انطلقت فعاليات الدورة الثلاثين من معرض ومؤتمر القاهرة الدولي للتكنولوجيا والاتصالات «Cairo ICT 2026» برعاية وحضور الدكتور مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء، على مساحة تفوق 60 ألف متر مربع لتسجل نقطة حاسمة في مسار التحول الرقمي المصري في هذا التوقيت ، حيث حملت هذه الدورة الاستثنائية شعاراً عملياً يعكس الواقع التطبيقي وهو «AI in Action»، لتتحول من مجرد احتفالية لمعرض عريق إلى إعلان استراتيجي واضح يؤكد انتقال الدولة المصرية من مرحلة استهلاك الحلول الذكية والتطبيقات المستوردة إلى مصاف الدول المنتجة والمطوّرة للتكنولوجيا، مع وضع السيادة الرقمية وبناء القدرات الوطنية فوق كل اعتبار.
جسد اليوم الأول من الحدث مشهداً غير مسبوق من التناغم والتكامل الحكومي والاستثماري؛ حيث اجتمعت الإرادة السياسية مع رؤى الوزارات الخدمية والاقتصادية والكيانات التكنولوجية العالمية والوطنية لترجمة مفهوم الرقمنة إلى مشروعات إنتاجية ملموسة تمس حياة المواطن وبيئة الاستثمار بصورة مباشرة.
وجاء تركيز الدولة على ملفات الطاقة والبنية التحتية الفائقة، وتدشين نماذج الذكاء الاصطناعي السيادية، وإصلاح المنظومات الضريبية والاستثمارية والمائية، ليعكس فهماً شاملاً لمتطلبات الثورة الصناعية الحديثة وأهمية امتلاك مصر أدوات قوتها الشاملة في عصر خوارزميات البيانات.
واستهل الدكتور مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء الفعاليات بجولة تفقدية مكثفة امتدت لتشمل ثلاث قاعات رئيسية للمرة الأولى في تاريخ المعرض، حيث رافقه جمع من الوزراء والمسؤولين وقيادات قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، حيث حرص مدبولي على الاطلاع الميداني على المشروعات والمبادرات التي تدشنها الوزارات والهيئات والشركات، وتعرف عن قرب على الرؤى المعروضة لنقل قطاعات الدولة الحيوية إلى آفاق العمل الذكي المؤتمت.
وتوقف رئيس الوزراء في مستهل جولته أمام جناح الهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة، حيث استمع إلى شرح حول منظومات التيسير على المستثمرين وأحدث الآليات الرقمية لممارسة الأعمال، ثم تفقد جناح البنك المركزي المصري ليشاهد عرضاً مصوراً تناول المشروعات البنكية المبتكرة وتطور معدلات الشمول المالي التي حققت قفزات تاريخية، كما عاين جناح الهيئة العامة للرقابة المالية التي استعرضت أحدث أطرها الرقابية والتنظيمية لتسريع رقمنة قطاع الخدمات المالية غير المصرفية والتكنولوجيا المالية التشاركية.

وامتدت الجولة بعد ذلك إلى أجنحة الوزارات الخدمية والتصنيعية الكبرى في الدولة؛ فشملت تفقد مشروعات وزارة الطيران المدني لتحديث البنية التحتية والخدمات الذكية للمسافرين بالمطارات، وجناح وزارة التعليم العالي والبحث العلمي المعني بتطبيقات الذكاء الاصطناعي في المنظومة الأكاديمية والبحثية، وجناح وزارة الصحة والسكان الذي استعرض حلول الرعاية الصحية الرقمية المستقبلية والارتقاء بجودة الخدمات الطبية، إلى جانب جناح الهيئة العربية للتصنيع الذي استعرض تقنيات الأجهزة الذكية والأنظمة الأمنية المتقدمة وحلول الطاقة والإضاءة الموفرة، وجناح شركات المصرية للاتصالات وإي فاينانس والسويدي إلكتريك و سي شيلد وفيدز والدلتا للأنظمة الإلكترونية، وصولاً إلى مقار عمالقة التكنولوجيا الدوليين كشركات مايكروسوفت، ودل تكنولوجيز، وأوراكل، وإتش بي إنتربرايز، وأورنج، وهواوي، وأوبو.
أكد الدكتور مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء خلال جولته وافتتاحه لفعاليات المعرض أن الدولة المصرية تخوض مرحلة تاريخية فارقة ترتكز على تسريع وتيرة التحول الرقمي الشامل وتوطين تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي كقاطرة أساسية للنمو الاقتصادي والتنمية المستدامة. وأوضح مدبولي أن الرؤية الحكومية الحالية تجاوزت مرحلة إدخال التقنيات الإجرائية المحدودة، لتتبنى استراتيجية وطنية متكاملة تهدف إلى تعظيم الاستفادة من العقول والكوادر البشرية المصرية وتحويل مصر إلى منصة إقليمية رائدة في إنتاج وتصدير التكنولوجيا والبرمجيات المتقدمة إلى الأسواق العربية والإفريقية والدولية.
وشدد رئيس الوزراء على أن الحكومة تضع مسألة “السيادة الرقمية” وتأمين البيانات القومية كخط أحمر وركيزة لا تقبل التهاون، مؤكداً أن تشييد بنية تحتية سحابية مستقلة ومراكز بيانات عملاقة داخل الحدود المصرية هو الضمانة الحقيقية لحماية مقدرات الدولة ومؤسساتها، بالتوازي مع خفض زمن الاستجابة الرقمية اعتماداً على الموقع الجغرافي الفريد للبلاد وشبكة الكابلات البحرية الدولية.
ونوه إلى أن الدولة حريصة على تهيئة بيئة تشريعية وتنظيمية محفزة للاستثمار التكنولوجي، وإزالة كافة العوائق البيروقراطية أمام الشركات الناشئة ورواد الأعمال، إلى جانب التوسع في أتمتة الخدمات الحكومية الموجهة للمواطنين والمستثمرين على مدار الساعة لتقليل التدخل البشري ومكافحة الفساد ورفع كفاءة الأداء الحكومي.
ولفت مدبولي إلى أن قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات أثبت قدرته على قيادة قاطرة الصادرات الوطنية وتحقيق أعلى معدلات نمو في تاريخ الاقتصاد المصري، موجهاً بضرورة تعميق التنسيق والتكامل بين مختلف الوزارات والهيئات الحكومية لتوظيف حلول الذكاء الاصطناعي في إدارة الملفات الحيوية مثل ترشيد الموارد المائية، وإصلاح المنظومة الضريبية، وتطوير الرعاية الصحية والتعليم، مؤكداً أن الاستثمار في رأس المال البشري وتدريب الشباب هو الرهان الرابح للدولة لصناعة المستقبل والحفاظ على المكتسبات الاقتصادية.
أبعاد السيادة الرقمية الوطنية
وأظهرت وقائع اليوم الأول تحولاً مفاهيمياً عميقاً في النظرة الحكومية للتقنيات الصاعدة؛ فالذكاء الاصطناعي لم يعد يُطرح بوصفه رفاهية تقنية أو أداة مساعدة ثانوية في المكاتب، بل صار ركيزة استراتيجية لإعادة صياغة الاقتصاد وموازين القوى بين الأمم. لقد وضعت الدولة مسألة امتلاك بنية تخزين ومعالجة سحابية داخل حدودها على رأس أولويات الأمن القومي والمعلوماتي؛ إيماناً بأن الاعتماد على مراكز بيانات وخوادم خارجية يعرض مقدرات الوطن للمخاطر ويتعارض تماماً مع السيادة الرقمية للدولة المصرية.
وتدرك مصر أن موقعها الجغرافي المتميز وتمركز نقاط إنزال الكابلات البحرية الدولية على أراضيها يمنحانها ميزة تنافسية استثنائية لخفض زمن الاستجابة وتسريع نقل البيانات، مما يؤهلها لاجتذاب كبريات الشركات العالمية لتوطين سحبها الحاسوبية على الأراضي المصرية، لتصبح القاهرة مركزاً رئيسياً لتصدير خدمات الذكاء الاصطناعي والحوسبة الفائقة إلى الأسواق الإقليمية في الشرق الأوسط وإفريقيا، جنباً إلى جنب مع بناء نماذج لغوية مستقلة تحفظ الهوية العربية وتضمن الخصوصية وفق ميثاق أخلاقي منظم ومسؤول.

الجلسة الوزارية رفيعة المستوى
شهد اليوم الأول جلسة وزارية موسعة رفيعة المستوى حملت عنوان “الذكاء الاصطناعي قيد التطبيق: من قصص النجاح إلى الأثر الوطني الواسع”، بمشاركة وزراء الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، والاستثمار والتجارة الخارجية، والمالية، والموارد المائية والري. قدمت هذه الجلسة نموذجاً فريداً للتنسيق الحكومي المتكامل؛ حيث تم استعراض المشروعات الميدانية المشتركة التي تعتمد على الحلول الذكية لمعالجة المشكلات المزمنة، وتطوير بيئة التجارة، وترشيد إدارة الموارد الطبيعية والمالية في الدولة.
كشفت كلمات الوزراء خلال الجلسة عن خروج صريح من الأطر النظرية التقليدية؛ حيث تم طرح أرقام محددة ومبادرات فورية تسهم في ربط الابتكار التكنولوجي بالاقتصاد الحقيقي وتسهيل حياة المواطنين وجذب الاستثمارات الأجنبية، مؤكدين أن التحديات الاقتصادية والبيئية الراهنة لا يمكن تفكيكها إلا بأدوات مبتكرة وحلول برمجية متطورة تدار بأيدٍ وكفاءات مصرية خالصة.
أعلن المهندس رأفت هندي وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات أن قطاع الاتصالات في مصر يواصل تحقيق طفرات تاريخية غير مسبوقة، مسجلاً معدل نمو تجاوز 24.3% خلال الربع الأخير من العام المالي الماضي وهو الأعلى في تاريخه، فيما بلغت الصادرات الرقمية 7.4 مليار دولار بنهاية عام 2025 بفضل جهود أكثر من 200 ألف شاب وشابة يعملون في تصدير الخدمات التكنولوجية عالية القيمة إلى الأسواق العالمية.
وكشف الوزير عن تعاون استراتيجي وثيق مع وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة لتوفير قدرات كهربائية هائلة تصل إلى 1 جيجاوات في مواقع جغرافية مدروسة ومخصصة لدعم إنشاء وتشغيل مجمعات مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي الفائقة. وأكد أن هذه المواقع تتمتع بمزايا تنافسية عالمية لقربها الشديد من نقاط إنزال الكابلات البحرية، وهو ما يقلص زمن نقل البيانات ويعزز استضافة مراكز البيانات محلياً لحماية السيادة الرقمية وتجنب الاعتماد على خوادم خارجية، بالتوازي مع التنسيق مع وزارتي الاستثمار والمالية لتقديم التسهيلات للمستثمرين.
استراتيجية الذكاء الاصطناعي
وأشار هندي إلى دخول مصر المرحلة الثانية من الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي للفترة من 2025 حتى 2030 برعاية الرئيس عبد الفتاح السيسي، وهي المرحلة التي تمثل الانتقال الكامل نحو التطبيق الواسع عبر ست ركائز تشمل الحوكمة، والتكنولوجيا والتطبيقات، والبيانات، والبنية التحتية، والنظام البيئي، وبناء القدرات، بتنسيق دائم من المجلس الوطني للذكاء الاصطناعي.
واستشهد بالنموذج اللغوي العربي الكبير «كرنك» الذي طوره مركز الابتكار التطبيقي المصري كدليل على قدرة العقول المحلية على صناعة حلول تفهم لغة المستخدم العربي وثقافته، لافتاً إلى تقدم مصر في مؤشرات الجاهزية الدولية للذكاء الاصطناعي من المركز 111 عام 2019 لتشغل المركز 52 عالمياً، والمركز الأول إفريقياً والثالث عربياً، بجانب إطلاق الميثاق المصري للذكاء الاصطناعي المسؤول والعمل مع الشركاء الأفارقة لصياغة نهج قاري مشترك يدعم الشركات الناشئة ويوفر بنية حوسبية متطورة للباحثين والمبتكرين.
وأعلن الدكتور محمد فريد صالح وزير الاستثمار والتجارة الخارجية عن الإطلاق والتشغيل التجريبي لوحدات الخدمة الذاتية لخدمات المستثمرين المعروفة بالـ (Kiosk)، مؤكداً أنها تمثل نقلة نوعية تتيح للمستثمر استخراج المحررات الرسمية ذاتياً وبخطوات إلكترونية ميسرة وفورية على مدار الساعة دون أي تدخل بشري، بما يحرر المستثمرين من التقيد بمواعيد العمل أو المقرات التقليدية.

الصادرات الرقمية
وأوضح الوزير أن الوزارة تعمل بخطى متسارعة على تسهيل منظومة التراخيص وإزالة الأعباء الإجرائية، كاشفاً أن 43% من الصادرات الرقمية المصرية الحالية تأتي من 50 شركة فقط، وهو ما تسعى الحكومة لتعديله جذرياً عبر جذب مئات الشركات الواعدة وتوسيع قاعدة المصدرين لتعظيم الحصيلة التصديرية.
وأشار إلى إتاحة منصات رقمية متطورة بالتعاون مع وزارة الاتصالات وشركة إي فاينانس تخدم المصدرين والتحول الرقمي للتجارة الخارجية، إلى جانب رقمنة منظومة تلقي الشكاوى وحلها، واستخدام تقنيات التحليل الذكي للعمليات التجارية، مع العمل على تطوير المختبر التنظيمي للتجارة بالاعتماد على خوارزميات الذكاء الاصطناعي تماشياً مع مخرجات منتدى مصر 2026، محذراً في الوقت ذاته من ضرورة وضع أطر رقابية ومتابعة دقيقة لمخرجات الذكاء الاصطناعي لتلافي ظاهرة المعلومات غير الدقيقة أو ما يعرف بالهلوسة البرمجية.
وفي السياق ذاته أوضح الدكتور محمد عوض الرئيس التنفيذي للهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة تفاصيل عمل وحدات الخدمة الذاتية (Kiosk)، مشيراً إلى أنها تصدر مستندات أساسية فورية تشمل صورة طبق الأصل من عقد التأسيس، وشهادة التأسيس، وكتاب تأسيس المنشأة الفردية، وتعتمد على تقنيات تحقق إلكترونية متطورة تقرأ بطاقة الرقم القومي للمصريين، وتفحص جوازات سفر المستثمرين الأجانب عبر تقنيات التعرف الحيوي وبصمة الوجه الرقمية، مع ربطها المباشر بقوائم مكافحة غسل الأموال والجهات الأمنية وقوائم الإنتربول الدولية.
وأضاف أن الوحدات ستستوعب نحو 5200 معاملة شهرياً وهو ما يمثل 23% من إجمالي معاملات مراكز الهيئة المنتشرة على مستوى 15 مركزاً بالجمهورية، معلناً بالتوازي عن الإعداد لخدمة تسليم محررات المستثمرين إلى مقار عملهم في نفس يوم الطلب بالتعاون مع البريد المصري عبر بروتوكول تعاون رسمي.
هاكاثون تكنولوجي
كشف الدكتور أحمد كجوك وزير المالية عن اعتزام الوزارة إطلاق مسابقة وهاكاثون تكنولوجي موسع خلال شهر بالتعاون مع وزارة الاتصالات، لطرح خمسة تحديات حقيقية من تلك التي تواجه العمل الحكومي اليومي أمام شركات البرمجيات والشركات الناشئة لابتكار حلول عملية بالذكاء الاصطناعي، مع رصد جوائز مالية بالجنيه المصري للحلول الفائزة والاستعانة بتطبيقاتها في ترقية الخدمات العامة.

وأوضح كجوك أن الوزارة تخوض مرحلة تطوير كبرى لمنظومة الضريبة العقارية عبر إصدار نسخة برمجية جديدة تتضمن تحسينات جوهرية في دقة حصر العقارات وتطوير آليات التقدير والتقييم العادل لمنع الخلافات وتيسير حساب الالتزامات الضريبية على الممولين. وأشار إلى قرب إطلاق الموقع الإلكتروني الجديد لوزارة المالية باللغتين العربية والإنجليزية لتبسيط التعاملات وتوفير بيئة معلوماتية مواتية للأعمال، مشدداً على التزام الوزارة بمساندة المشروعات والشركات لتشجيع الإبداع والإنتاج التصديري وتقديم برامج تدريبية متخصصة في الإدارة والاقتصاد لدفع عجلة النمو الاقتصادي الكلي.
جيل متطور من منظومة الري
استعرض الدكتور هاني سويلم وزير الموارد المائية والري تجربة الوزارة العملية التي بدأت منذ 4 سنوات للتحول نحو جيل متطور من منظومة الري يرتكز على الحوكمة والحلول التكنولوجية الذكية والتحول الرقمي لإدارة المياه ورفع كفاءة استخدامها في ظل محدودية الموارد المائية.
وأشار سويلم إلى أن الوزارة انتهت من بناء قاعدة بيانات ضخمة تضم 55 ألف كيلومتر طولي من الترع، وتعمل على توثيق بيانات 60 ألف منشأة مائية عبر البلاد لمتابعة كفاءتها الإنشائية وتشغيلها رقمياً. واستعرض الوزير المشروعات المنفذة على ترعة الإسماعيلية بالاستعانة بالطائرات المسيّرة (الدرونز) لرصد المساحات وحصر الأراضي بدقة بالغة، وربطها بخوارزميات الذكاء الاصطناعي لتحديد احتياجات المحاصيل المائية الفعلية ونوبات التوزيع وضبط المنظومة، وهي التجربة التي تطبق بنجاح حالياً في محافظتي الإسماعيلية والسويس تمهيداً لتعميمها على مستوى المحافظات.
وأكد وزير الري العمل على ميكنة خدمات الاستثمار السياحي بالمناطق الساحلية، والاعتماد على التحليلات الرقمية لرصد مناسيب المياه الجوفية والآبار وحمايتها من الاستنزاف، موجهاً الدعوة لكافة الشركات التكنولوجية للتعاون مع الوزارة وتطوير منظومات العمل لإنهاء العصر الورقي تماماً داخل هيئة المساحة، مع التشديد الصارم على رفع كفاءة الأمن السيبراني لكافة محطات ومنشآت الري ضد التهديدات الرقمية المحتملة.
استثمارات مراكز البيانات والحوسبة
وشهدت جلسات اليوم الأول وجلسة «ملامح مستقبل الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا» التي أدارها أسامة كمال الرئيس التنفيذي لشركة تريد فيرز إنترناشيونال المنظمة للمعرض، نقاشات معمقة بمشاركة قيادات تكنولوجية بارزة حول الاستثمارات الدولية في مراكز البيانات وقدرات الحوسبة.
أكد محمد أمين النائب الأول لرئيس شركة دل تكنولوجيز (Dell Technologies) أن الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل مسار الحضارة والاقتصاد العالمي، مشيراً إلى ظهور مفهوم الذكاء الاصطناعي الوكيلي الذي يمنح الخوارزميات القدرة على العمل التنفيذي المستقل إلى جانب الكوادر البشرية.

ولفت أمين إلى أن مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي حصلت على تمويلات مصرفية تخطت 1.2 تريليون دولار على مستوى العالم خلال الاثني عشر عاماً الماضية، مما يبرهن على احتدام السباق نحو البنية التحتية، مؤكداً التزام شركته بالعمل في مصر المستمر منذ 25 عاماً لخدمة المشروعات الوطنية.
ومن جهته أعلن إبراهيم سرحان رئيس مجلس الإدارة والعضو المنتدب لمجموعة إي فاينانس للاستثمارات المالية والرقمية عن ضخ المجموعة استثمارات تتجاوز 100 مليون دولار لتشييد وتطوير منصات رقمية وحوسبية بالتعاون مع الجهات الحكومية، معلناً انطلاق خطة التوسع الخارجي للمجموعة في الأسواق العربية بدعم من وزارة المالية، مستشهداً بلقائه مع وزير المالية اللبناني خلال فعاليات المعرض لعرض التجربة المصرية.
وأشار المهندس أحمد مكي رئيس مجلس الإدارة والعضو المنتدب لمجموعة بنية (Benya) إلى أن التطور التكنولوجي الراهن يتجاوز فكرة الطفرة العابرة ليعيد صياغة الاقتصاد بالكامل، مشيداً بارتفاع مستوى الوعي لدى القيادات الحكومية لتمكين مصر من لعب دور المنتج والمصنع للتكنولوجيا لا المستهلك، ومؤكداً أن نجاح هذه المنظومة هو مسؤولية تكاملية بين محفزات الدولة وجهود واستثمارات القطاع الخاص.
وأوضح المهندس إيهاب إبراهيم المدير التنفيذي الإقليمي لمجموعة ماينهارت الاستشارية أن مصر تشهد زخماً هائلاً في صناعة مراكز البيانات نتيجة للرؤية الرئاسية والتنفيذ الحكومي الحاسم، متوقعاً معدلات نمو متضاعفة، ومؤكداً أن الذكاء الاصطناعي سيدعم 26% من القوى العاملة مع قدرة السوق المصري على تأهيل وتخريج 30 ألف خبير في الذكاء الاصطناعي، ومؤكداً تسخير خبرات ماينهارت الممتدة لأكثر من 70 عاماً في خدمة مراكز البيانات الوطنية.
مشغلو شبكات الاتصالات المتطورة
وتحدث رؤساء كبريات شركات الاتصالات عن التحولات الجوهرية في بنيتها التحتية وتوجهها نحو استيعاب متطلبات الذكاء الاصطناعي؛ حيث أوضح هشام مهران العضو المنتدب والرئيس التنفيذي لشركة أورانج مصر أن مشغلي الاتصالات تخطوا تقديم الخدمات الصوتية والبيانات التقليدية ليصبحوا مزودي حلول تكنولوجيا معلومات وخدمات مالية متقدمة تنمو بوتيرة تفوق الخدمات التقليدية.
وشدد على استمرار أورانج في تطوير شبكات الجيل الخامس ومراكز البيانات وتعزيز الحوسبة السحابية لخدمة تطبيقات الذكاء الاصطناعي، مشيراً إلى برنامج مركز أورانج الرقمي لتسريع نمو الشركات الناشئة وتحويل أفكارها إلى حلول ترفع أداء المؤسسات.
وأكد بنيامين هو الرئيس التنفيذي لشركة هواوي مصر التزام شركته بدعم رؤية مصر 2030 لتغدو مركزاً تكنولوجياً إقليمياً عبر بناء شبكات قوية للجيل الخامس ومراكز بيانات بالتعاون مع الشركاء المحليين وتنمية مهارات الشباب لتحويل التكنولوجيا إلى أثر اجتماعي واقتصادي شامل.
من جانبه أشار أحمد يحيى الرئيس التنفيذي للقطاع المالي الرقمي بشركة اتصالات مصر إلى أن المعرض عاصر كافة أجيال الاتصالات عبر ثلاثين عاماً، مشدداً على أن التحول الذي فرضه الذكاء الاصطناعي أصبح مسؤولية تقع على عاتق الدول لتوفير الطاقة والربط الأساسي، ومعتبراً أن حيازة شركات الاتصالات لأحجام بيانات ضخمة يمثل قاعدة انطلاق استثنائية لصناعة خدمات مالية وتجارية رقمية جديدة تنقل السوق من الاستهلاك إلى الإنتاج.
التشريعات وحوكمة الأنظمة الذكية
طرح محمد شمروخ الرئيس التنفيذي للجهاز القومي لتنظيم الاتصالات (NTRA) خارطة طريق تشريعية وتنظيمية من أربعة محاور أساسية لضبط وتأطير أعمال الذكاء الاصطناعي في المجتمع المصري، تمثلت في: تهيئة بنية تحتية رقمية ملائمة للتطبيقات الصاعدة، وبناء منظومة متينة للأمن السيبراني، وتفعيل حوكمة رقابية مشددة على خوارزميات الذكاء الاصطناعي وتطوير أنظمته، ومراجعة وتحديث التشريعات والأطر المنظمة لتلائم نماذج الأعمال المستحدثة.
ولفت أحمد عدلي نائب الرئيس لهندسة الذكاء الاصطناعي والسحابة بشركة أوراكل (Oracle) إلى وجود فجوة حقيقية في المنطقة بين وضع الأطر النظرية والإنتاج الفعلي لمنظومات الذكاء الاصطناعي، مشدداً على ضرورة استغلال مصر لميزتها التنافسية البشرية من الخريجين والكوادر لبناء نماذج تصديرية ذات قيمة مضافة مع حماية الفضاء السيبراني.
وأكدت ميرنا عارف مدير عام شركة مايكروسوفت في أسواق النمو بالشرق الأوسط وإفريقيا أن العامين الماضيين كانا بمثابة مرحلة تجارب واختبارات لتقنيات الذكاء الاصطناعي، وأن عام 2026 يمثل بداية التطبيق الفعلي واسع النطاق كما يجسده شعار المعرض، داعية إلى تضافر كافة الأطراف لتمكين مصر من إنتاج المعرفة والبرمجيات المتطورة.
الأمن السيبراني والثقة الرقمية
أكد خالد فوزي المدير الإقليمي لشركة فورتينت (Fortinet) أن الزيادة الكبيرة في الاعتماد على الذكاء الاصطناعي تفرض ضرورة ملحة لتأمين الاستخدام والخدمات، مشيراً إلى أن الشركة تعمل على مسارين عبر دمج الذكاء الاصطناعي في عمليات التأمين الدفاعية من جهة وتأمين وحماية خوارزميات ونماذج الذكاء الاصطناعي نفسها داخل المؤسسات من جهة أخرى، لافتاً إلى إطلاق منصة لمواجهة تحديات الأمن السيبراني الخاصة بالذكاء الاصطناعي مع تدريب آلاف المهندسين بالتعاون مع وزارة الاتصالات لصون السيادة الرقمية.
وشدد محمد كيوان الرئيس التنفيذي لشركة إيجيبت تراست على أن نجاح منظومات الذكاء الاصطناعي مرهون بتوافر منظومة ثقة رقمية وسجلات موثوقة تحفظ حقوق المتعاملين وتضمن الحجية القانونية للتصرفات والقرارات الإلكترونية.
وأشار علي حسيب مدير عام شركة إيفر بيور إلى أن التحول الرقمي يمثل القاعدة الصخرية لوجود الذكاء الاصطناعي، محذراً من أن أي مؤسسة تتجاهل هذا التحول ستجد نفسها خارج المنافسة، ومؤكداً أن حوكمة تدفق البيانات والأمن السيبراني هما الركيزتان الضامنتان لسلامة أي خوارزمية ذكية.
الكوادر المصرية وتصدير الحلول
أكد محمد كامل مدير عام شركة سيسكو مصر أن الإقبال الحكومي الشامل على تبني الذكاء الاصطناعي في كافة الوزارات يمنح السوق المصري دفعة قوية، مشيداً بمشاركة العقول والكفاءات الهندسية المصرية في أعمال التصميم والأبحاث والتطوير الخاصة بالذكاء الاصطناعي على الصعيد الدولي.
ورأى أحمد الحراني الرئيس التنفيذي لشركة Pulse by Solutions أن التوجه الحكومي الراهن يتميز بالجدية والجرأة الواقعية بدليل الحديث الصريح عن ميجاوات الكهرباء ومواقع مراكز البيانات وتطوير القوانين المنظمة، وهو ما يفتح الباب واسعاً أمام جذب رؤوس الأموال وصناديق الاستثمار التكنولوجي.
وأكد مجيب عبد الرازق المدير الإقليمي لشركة نوتانيكس (Nutanix) أن الكوادر الشابة في مصر هي أثمن عناصر المنظومة، لافتاً إلى أن بناء الجهات والوزارات لنماذج ذكاء اصطناعي خاصة بها يرسخ السيادة الرقمية ويضمن الاستقلال التكنولوجي، مستنداً إلى مقومات الاستقرار والمناخ التشريعي والقيادات الواعية.
وأشار المهندس محمد المفتي رئيس مجلس إدارة ICT Misr إلى أن المعرض وفر بيئة حقيقية للشركات الوطنية لإثبات تفوقها في مجالات مراكز البيانات وإنترنت الأشياء والحلول المالية الذكية، فيما أكد المهندس محمد مصطفى المدير الإقليمي لشركة نوفينتك أن مصر تشكل ركيزة إقليمية للانطلاق نحو أسواق المنطقة، مع توفير فرص عمل تصديرية ذات قيمة مضافة عالية.
وعلى المستوى الإقليمي، أشاد المهندس محمد بن عمر مدير عام المنظمة العربية لتكنولوجيات الاتصال والمعلومات (AICTO) التابعة لجامعة الدول العربية بنجاح مصر في تنظيم المعرض على مدار ثلاثين عاماً، معلناً مشاركة المنظمة بفعاليات نوعية تركز على البنية التحتية الذكية للذكاء الاصطناعي، وحماية الأطفال في الفضاء السيبراني، وتمكين المرأة العربية من قيادة مسارات الثورة الرقمية.
ملامح المستقبل والتوصيات الختامية
اختتم اليوم الأول لمعرض ومؤتمر Cairo ICT 2026 فعالياته بعد أن استقر الرأي بين صانعي القرار وخبراء الصناعة وقادة الكيانات الاستثمارية على مجموعة من التوصيات والمسارات التنفيذية الحيوية التي ترسم معالم المرحلة المقبلة. جاء في صدارة هذه التوجهات ترسيخ مبدأ السيادة الرقمية كأولوية قصوى للأمن القومي، عبر سرعة إنجاز مجمعات مراكز البيانات الوطنية المخصصة للذكاء الاصطناعي بقدرة 1 جيجاوات وتوطين استضافة ومعالجة البيانات الحيوية محلياً استناداً إلى البنية المتميزة للكابلات البحرية.
توازى مع ذلك التأكيد على الانتقال التام من مرحلة الاختبارات النظرية للمشروعات إلى طور الإنتاج والتشغيل الفعلي الواسع في كافة القطاعات الحيوية، وتعميم الحلول الذكية المطبقة في مجالات إدارة المياه والزراعة والضرائب والاستثمار، بما يضمن تيسير حياة المواطنين ودعم مجتمع الأعمال عبر إتاحة خدمات وحدات الخدمة الذاتية على مدار الساعة لتقليص التدخل البشري وتسريع الإجراءات.
كما شددت النقاشات على الأهمية الاستراتيجية لتبني وتوطين النماذج اللغوية الكبيرة المستقلة، مع تقديم الدعم الكامل للنموذج اللغوي العربي «كرنك» وتفعيل الميثاق المصري للذكاء الاصطناعي المسؤول، وهو ما يضمن تكييف الحلول الرقمية مع الثقافة والهوية العربية وصون الخصوصية المجتمعية والحد من مخاطر الانحياز أو الهلوسة الخوارزمية في المعاملات الرسمية.
وفي مسار متصل، دعت التوصيات إلى توسيع قاعدة الشركات المصدرة للخدمات الرقمية وتنمية المهارات البشرية عبر تدريب وتأهيل عشرات الآلاف من الكوادر والخبراء في مجالات الحوسبة والذكاء الاصطناعي، بما يسهم في سد الفجوة المهنية المتنامية في الأسواق المحلية والإقليمية ويدفع بمصر لتكون مصدراً رئيساً للمواهب التقنية عالية القيمة.
واختُتمت مسارات العمل بالدعوة إلى تسريع تحديث الأطر التنظيمية والتشريعية المنظمة لأعمال الذكاء الاصطناعي، وتكثيف منظومات الدفاع السيبراني والثقة الرقمية لحماية المنشآت الحيوية والاقتصاد الرقمي للبلاد، مع التوسع في عقد الشراكات القارية والعربية لترسيخ مكانة مصر كمركز إقليمي متقدم للتكنولوجيا والابتكار.







