في هذا القطاع ينمون باستمرار، مما رفع الحجم الإجمالي لمدفوعاتنا.
ملف الأمان والأمن السيبراني هو عصب التكنولوجيا المالية.. كيف تديرونه؟
لدينا قاعدتان صارمتان؛ الأولى هي منع الاستعانة بمصادر خارجية (Outsource) في البرمجة والأمان، فكل شيء يجب أن يتم بناؤه وتطويره بالكامل داخل الشركة. الثانية هي الالتزام بالشهادات العالمية مثل شهادة (PCI)، وتجديدها يتطلب مجهوداً ومطالب دورية ضخمة، بتكلفة تصل إلى 30 ألف دولار سنوياً. نملك فريق أمان قوي جداً يعمل على مدار 24 ساعة بمراقبة مستمرة، فلولا عوامل الأمان الصارمة هذه لما حصلنا على رخصة البنك المركزي.
كم يبلغ حجم قاعدة عملائكم الحالية؟
لدينا حالياً 15 ألف تاجر، ونعمل في قطاعات متنوعة تشمل السياحة، والتعليم، والتجزئة، وتنظيم الفعاليات. كما ندعم شريحة واسعة من المستقلين (Freelancers)، وهو ما يرسخ مفهوم الشمول المالي؛ حيث ساعدنا الكثيرين على نمو أعمالهم، أذكر منهم رسامة لوحات تضاعفت مبيعاتها بشكل ملحوظ بعدما أتحنا لها خدمة الدفع الإلكتروني.
مع التطور الكبير لشبكة “إنستاباي”، كيف ترى تأثير هذا على حركة المدفوعات ودور EasyKash في السوق؟
لا شك أن وجود “إنستاباي” أحدث حراكاً كبيراً ومنافسة إيجابية للغاية رفعت من وعي المستهلك بالمعاملات الرقمية؛ فقبل ظهورها كان الاعتماد الأكبر للمستهلكين ينصب على كروت الفيزا التقليدية، والآن أصبح هناك تنوع رائع بفضل هذا التطبيق القومي.
هذا التنوع والتنافس يصب في مصلحة السوق، ونحن في EasyKash نتكامل مع هذه المنظومة من خلال تقديم حلول متخصصة ومتميزة؛ فعلى سبيل المثال، يظل قطاع “التمويل الاستهلاكي والتقسيط” ميزة تنافسية حصرية لنا، فالعميل الذي يبحث عن مرونة التقسيط وتسهيل المدفوعات يجد ضالته في الحلول التي نقدمها للتجار، وهي خدمات لا تغطيها شبكات الدفع اللحظي المباشرة.
هذا التكامل والتنافس يضمن لكل منصة تقديم أفضل ما لديها، خاصة مع اختلاف طبيعة العمل والعمولات بين تطبيق يركز على التحويل اللحظي، ومنصات تركز على خدمات وحلول نمو الأعمال والتجارة الإلكترونية.
هل دفعكم وجود منافسين أقوياء مثل “إنستاباي” لتطوير أفكار جديدة خارج الصندوق؟
بالتأكيد، جعلنا ذلك نتحول من مجرد منصة مدفوعات إلى مطور أنظمة متكاملة لخدمة وإدارة الشركات. قمنا بتطوير نظام متكامل لشركات تنظيم الحفلات، يمكنها من إدارة الحفلة، ومتابعة المبيعات، ومعرفة من دفع ومن لم يدفع بالتفصيل. كما طورنا أنظمة لشركات الاشتراكات الدورية، يقوم النظام تلقائياً بتذكير الشركة بمواعيد التجديد وقائمة العملاء المتأخرين عن السداد، مما يسهل عليهم تحصيل أموالهم ومتابعة أعمالهم، وكل هذا بنفس نظام العمولة الثابت وهو 2.5%.
ما حجم الاستثمارات الحالية في الشركة؟ وهل تخططون لطرح جولات تمويلية قريباً؟
استراتيجيتنا الثابتة هي عدم الحصول على استثمارات خارجية والاعتماد على التمويل الذاتي. نحن نعمل بأموالنا، ونعيد ضخ أرباح الشركة الكبيرة لدعم نموها المستمر. نرى أن الاستثمارات في بعض الأحيان قد تضر بالشركة لأنها ترفع التقييم بشكل غير واقعي، مما يجعل التخارج صعباً؛ فلو أن تقييم الشركة الحقيقي 100 مليون جنيه على سبيل المثال، وحصلت على استثمار بـ 10 ملايين دولار، سيقفز التقييم دفترياً إلى 150 مليون دولار، وهو رقم غير واقعي يصعب معه العثور على مشترٍ يبحث عن الأرباح والمبيعات الحقيقية.
وهل فكرتم في التخارج وبيع الشركة في وقت ما؟
فكرنا في ذلك بالفعل، وتلقينا العام الماضي عرضاً برقم ضخم جداً للتخارج. لكن بعد دراسة وحسابات، وجدنا أن هذا المبلغ يعادل أرباحنا الصافية خلال 3 سنوات فقط؛ ففضلنا الاستمرار في السوق والحصول على نفس العوائد مع الاحتفاظ بملكية الشركة كاملة.
وقد نفكر في التخارج أو قبول الاستثمار في حالتين فقط: وجود مستثمر خارجي كبير يضخ سيولة ضخمة، أو مستثمر استراتيجي يدعم نمونا لطرح خدمات جديدة أو التوسع في أسواق خارجية مثل الخليج، وهي خطوة تتطلب استثمارات ضخمة.
فيما يتم استثمار السيولة الحالية داخل الشركة؟
نركز استثماراتنا الداخلية على أربعة محاور أساسية: زيادة عدد التجار وجذب عملاء جدد، تطوير الأنظمة البرمجية وشراء سيرفرات حديثة، الحصول على الشهادات العالمية وتجديدها، بالإضافة إلى الاستثمار القوي في الموارد البشرية والكفاءات.
ختاماً.. من وجهة نظرك كرائد أعمال، ما أبرز التحديات التي تواجه قطاع المدفوعات الرقمية في مصر اليوم؟
أبرز هذه التحديات هي حرق الأسعار، وذلك عند دخول شركات جديدة للسوق دون فهم لطبيعته وتحدياته، والاعتماد على حرق الأسعار لكسب حصة سوقية. هامش ربحنا صغير (2.5%) يحصل البنك منها على 1.5%، وبالتالي من يحرق الأسعار سيضطر للإغلاق حتماً لكن بعد أن يكون قد أضر باستقرار السوق.
وهناك بالطبع البيروقراطية في التراخيص، فعلى الرغم من التسهيلات الكبيرة والواضحة التي يقدمها البنك المركزي، فإن الحصول على التراخيص النهائية لا يزال يستغرق وقتاً طويلاً قد يصل إلى سنتين.
كما تعد المنافسة الشرسة تحديا كبيرا خاصة مع تطور تكنولوجيا المدفوعات عن ذي قبل، ولكنها منافسة تصب في صالح العملاء والمستهلكين في النهاية، وتجبر الشركات على تقديم خدمات أفضل وأكثر تنوعا وابتكارا بأسعار تنافسية.





