أعلنت شركة آبل أنها قد تضطر إلى رفع أسعار بعض منتجاتها خلال الفترة المقبلة، في خطوة تعكس التأثير المتزايد لأزمة نقص الذاكرة العالمية التي تفاقمت بفعل الطفرة غير المسبوقة في تطبيقات وتقنيات الذكاء الاصطناعي.
وفي مقابلة مع صحيفة وول ستريت جورنال، أكد تيم كوك، الرئيس التنفيذي لشركة آبل، أن الشركة تدرس زيادة أسعار أجهزتها نتيجة الارتفاع المستمر في تكاليف ذاكرة الوصول العشوائي (RAM)، واصفًا الوضع الحالي في سوق الذاكرة بأنه “غير مستدام”، فيما اعتبر أن هذه الزيادات أصبحت “حتمية” في ظل الظروف الراهنة.
وتسلط تصريحات كوك الضوء على حجم الضغوط التي تواجهها صناعة الإلكترونيات الاستهلاكية عالميًا، إذ لطالما تمتعت آبل بقدرة كبيرة على إدارة التكاليف بفضل قوتها الشرائية ونفوذها في سلاسل الإمداد. إلا أن الأزمة الحالية تبدو أعمق من أن تتمكن حتى أكبر الشركات التقنية من تجنب تداعياتها.
ويرى خبراء الصناعة أن النمو المتسارع في الطلب على تقنيات الذكاء الاصطناعي أصبح المحرك الرئيسي لهذه الأزمة. فمع انتشار روبوتات المحادثة والوكلاء الذكيين واعتماد الشركات على نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة، ارتفع الطلب على رقائق الذاكرة والتخزين إلى مستويات قياسية، ما أدى إلى نقص عالمي في الإمدادات وارتفاع الأسعار بشكل متواصل.
وقال فرانسيسكو جيرونيمو، المحلل لدى شركة IDC، إن العالم يشهد تحولًا جذريًا بفعل الذكاء الاصطناعي، مشيرًا إلى أن المستهلكين بدأوا بالفعل في تحمل التكلفة الاقتصادية لهذه الثورة التقنية حتى قبل أن تظهر جميع فوائدها بشكل كامل في الأجهزة اليومية.
وتستحوذ مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، التي تعتمد بشكل كبير على رقائق شركة Nvidia، على جانب كبير من الطاقة الإنتاجية المتاحة لدى موردي الذاكرة والتخزين. ونتيجة لذلك، بات مصنعو الهواتف الذكية والحواسيب والأجهزة الإلكترونية الأخرى يواجهون منافسة حادة للحصول على هذه الموارد، ما يفرض عليهم إما الانتظار لفترات أطول أو دفع أسعار أعلى لتأمين احتياجاتهم.

من جانبه، اعتبر رانجيت أتوال، المحلل في شركة Gartner، أن تصريحات آبل تكشف مدى عمق الأزمة الحالية، موضحًا أن الشركة، رغم خبرتها الطويلة وقدراتها التخطيطية المتقدمة، لم تعد قادرة على امتصاص كامل تأثير الارتفاعات المتتالية في أسعار الذاكرة.
ولم يكشف كوك عن موعد تطبيق الزيادات المحتملة أو المنتجات التي ستشملها، إلا أن تقديرات المحللين تشير إلى أن آبل قد تبدأ بالفئات الأعلى سعرًا. وتتوقع شركة IDC أن ترفع آبل أسعار هاتفي iPhone Pro وiPhone Pro Max بنحو 100 دولار لكل منهما، مع الإبقاء على أسعار الطرازات الأقل تكلفة دون تغيير.
كما رجح محللو BofA Securities أن تمتد الزيادات إلى عدد من أجهزة Mac وiPad، في ظل استمرار الضغوط على تكاليف المكونات الأساسية.
وفي المقابل، يرى بعض المراقبين أن الأزمة قد تمثل فرصة استراتيجية لآبل لتعزيز حصتها السوقية. فالشركة اتجهت خلال الأشهر الأخيرة إلى استهداف شريحة المستهلكين الباحثين عن خيارات أكثر اقتصادية عبر إطلاق منتجات مثل MacBook Neo وهاتف iPhone 16e، وهو ما قد يمنحها أفضلية تنافسية إذا اضطرت الشركات المصنعة لأجهزة أندرويد إلى رفع الأسعار أو خفض المواصفات للتعامل مع التكاليف المتزايدة.
وتشير تقديرات IDC إلى أن متوسط أسعار الهواتف الذكية عالميًا قد يرتفع بنحو 20% خلال العام الجاري، وهو ما قد يعيد رسم خريطة المنافسة في سوق الأجهزة الذكية خلال السنوات المقبلة.
وقال سيمون براينت، المحلل في CCS Insight، إن ارتفاع أسعار المكونات الأساسية، خصوصًا المعالجات والذاكرة، قد يفرض تحديات أكبر على مصنعي أجهزة أندرويد مقارنة بآبل، ما قد يتيح للأخيرة فرصة لزيادة حصتها السوقية والاستفادة من التحولات الجارية في القطاع.
وفي العادة، ترتبط الزيادات السعرية التي تُجريها آبل على منتجاتها بإضافة تحسينات ملموسة أو مواصفات تقنية جديدة تمنح المستخدم قيمة إضافية مقابل التكلفة الأعلى. فعلى سبيل المثال، رفعت الشركة في مايو الماضي سعر جهاز Mac Mini المكتبي من 599 دولارًا إلى 799 دولارًا، بالتزامن مع تعزيز سعة التخزين وتحسين المواصفات الداخلية، وهو ما بررت به الزيادة السعرية آنذاك.
ومع تسارع سباق الذكاء الاصطناعي، أصبحت متطلبات الأجهزة أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى، وهو ما انعكس بشكل مباشر على استراتيجية آبل في تصميم منتجاتها الجديدة. فالشركة تعمل حاليًا على تزويد هواتف آيفون وأجهزتها الأخرى بسعات أكبر من ذاكرة الوصول العشوائي (RAM) لدعم مزايا الذكاء الاصطناعي التوليدي التي تطورها تحت مظلة “Apple Intelligence”. وتُعد هذه الزيادة في الذاكرة عنصرًا أساسيًا لتشغيل النماذج الذكية محليًا على الجهاز، دون الاعتماد الكامل على الحوسبة السحابية.
وفي هذا السياق، من المنتظر أن تطرح آبل خلال الخريف المقبل مجموعة من الميزات الذكية الجديدة، من أبرزها النسخة المطورة من المساعد الصوتي Siri التي ستوفر قدرات أكثر تخصيصًا وفهمًا لسياق المستخدم، إلى جانب مزايا متقدمة للإملاء الصوتي ومعالجة المحتوى. إلا أن هذه القدرات لن تكون متاحة لجميع الأجهزة، إذ ستقتصر على أحدث طرازات iPhone وiPad وMac المزودة بذاكرة ومعالجات قادرة على التعامل مع المتطلبات الحوسبية المرتفعة للذكاء الاصطناعي، بينما ستبقى الأجهزة الأقدم أو الأقل سعرًا خارج دائرة الدعم بسبب محدودية مواردها التقنية.
وخلال حديثه مع صحيفة وول ستريت جورنال، أوضح تيم كوك أن الضغوط الحالية لا تتعلق بنوع واحد من الذاكرة، بل تشمل فئتين أساسيتين تعتمد عليهما جميع الأجهزة الحديثة. الأولى هي ذاكرة الوصول العشوائي الديناميكية (DRAM)، المستخدمة لتخزين البيانات والعمليات المؤقتة التي تحتاج إليها التطبيقات أثناء التشغيل، والثانية هي ذاكرة NAND أو ما يُعرف بوسائط التخزين ذات الحالة الصلبة (SSD)، والمسؤولة عن حفظ الملفات والبيانات والتطبيقات على المدى الطويل.
وتزداد حدة الأزمة مع التوسع الهائل في بناء البنية التحتية الخاصة بالذكاء الاصطناعي، حيث تعتمد الخوادم المتقدمة ومراكز البيانات على نوع خاص من الذاكرة يُعرف باسم الذاكرة عالية النطاق الترددي (HBM)، وهي أسرع بكثير من ذاكرة الهواتف الذكية التقليدية وأكثر استهلاكًا للطاقة، لكنها ضرورية لتشغيل النماذج الضخمة للذكاء الاصطناعي. وعلى سبيل المثال، تحتوي شريحة Nvidia Blackwell B200 المخصصة للذكاء الاصطناعي على 192 جيجابايت من ذاكرة HBM، ويمكن تركيب ثماني شرائح من هذا النوع داخل خادم واحد، بينما قد تضم مجموعة حوسبة واحدة أكثر من ألفي خادم مترابط، ما يعكس الحجم الهائل للطلب على هذا النوع من الذاكرة.
وفي المقابل، تبدو احتياجات الأجهزة الاستهلاكية أكثر تواضعًا، إذ تأتي أحدث هواتف آيفون مزودة بذاكرة DRAM تتراوح بين 8 و12 جيجابايت فقط. ومع ذلك، فإن المشكلة الأساسية تكمن في أن جميع هذه المنتجات، سواء كانت موجهة لمراكز البيانات أو للمستهلكين، تعتمد في النهاية على الطاقة الإنتاجية نفسها لدى عدد محدود من الموردين العالميين.
وتتركز سوق الذاكرة العالمية بشكل كبير في أيدي ثلاث شركات رئيسية هي Micron Technology، وSK Hynix، وSamsung Electronics. ومع الارتفاع القياسي في الطلب على ذاكرة HBM المخصصة للذكاء الاصطناعي، أصبحت هذه الشركات مضطرة لتخصيص جزء أكبر من خطوط إنتاجها لهذا النوع الأعلى ربحية، وهو ما يقلص الكميات المتاحة من شرائح الذاكرة التقليدية المستخدمة في الهواتف الذكية والحواسيب الشخصية.
وتشير تقديرات الصناعة إلى أن إنتاج وحدة واحدة من ذاكرة HBM قد يستهلك موارد تصنيع تكفي لإنتاج عدة وحدات من ذاكرة الهواتف الذكية التقليدية، ما يخلق اختلالًا متزايدًا بين العرض والطلب ويؤدي إلى ارتفاع الأسعار عبر مختلف فئات الأجهزة الإلكترونية.
ورغم استثمارات موردي الذاكرة في إنشاء مصانع جديدة وزيادة الطاقة الإنتاجية، فإن هذه المشروعات تحتاج إلى سنوات قبل أن تدخل الخدمة بكامل طاقتها. كما أن جزءًا كبيرًا من هذه القدرات الجديدة يُتوقع أن يُخصص لإنتاج ذاكرة HBM ذات الهوامش الربحية المرتفعة، ما يعني أن الضغوط على سوق الذاكرة التقليدية قد تستمر لفترة أطول.
وفي مواجهة هذه التحديات، أكد تيم كوك أن آبل مستعدة لتوظيف قوتها المالية الكبيرة للمساهمة في معالجة اختناقات الإمداد ودعم توسع سلاسل التوريد، مشيرًا إلى أن الشركة لا تستبعد استخدام جزء من احتياطياتها النقدية الضخمة للمساعدة في زيادة الإنتاج وتسريع إيجاد حلول طويلة الأجل لأزمة الذاكرة العالمية.





