لم تعد خطوط التماس الجيوسياسية في القرن الحادي والعشرين تُقاس بمدى انتشار القواعد العسكرية، ولا بحجم الأساطيل البحرية في المياه الإقليمية، فخوض الحروب التقليدية أو فرض الحصار الجغرافي بات خياراً باهظ الكلفة ومستهلكاً للسياسة والاقتصاد على حد سواء ولنا في الحرب الأمريكية الإيرانية الرؤية والمثل.
وبدلا من ذلك، انتقل الصراع الدولي نحو ساحة أكثر خفاء وأشد فاعلية وهي البنية التحتية للمدفوعات ونقل الأموال عبر الحدود، فالقوى العظمى أدركت أن السيطرة على الشبكات الرقمية التي تنقل الأموال بين الدول والشركات هي أداة خفيفة، حاسمة، وأقل كلفة لفرض النفوذ، إذ تمنح من يمسك بمقاليدها قدرة استثنائية على شل حركة التجارة وتحييد الخصوم بضغطة زر واحدة.
هذا الفهم المتزايد لخطورة الهيمنة الأحادية على قنوات التدفق المالي نقل أنظمة المدفوعات من خانة الحلول التقنية المساعدة إلى قلب الاستراتيجيات القومية لحماية السيادة الاقتصادية، وأصبح توظيف واشنطن للشبكات المالية الغربية وأداة الوصول إلى الدولار كعنصر ضغط في ملفات السياسة الخارجية وليس مجرد نظام تسوية محايد أحدث صدمة لدى القوى الصاعدة وحتى لدى الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة.
ونتيجة لذلك، بدأت الخريطة المالية العالمية تشهد عملية تفكيك وتجزئة هيكلية متسارعة، حيث تسعى الدول بلا استثناء نحو تطوير منظومات دفع وطنية وإقليمية مستقلة لتفادي أخطار الخضوع للأوامر الصادرة من طرف واحد، مما يضع نفوذ الدولار ومؤسسات التدفق المالي التقليدية أمام تحديات بنيوية غير مسبوقة.
ولم تكن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بمنأى عن هذا المخاض الجيوسياسي، بل وجدت نفسها في قلب التحول؛ حيث أدركت دول المنطقة أن الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي والنمو المستدام لا يكتمل دون حماية الشرايين الرقمية للمال، وبرز هذا التوجه بوضوح في مصر، التي تسارع خطى تعزيز «السيادة النقدية الرقمية» عبر منظومة المدفوعات الوطنية «ميزة» وشبكة المدفوعات اللحظية «إنستا باي»، إلى جانب التوسع في اتفاقيات الربط المباشر مع دول الخليج والتكتلات الإقليمية، وإن هذه التحركات لم تعد تصنف كمبادرات للشمول المالي والتطوير التقني فحسب، بل باتت تعبر عن رؤية أمن قومي تهدف لتأمين التدفقات النقدية والتحويلات الخارجية من أزمات السيولة العابرة للحدود والهزات الجيوسياسية.

والشواهد الميدانية لهذا التحول الاستراتيجي لم تعد مجرد فرضيات، إذ أظهر الخلاف الأخير حول نظام المدفوعات الفورية البرازيلي «بيكس» مدى عمق التوتر بين متطلبات السيادة التقنية الوطنية وبين المصالح التجارية للعملاقين الأمريكيين «فيزا» و«ماستركارد»، فعندما تحركت واشنطن للتنديد بالأنظمة البرازيلية بدعوى عدم تكافؤ الفرص للمؤسسات الأمريكية، جاء الرد البرازيلي عابراً للاستقطابات الحزبية الداخلية، ليؤكد أن نظام المدفوعات هو مكتسب سيادي لا يمكن التنازل عنه.
وهذا الإصرار البرازيلي لا ينفصل عن الرؤية الأمريكية الجديدة التي عبر عنها وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت بكل صراحة، حين أشار إلى أن استخدام الدولار ودخول الأسواق المالية الأمريكية يسيران وفق شروط جيوسياسية محددة، ليتحول المال الرقمي من شريان للمبادلات إلى أداة للهيمنة.
ولم يعد هذا الصداع السيادي حكراً على الدول المتوجسة من العقوبات الغربية؛ بل انتقل بشكل مباشر إلى العواصم الأوروبية، فقد باتت مفاهيم الاستقلال المالي التكتيكي تطرح في أروقة البرلمان الأوروبي والبنك المركزي الأوروبي بشغف غير مسبوق، وتعد تصريحات قيادات المفوضية والبنك المركزي الأوروبي بشأن ضرورة امتلاك منصات دفع رقمية صُنعت في أوروبا تُعبر عن قلق حقيقي من إمكانية استخدام البنية التحتية المالية كأداة للضغط الشديد حتى ضد الأصدقاء.
هذا القلق هو ما دفع بنوكاً بريطانية وأوروبية للتحرك الجاد نحو إيجاد بدائل رقمية محلية وإقليمية تفادياً لأي ارتهان للقرارات العابرة للأطلسي.
في هذا السياق، تخلص تحليلات صادرة عن «معهد بيترسون للاقتصاد الدولي» إلى أن سلاح شبكات المدفوعات قد أتى بنتائج عكسية على المدى الطويل على الهيمنة المالية الأمريكية؛ إذ إن «تسليح» الأنظمة المالية المحايدة سابقاً دفع بالعديد من الدول إلى تسريع خططها لبناء شبكات دفع موازية والاستثمار في التكنولوجيا المالية السيادية لتقليل الامتثال الجبري للقرارات الخارجية، مما يؤشر لتراجع النفوذ المطلق لشبكة المدفوعات الدولية الموحدة.
كذلك، تشير أوراق بحثية صادرة عن «صندوق النقد الدولي» حول مستقبل النظام النقدي الدولي إلى أن المخاطر السياسية المرتبطة باستخدام الشبكات المالية المركزية أوجدت ظاهرة تُعرف بـ «التجزؤ المالي الجغرافي». وأوضحت بيانات الصندوق أن الاعتماد المباشر على التسويات التقليدية المقومة بالدولار في المعاملات ثنائية الطرف يفسح المجال تدريجياً لصالح الشبكات المباشرة والعملات المحلية، مشددة على أن البنية التحتية للمدفوعات باتت المحرك الرئيسي لتحديد طبيعة التحالفات الاقتصادية المقبلة وليس حجم التبادل التجاري المجرد.

تكتمل هذه الرؤية بما انتهت إليه دراسة استراتيجية نشرها «مركز أبحاث السياسات الاقتصادية»، والتي بينت أن كلفة التخلي عن الشبكات العالمية الموحدة قد تكلف الاقتصاد العالمي تراجعاً يناهز 2.6% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2030 نتيجة ضعف الكفاءة وتباين المعايير التقنية، إلا أن الحكومات أضحت مستعدة لتحمل هذه التكلفة الاقتصادية المباشرة في سبيل حماية استقلالها المالي والسيادي. فالسيادة الرقمية في عالم المدفوعات أصبحت أولوية تعلو فوق حسابات الربح والخسارة التجارية المجردة.
وتتحرك الدول في رسم خريطتها للفك التدريجي للارتباط بالشبكات الغربية عبر ثلاثة مسارات رئيسية ذات أبعاد تكنولوجية وهيكلية مختلفة.
المسار الأول هو المسار الإقليمي والمحلي الذاتي، والذي يتمثل في تطوير بدائل تقنية ومؤسسية داخلية لرفع الكفاءة التشغيلية الوطنية وضمان استقلالية الخدمة. من أبرز أمثلة هذا المسار توسع منطقة المدفوعات الأوروبية الموحدة (SEPA) لتضم منظومة متكاملة لتقليل تكلفة المعاملات البينية، إلى جانب مبادرة المحفظة الرقمية الأوروبية (Wero) التي تقودها البنوك الأوروبية لإيجاد بديل مستقل تماماً عن فيزا وماستركارد، علاوة على مشروع اليورو الرقمي الذي يسعى البنك المركزي الأوروبي من خلاله إلى إعادة تشكيل السيادة النقدية والمالية بحلول نهاية العقد.
المسار الثاني هو المسار الصيني المتمدد، حيث تستغل الصين تفوقها في مجالات التكنولوجيا المالية لإنشاء نظام مالي موازٍ يعتمد على التكنولوجيا الذكية والعملات الرقمية المباشرة. وقد شهد نظام المعاملات بين البنوك عبر الحدود (CIPS) نمواً استثنائياً كبديل تشغيلي ومباشر لشبكة سويفت الدولية، بالتوازي مع التوسع في استخدام اليوان الرقمي (e-CNY) الذي يتيح إجراء تسويات عبر الحدود مباشرة بين البنوك المركزية، متجاوزاً مراكز المقاصة المقومة بالدولار.
أما المسار الثالث فيعتمد على الربط الثنائي المباشر، حيث تفضل دول كبرى وناشئة الاستغناء عن المنصات الدولية عبر ربط الأنظمة الفورية الوطنية ببعضها مباشرة باستخدام تقنيات رمز الاستجابة السريع (QR Code). ويقدم نظام المدفوعات الموحد الهندي (UPI) نموذجاً ريادياً لهذا التمدد؛ إذ جرى ربطه بالفعل بأنظمة دول مثل سنغافورة والإمارات لتسهيل المعاملات والتحويلات المالية اللحظية دون حاجة للوسيط الدولي التقليدي.

وتقف الولايات المتحدة في هذه المعركة الاستراتيجية في موقف المدافع عن مركزية الدولار وهيمنة شبكات Visa وMastercard وSWIFT، بهدف الحفاظ على أدوات السيطرة والتأثير المالي. وفي المقابل، يتحرك الاتحاد الأوروبي نحو بناء سيادته الرقمية عبر تقليص التبعية التقنية لحماية بنيته التحتية من أي تقلبات سياسية أمريكية مستقبلاً.
وفي الوقت نفسه، تسعى الصين والتكتلات الناشئة إلى التأسيس الكامل لنظام مالي موازٍ ومستقل يحيّد أثر العقوبات الغربية ويسهل المبادلات بالعملات الوطنية. بينما تركز القوى الإقليمية، كالهند والبرازيل ومصر، على الابتكار المحلي المباشر لفرض الشمول المالي وحماية القرار السياسي والسيادي من الضغوط الخارجية.
وتجد الشركات المالية الأمريكية العملاقة، وفي مقدمتها فيزا وماستركارد، نفسها وسط عاصفة من الضغوط المعقدة؛ فبينما تحقق هاتان الشركتان مكاسب تاريخية عبر رسوم المعاملات الدولية، يهدد صعود السيادة المالية المستندة لشبكات محلية نموذج أعمالهما المستقبلي. وتتمثل أبرز التحديات التي تواجههما في تفضيل الحكومات للأنظمة الوطنية، وتصاعد تشريعات حماية البيانات المحلية، وإتاحة حلول الدفع الفوري المجانية للمواطنين.
ولمواجهة هذه التحولات، أعلنت فيزا عن ضخ استثمارات تجاوزت 500 مليون يورو لتطوير بنيتها التحتية داخل القارة الأوروبية وإنشاء مراكز تقنية متقدمة في بولندا، بينما اتجهت ماستركارد لمضاعفة استثماراتها في مراكز البيانات داخل فرنسا للتأكيد على التزامها بتوطين البيانات. كما بدأت الشركتان في التكيف عبر الاستثمار في تحالفات متقاطعة مع المنصات الآسيوية مثل يونيون باي الصينية.
وعلى الرغم من المكاسب السياسية والجيوسياسية التي تحققها الحكومات عبر الامتلاك المباشر لمنظومات المدفوعات، فإن هذا المسار يحمل في طياته تكاليف واضحة على كفاءة الاقتصاد العالمي. وقد حذر مجلس الاستقرار المالي (FSB) من أن الانتشار العشوائي للشبكات المالية غير المتوافق عليها يزيد من تعقيد إجراءات التسوية العابرة للحدود، ويتسبب في رفع تكلفة التجارة الدولية ومضاعفة المخاطر المرتبطة بالاحتيال المالي نتيجة غياب الأطر التنظيمية الموحدة.

وفي هذا الصدد، أكد الخبير المصرفي هاني أبو الفتوح أن معركة السيطرة على شبكات المدفوعات لم تعد مجرد سباق تقني بين البنوك والشركات، بل باتت تعكس جوهر التحول الجيوسياسي نحو عالم متعدد الأقطاب، حيث لم يعد ممكناً اليوم فصل التكنولوجيا المالية عن معادلات السيادة الوطنية والأمن القومي.
تابع ، ففي الوقت الذي تسعى فيه واشنطن للحفاظ على الامتيازات التاريخية لبنيتها التحتية المقومة بالدولار، تعيد باقي دول العالم ومن بينها أيضا دول المنطقة ومصر تنظيم صفوفها لبناء بدائل رقمية مستقلة، مشيرا إلي أن التوسع في المنظومات الوطنية مثل «إنستاباي» وشبكات الدفع الرقمي المحلية لم يعد مجرد رفاهية تقنية، بل أحدث نقلة استراتيجية كشرت عن أنيابها عبر كسر احتكار الشركات العالمية لرسوم المعاملات المالية، وفرضت واقعاً جديداً يتيح للدول الناشئة حماية بيانات مواطنيها المالية ، وهو بُعد سيادي وأمني لا يقل أهمية عن الأثر الاقتصادي المباشر.
وأوضح أن التقديرات الاقتصادية المعتمدة تكشف كلفة حقيقية لهذا التحول العالمي المتسارع؛ إذ قد يؤدي استمرار تجزئة النظام المالي الدولي إلى اقتطاع نحو 2.6% من إجمالي الناتج المحلي العالمي بحلول عام 2030 نتيجة تراجع كفاءة المبادلات العابرة للحدود.
وأضاف أن تشتت المنصات والأنظمة الرقمية لا يقتصر أثره على الخسائر المالية والتكلفة المباشرة، بل يصعّب من مهام الرقابة الدولية المتفق عليها لمكافحة غسل الأموال وتتبع التدفقات غير المشروعة، فضلاً عن تحميل الشركات والمؤسسات التجارية أعباء مالية وإدارية مضاعفة لتلبية متطلبات تنظيمية وتقنية متباينة بين منطقة وأخرى.
وأكد إن هذا التحول قد لا يؤدي إلى انهيار مفاجئ وسريع للهيمنة المالية الغربية، لكنه بوضوح يسدل الستار على عصر الشبكة الوحيدة الجامعة، ليتجه العالم بثبات نحو بيئة مالية مركبة ومتشابكة تُدار فيها التدفقات عبر قنوات متعددة، وتتحول فيها «السيادة الرقمية» إلى المعيار الأساسي للحرية الاقتصادية والقرار السياسي المستقل.
من جانبه قال الدكتور مدحت نافع الخبير الاقتصادي واستشاري الاستثمار أن ما يشهده العالم اليوم ليس مجرد تطوير تقني للمحافظ الإلكترونية، بل هو «إعادة صياغة شاملة لفهوم النقود والنفوذ النقدي».

وأكد أن تسارع البنوك المركزية حول العالم نحو صك العملات الرقمية السيادية (CBDCs)—بما في ذلك التوجه المصري نحو إطلاق «الجنيه الرقمي» بالتوازي مع توسع شبكات مثل «إنستا باي» و«ميزة»—يمثل خطوة دفاعية وهجومية في آن واحد؛ إذ تستهدف بالأساس بناء «حائط صد سيادي» يحمي المعاملات الوطنية من أي صدمات أو قيود قد تُفرض عبر قنوات المقاصة الخارجية المقومة بالدولار.
وأوضح أن المراهنة الحقيقية للدول الناشئة لم تعد مجرد محاولة إلغاء الدور التاريخي للدولار بقرار سياسي، وهو أمر دونه عقبات هيكلية معقدة، وإنما عبر «تجريد قنوات الدفع من سلاح الاحتكار، مضيفا أن انتشار العملات الرقمية المستقرة والمرتبطة بالأصول السيادية، إلى جانب منظومات التسوية اللحظية المباشرة، يتيح للدول تسوية جزء كبير من تجاراتها البينية وتحويلاتها عبر الحدود باستخدام العملات المحلية أو القنوات الرقمية المشفرة المباشرة، مما يخفض تكلفة المعاملات المالية العابرة للحدود من معدلاتها التقليدية المرتفعة إلى مستويات شبه معدومة، ويقضي على الهدر الناتج عن الرسوم والوساطة الأجنبية.
ويرى نافع أن تحول النقود إلى صيغتها الرقمية الخالصة تحت رقابة البنوك المركزية الوطنية يُسقط الهيمنة الأحادية لشبكات الدفع الغربية؛ حيث يمنح الاقتصاد المحلي مرونة عالية في إدارة السيولة، ويسمح بفتح مسارات ربط ثنائية وإقليمية ممتدة مع تكتلات اقتصادية موازية، بعيداً عن أعين الرقابة المباشرة لشبكة «سويفت» أو مراكز المقاصة الأمريكية. ويخلص د. مدحت نافع إلى أن «السيادة الرقمية» أصبحت هي الضمانة الوحيدة لضخ دماء الشمول المالي في شرايين الاقتصاد الحقيقي دون التخوف من قطع هذا الشريان بفعل تقلبات الإرادة الجيوسياسية للقوى العظمى.





