Follow ICT
شعار الموقع الاساسى
جايزة 160
جايزة 160

مصر تقفز في جاهزية الذكاء الاصطناعي وتدخل اختبار التحول من السياسات إلى الصناعة

في لحظة فارقة من مسيرة التحول الرقمي، سجلت الدولة المصرية انتصارًا استراتيجيًا جديدًا يعكس انتقالها من مرحلة بناء الأسس إلى مرحلة ترسيخ الريادة، بعدما تصدرت القارة الإفريقية في مؤشر جاهزية الحكومات للذكاء الاصطناعي لعام 2025، محققة قفزة نوعية بتقدمها 14 مركزًا دفعة واحدة على المستوى العالمي لتستقر في المرتبة 51. هذه القفزة لا يمكن قراءتها باعتبارها تحسنًا عدديًا في ترتيب دولي فحسب، بل تمثل شهادة دولية مكتملة الأركان على نضج الرؤية السياسية والتقنية للدولة المصرية، وقدرتها على تحويل الذكاء الاصطناعي من مفهوم نظري أو ترف تكنولوجي إلى أداة سيادية لإدارة التنمية وصياغة المستقبل.

ويكتسب هذا الإنجاز ثقله الحقيقي من حصول مصر على العلامة الكاملة (100 نقطة) في محور «قدرة السياسات»، وهو المحور الأكثر حساسية في المؤشر، كونه يقيس قدرة الدولة على وضع أطر تشريعية وتنظيمية مرنة ومستقرة وقابلة للتطور. هذا التقييم يضع القاهرة في مصاف العواصم الكبرى القادرة على استباق التحولات العالمية، ويعكس قدرة استثنائية على صياغة سياسات لا تستجيب فقط لمتطلبات اللحظة الراهنة، بل تستشرف آفاق المستقبل، وتؤسس لاستخدام الذكاء الاصطناعي كرافعة شاملة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، ومحرك رئيسي لتعزيز كفاءة الدولة ومؤسساتها.

ويمثل هذا التطور حجر زاوية في إعادة تعريف الهوية الرقمية لمصر؛ فبعد عقود من تموضعها كسوق مستهلك للتقنيات المستوردة، تتحرك الدولة اليوم بخطوات محسوبة لبناء جسور التحول إلى مركز ثقل صناعي وسياسي في مجال الذكاء الاصطناعي على المستويين الإقليمي والقاري. هذا التحول لا يقوم على الطموح وحده، بل يستند إلى بنية مؤسسية متماسكة، ورؤية استراتيجية تتكامل فيها السياسة مع الاقتصاد والتكنولوجيا، بما يسمح بانتقال مصر من موقع المتلقي إلى موقع الشريك والمُنتِج والمُصدِّر للحلول الرقمية.

ويرتبط هذا النجاح ارتباطًا وثيقًا بصلابة البنية التحتية للأمن السيبراني، حيث إن تبوؤ مصر المركز الثاني عشر عالميًا في هذا المجال، وحصولها على العلامة الكاملة في مؤشر الأمن السيبراني العالمي، يوفر الدرع الواقي الذي يضمن تدفق البيانات وحماية الخصوصية، وهي المادة الخام والمحرك الأساسي لأي نهضة حقيقية في تطبيقات الذكاء الاصطناعي. ويؤكد الخبراء أن التكامل بين السياسات المرنة والأمن السيبراني المنيع يخلق بيئة استثمارية نادرة، تبحث عنها الشركات العالمية قبل النظر إلى حجم السوق أو وفرة الكفاءات، باعتبار الاستقرار التشريعي والأمني شرطًا حاكمًا لأي استثمار طويل الأجل في الصناعات الرقمية المتقدمة.

وقال خبراء في قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات إن تحقيق العلامة الكاملة في «قدرة السياسات» يبعث برسالة طمأنة قوية للمستثمرين الدوليين والشركات الناشئة على حد سواء، مفادها أن مصر باتت تمتلك منظومة قانونية واضحة وقابلة للتنبؤ، وهي الميزة التي تفتقر إليها كثير من الدول الناشئة رغم امتلاكها أسواقًا واعدة. وأوضحوا أن هذا التميز يعكس عمق التخطيط في الإصدار الثاني من الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي، والتي انتقلت من مرحلة نشر الوعي وبناء الأساس المؤسسي إلى مرحلة الحوكمة والتمكين وتوطين الصناعة، بما يحول الذكاء الاصطناعي من مبادرات متفرقة إلى سياسة دولة متكاملة.

وأشار الخبراء إلى أن التحدي الحقيقي في المرحلة المقبلة يتمثل في تحويل هذه السياسات من نصوص وأطر تنظيمية إلى حلول ذكية وتطبيقات عملية «صنعت في مصر»، وقادرة على معالجة مشكلات هيكلية مزمنة في قطاعات حيوية مثل الصحة والزراعة والطاقة والنقل والإدارة الحكومية، بما يسهم في رفع الإنتاجية وتحسين جودة الخدمات وتعظيم القيمة المضافة للاقتصاد الوطني. واعتبروا أن القيمة المضافة الحقيقية للاستراتيجية الجديدة تتجسد في محور حوكمة البيانات وتنظيم تداولها، وهو مطلب طالما نادت به الشركات الناشئة لتمكينها من تطوير خوارزميات دقيقة تتناسب مع الخصوصية الثقافية والاجتماعية للمجتمع المصري والعربي.

وشدد الخبراء على ضرورة سد الفجوة بين مخرجات المنظومة التعليمية واحتياجات سوق العمل العالمي في تخصصات الذكاء الاصطناعي، معتبرين أن برامج التدريب الحالية، رغم قوتها واتساع نطاقها، تحتاج إلى تحديث مستمر لمواكبة التطور المتسارع في مجالات مثل «هندسة الأوامر» وتطوير النماذج اللغوية الكبيرة، التي باتت تمثل العمود الفقري لصناعة الذكاء الاصطناعي عالميًا. وأكدوا أن استمرار مصر في صدارة إفريقيا يتطلب التحول إلى مُصدِّر رئيسي للخدمات الرقمية والحلول الذكية والخبرات الاستشارية للقارة السمراء، بما يعزز مكانتها كقوة ناعمة تقنية تقود جيرانها نحو العصر الرقمي.

وتستهدف مصر أن تصل نسبة مساهمة الذكاء الاصطناعي في الناتج المحلي الإجمالي إلى 7.7% بحلول عام 2030، في وقت تشير فيه تقديرات المؤسسات البحثية إلى أن حجم سوق الذكاء الاصطناعي في مصر سيبلغ نحو 1.08 مليار دولار بنهاية 2025، بنمو سنوي يقترب من 29%، مع توقعات بمعدل نمو سنوي مركب يتجاوز 26% حتى عام 2029، ما يدفع حجم السوق إلى نحو 4.4 مليار دولار بحلول 2031، وهو ما يعكس الفرص الاقتصادية الهائلة الكامنة في هذا القطاع.

الدكتور عمرو طلعت وزير الاتصالات
الدكتور عمرو طلعت وزير الاتصالات

وأكد الدكتور عمرو طلعت وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات أن هذا التقدم يعكس نجاح الجهود التي تبذلها وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات في توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي لخدمة المجتمع، من خلال وضع إطار متكامل من السياسات الداعمة للاستخدام المسؤول والفعال لهذه التقنيات، وفي مقدمتها إطلاق الإصدار الثانى من الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي مطلع عام 2025.

وأشار إلى أن الاستراتيجية ترتكز على ستة محاور رئيسية تشمل: الحوكمة لضمان الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي، وتطوير التطبيقات لتطويع هذه التقنيات لتحسين كفاءة الخدمات وتطوير القطاعات، وتعزيز إتاحة وجودة البيانات من خلال تنظيم تداولها وحوكمتها، وتوفير بنية تحتية متقدمة لتمكين تطوير الذكاء الاصطناعي ونشره، إلى جانب بناء نظام بيئي داعم للابتكار من خلال دعم الشركات الناشئة المحلية وتعزيز استثمارات مؤسسات رأس المال المخاطر، فضلًا عن تنمية وتوسيع قاعدة المهارات والكفاءات الوطنية في مجال الذكاء الاصطناعي.

وأضاف طلعت أن من أبرز العوامل التي أسهمت في تعزيز تقدم مصر في المؤشر ما تحقق من جهود لتعزيز التعاون الدولي والإقليمي في هذا المجال، ودعم الشراكات مع المؤسسات والشركات العالمية، وكذلك ما تحقق من تطور وتوسع في برامج بناء القدرات الرقمية المتخصصة التي تنفذها الوزارة لمختلف الفئات العمرية، ولموظفي الجهاز الإداري للدولة، فضلًا عن تنظيم المسابقات المتخصصة، ودعم البحث العلمي والأفكار المبتكرة في مجال الذكاء الاصطناعي؛ وذلك بالإضافة إلى تفوق مصر في مجال الأمن السيبراني، وتصنيفها ضمن أفضل 12 دولة على مستوى العالم بحصولها على 100 نقطة كاملة في مؤشر الأمن السيبراني العالمى الصادر عن الاتحاد الدولي للاتصالات، بما يدعم بناء منظومة ذكاء اصطناعي آمنة.

من جانبه، وصف الدكتور عادل دانش، رئيس مجلس إدارة شركة واحات السيليكون للمناطق التكنولوجية، تصدر مصر لدول القارة الإفريقية في مؤشر جاهزية الحكومات للذكاء الاصطناعي لعام 2025 بأنه شهادة جدارة دولية واعتراف صريح بنضج الرؤية المصرية، مؤكدًا أن هذا الإنجاز لا يمكن اختزاله في ترتيب رقمي أو مركز متقدم، بل يعكس استعدادًا مؤسسيًا متكاملًا للدولة، تحقق عبر العمل المتوازي على أربعة مسارات إجبارية شكّلت الأساس الحقيقي لهذه الصدارة. وأوضح أن المسار الأول يتمثل في العنصر البشري، الذي وصفه بالرهان الأهم في معركة الذكاء الاصطناعي، وهو ما استوجب التركيز على التعليم باعتباره نقطة الانطلاق، بدءًا من المرحلة الابتدائية وصولًا إلى التعليم الجامعي، بهدف بناء أجيال قادرة على تطوير التكنولوجيا وصناعتها، وليس الاكتفاء باستخدامها أو استهلاكها.

وأشار دانش إلى أن المسار الثاني يتمثل في البنية التحتية، التي تتطلب استثمارات ضخمة وتكلفة عالية، مع إيلاء اهتمام خاص بملف الطاقة، موضحًا أن مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي لم تعد تُقاس بعدد الخوادم أو المساحات، بل بقدرتها على استيعاب الطاقة بالجيجا وات. ولفت إلى أن القوى العظمى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، تحتاج إلى بناء عشرات الجيجا وات لمواكبة سباق المنافسة العالمية في هذا المجال، وهو ما يتطلب طاقات هائلة قد تعادل إنتاج عشرات المفاعلات النووية، الأمر الذي يفرض على مصر ضرورة التوسع في إنشاء مراكز بيانات متطورة تقنيًا، ومدعومة بمصادر طاقة مستدامة، لضمان تأمين موقعها على الخريطة العالمية لصناعة الذكاء الاصطناعي.

الدكتور عادل دانش
الدكتور عادل دانش

ونوه الدكتور عادل دانش إلى أن المسار الثالث في رحلة الصدارة المصرية يتمثل في البيانات، التي وصفها بأنها العنصر الأغلى والأكثر حساسية في اقتصاد المستقبل، مؤكدًا أن الحفاظ عليها، وتكاملها، وتجانس قواعد البيانات الحكومية، يمثل شرطًا أساسيًا لأي طفرة حقيقية في تطبيقات الذكاء الاصطناعي. وأوضح أن هذا المسار لا يكتمل دون الإطار التشريعي والتنظيمي، الذي يمثل المسار الرابع والأخير، من خلال سن القوانين والتشريعات التي تحمي البيانات، وتنظم تداولها، وتضمن استخدامها الآمن، بما يخلق بيئة مستقرة وحافزة للاستثمار المحلي والأجنبي في هذا القطاع الاستراتيجي.

ولفت دانش إلى أن القفزات التي حققتها مصر في المؤشرات الدولية، ولا سيما حصولها على العلامة الكاملة في محور «قدرة السياسات»، تعكس حجم الجهد المؤسسي الذي يقوم به المجلس الأعلى للذكاء الاصطناعي ووزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات في وضع الأطر والسياسات القادرة على تحويل هذه المسارات الأربعة من مجرد توجهات استراتيجية إلى طفرة اقتصادية ملموسة، مشددًا على أهمية الاعتماد على القدرات الذاتية الوطنية، إلى جانب بناء شراكات متوازنة ومدروسة مع الأقطاب التكنولوجية الكبرى في العالم، بما يحفظ لمصر استقلال قرارها الرقمي ويعزز قدرتها التنافسية.

وفي هذا السياق، اعتبر الدكتور عادل دانش أن الثمرة الكبرى لهذا الاعتراف الدولي بجاهزية مصر تجسدت في خطوة الاتحاد الأوروبي بالسماح لمصر بالوصول إلى مصانع الذكاء الاصطناعي في أوروبا، واصفًا هذه الخطوة بأنها «المفتاح الذهبي» الذي قدمه الاتحاد لمصر كدلالة عملية على الثقة الدولية المتنامية في السياسات المصرية. وأوضح أن هذا الاتفاق الاستراتيجي يتيح لمصر امتلاك «الأداة» المتمثلة في القدرة الحاسوبية الفائقة، غير أن حسن استغلال هذه الأداة يظل مرهونًا بالإرادة الوطنية، مشيرًا إلى أن الفرصة باتت سانحة اليوم لفتح آفاق الابتكار، وبناء سيادة رقمية حقيقية، تقوم على إنتاج المعرفة والتكنولوجيا محليًا. وأكد أن هذا التعاون مع الجانب الأوروبي يكرس مكانة مصر كمركز ثقل صناعي وتقني في مجال الذكاء الاصطناعي، ويؤهلها لأن تكون المصدر الرئيسي لخدماته وابتكاراته في القارة الإفريقية والمنطقة بأسرها.

قال محمد المصري، الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة Tactful AI، إن تصدّر مصر القارة الإفريقية في مؤشر جاهزية الحكومات للذكاء الاصطناعي لعام 2025، بعد قفزة نوعية بتقدمها 14 مركزًا دفعة واحدة على المستوى العالمي لتستقر في المرتبة 51، يعكس نجاح الدولة في اتخاذ خطوات إيجابية على مسار التحول الرقمي، لكنه في الوقت نفسه يفرض تحديات تتطلب تعميق هذا التقدم وتحويله إلى عائد اقتصادي مباشر وقيمة مضافة مستدامة.

وأوضح المصري أن الذكاء الاصطناعي يشهد تطورًا عالميًا متسارعًا، ومع سعي مصر للحاق بركب هذا التطور وتعزيز موقعها التنافسي، تصبح الحاجة ملحّة لتطوير مراكز البيانات ورفع كفاءة وسرعات الإنترنت، باعتبارها حجر الأساس لبناء منتجات قادرة على المنافسة في السوق العالمي. وأضاف أن تصدير التكنولوجيا يمثل مسارًا استراتيجيًا لتوفير العملة الصعبة، والمساهمة في سداد الديون وتقليص عجز الميزان التجاري، إلى جانب أهمية تطوير الكوادر البشرية القادرة على استخدام هذه التقنيات في ابتكار خدمات متنوعة، وهو ما يتطلب تعاونًا أوسع وأكثر فاعلية مع القطاع الخاص.

المهندس محمد المصري
المهندس محمد المصري

وأشار إلى أن التركيز في المرحلة الحالية يجب أن ينصبّ على التطبيقات أكثر من النماذج، لافتًا إلى أن الاستثمار في التطبيقات التجارية، مع الاستفادة من النماذج مفتوحة المصدر المتاحة بكثرة، يعد الخيار الأكثر كفاءة لتعزيز الاستقلال التكنولوجي. وأكد أن بناء نماذج خاصة يتطلب بنية تحتية ضخمة ومصروفات مرتفعة للبحث والتطوير، بينما تمثل التطبيقات مساحة أكبر للإبداع وإمكانية تحقيق تنافسية حقيقية. وفي هذا السياق، أوضح أن Tactful AI توظف النماذج اللغوية داخل تطبيقات تضيف قيمة ملموسة للسوق والشركات.

واختتم المصري بالتأكيد على أن دعم منظومة الذكاء الاصطناعي في مصر يرتكز بالأساس على تمكين الشركات الناشئة والصغيرة والمتوسطة من تطوير حلول مبتكرة، موضحًا أن هذه الشركات تتحمل مخاطر كبيرة في البحث والتطوير، وتحتاج إلى حوافز وتسهيلات تقلل من حجم المخاطر وتسهم في تسريع الابتكار. وأكد أن توفير تمويل مرن وتسهيلات عامة، إلى جانب تشجيع الاستثمار الخاص، يعزز قدرة هذه الشركات على الاستمرارية، ويجعل السوق أكثر مرونة وانفتاحًا على المخاطر، بما يدعم موقع مصر كمركز إقليمي واعد في مجال الذكاء الاصطناعي.

من جانبه، قال الدكتور محمد عزام، خبير تكنولوجيا المعلومات، إن الحكومة المصرية نجحت خلال الفترة الماضية في تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي بشكل واضح، عبر إطلاق عدد من المبادرات المهمة التي تعكس إدراك الدولة لأهمية هذا الملف، مؤكدًا أن جزءًا محوريًا من اقتصاد الحاضر والمستقبل بات يعتمد على امتلاك أدوات الذكاء الاصطناعي، وأن البنية المعلوماتية أصبحت الأساس الذي تُبنى عليه مختلف القطاعات. وأوضح أن تصدر مصر لدول القارة الإفريقية في مؤشر جاهزية الحكومات للذكاء الاصطناعي يعكس بشكل مباشر الخطوات الجادة التي اتخذتها الدولة خلال السنوات الماضية، سواء على مستوى السياسات أو البنية التحتية، مشيرًا إلى أن مصر قطعت شوطًا مهمًا في التوجه نحو الذكاء الاصطناعي، لاسيما من خلال التوسع في إنشاء مراكز البيانات.

وأضاف عزام أن أحد الأبعاد الجوهرية في هذا المسار يتمثل في حماية البيانات القومية، مؤكدًا أن إنشاء مراكز معلومات متطورة، وتأمينها، وضمان وجودها داخل الحدود المصرية، يمثل ركيزة أساسية لبناء سيادة رقمية حقيقية. ولفت إلى أن البيانات أصبحت بمثابة «نفط العصر»، وأن امتلاك المعلومة والقدرة على تحليلها لم يعد ترفًا، بل شرطًا أساسيًا لاتخاذ القرار السليم، موضحًا أن تقنيات الذكاء الاصطناعي تمتلك القدرة على ربط وتحليل كميات ضخمة من البيانات، بما يتيح دعم اتخاذ قرارات دقيقة تسهم في نمو العديد من القطاعات الاقتصادية وتعزيز كفاءة الأداء المؤسسي.

وأشار إلى أن الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي، التي أطلقتها وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، تمثل إطارًا متكاملًا لمواصلة العمل على توظيف هذه التقنيات في إيجاد حلول مبتكرة للتحديات التي تواجه المجتمع في مختلف المجالات، سواء الاقتصادية أو الخدمية أو التنموية. وأكد أن الاستراتيجية لا تقتصر على الجانب التطبيقي فقط، بل تولي اهتمامًا كبيرًا ببناء الإنسان، من خلال إطلاق المزيد من البرامج التدريبية المتخصصة لإعداد كوادر مؤهلة قادرة على التعامل مع تقنيات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب الاستمرار في توفير بنية تحتية حوسبية متطورة تخدم الجهات الحكومية والقطاع الخاص والشركات الناشئة والصغيرة والمتوسطة العاملة في هذا المجال.

الدكتور محمد عزام
الدكتور محمد عزام

وشدد عزام على أن الذكاء الاصطناعي يؤسس لعالم جديد بالكامل، وهو ما يفرض ضرورة ضخ استثمارات كبيرة، والعمل على تطوير المهارات والكفاءات البشرية بوتيرة تتناسب مع سرعة التطور العالمي، مؤكدًا أن التعلم السريع لم يعد خيارًا، بل أصبح ضرورة ملحّة. وأوضح أن الذكاء الاصطناعي سيؤدي إلى تغييرات جوهرية في سوق العمل وطبيعة الوظائف، ما يستوجب التركيز على تأهيل الشباب وبناء قدراتهم، لضمان توافر كفاءات قادرة على التعامل مع هذه التقنيات الحديثة. كما شدد على أهمية إتاحة الفرصة أمام الشركات الناشئة العاملة في مجال الذكاء الاصطناعي، لتمكينها من تطوير حلول وتقنيات مبتكرة تسهم في دعم نمو الاقتصاد المصري وتعزيز قدرته التنافسية في المرحلة المقبلة.

وقال الدكتور حمدي الليثي، نائب رئيس غرفة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات السابق، إن القفزة التي حققتها مصر في مؤشر جاهزية الحكومات للذكاء الاصطناعي لعام 2025 لا يمكن النظر إليها باعتبارها تحسنًا رقميًا أو تقدمًا إحصائيًا في ترتيب دولي، بل تمثل في جوهرها إعلانًا واضحًا لاستقلال رقمي تستعيد به الدولة موقعها في معادلة التكنولوجيا العالمية، عبر الانتقال من دور المستهلك للتقنيات المستوردة إلى فضاء أوسع يقوم على التوطين ثم الإنتاج فالتصدير. وأكد أن هذا التحول يحمل دلالة استراتيجية عميقة، لأنه يعكس انتقال الدولة من إدارة التكنولوجيا كملف خدمي إلى التعامل معها كأداة سيادية لإعادة تشكيل الاقتصاد وبناء نموذج تنموي جديد قادر على الصمود أمام التقلبات العالمية.

وأوضح الليثي أن إطلاق الإصدار الثاني من الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي جاء في توقيت مفصلي بالغ الحساسية، في ظل ما يشهده العالم من تسارع تقني غير مسبوق جعل من الذكاء الاصطناعي عنصرًا حتميًا في معادلات القوة الاقتصادية والسياسية، مشددًا على أن الدول التي تتأخر في اللحاق بهذا المسار ستجد نفسها خارج السياق التاريخي للتحولات الكبرى، عاجزة عن حماية مصالحها أو المنافسة على سلاسل القيمة الجديدة. واعتبر أن الاستراتيجية المصرية تمثل محاولة جادة للحاق بالانطلاق العالمي في بداياته، مستندة إلى عناصر قوة حقيقية تمتلكها الدولة، في مقدمتها حجم السوق المحلي، والقاعدة الشبابية الواسعة، وقدرتها على استيعاب التقنيات الحديثة إذا ما توافرت لها البيئة الداعمة.

وشدد الليثي على أن استدامة هذا التفوق لا يمكن أن تتحقق دون شرط حاسم يتمثل في ضخ استثمارات ضخمة ومستمرة في البنية التحتية الرقمية، بحيث لا تتحرك الدولة بوتيرة أبطأ من معدل نمو الطلب الفعلي على تطبيقات الذكاء الاصطناعي. وأكد أن البنية التحتية لم تعد مسألة شبكات فقط، بل أصبحت منظومة متكاملة تشمل الاتصالات، ومراكز البيانات، والطاقة، والربط الدولي، معتبرًا أن الشركة المصرية للاتصالات تمثل حجر الزاوية في هذا المسار، والمحرك الحيوي الذي يجب أن يُبنى عليه طموح التحول إلى مركز إقليمي للخدمات الرقمية والذكاء الاصطناعي.

وأشار إلى أن بناء صناعة وطنية حقيقية للذكاء الاصطناعي يتطلب في الوقت ذاته بيئة تشريعية مرنة وجاذبة، لا تكتفي باستقطاب رؤوس الأموال، بل تركز على تمكين الشركات الصغيرة والمتوسطة لتكون العمود الفقري لهذا القطاع الناشئ. ولفت إلى أن هذه الشركات هي القادرة على الابتكار السريع، وتطوير حلول مخصصة للأسواق المحلية والإقليمية، إذا ما توافرت لها حوافز ضريبية واضحة، وإجراءات مبسطة، وإطار قانوني يحمي البيانات ويشجع الاستثمار طويل الأجل.

الدكتور حمدي الليثي
الدكتور حمدي الليثي

وأكد الليثي أن اللحظة الحالية تمثل فرصة مثالية للانطلاق نحو توطين شامل لتقنيات الذكاء الاصطناعي، في ظل توجه الدولة لبناء اقتصاد حديث يستوعب التحولات الرقمية ويتكامل مع السياسات النقدية والمالية الداعمة للنمو، بعد مرحلة من الضغوط التي فرضتها الأزمة الاقتصادية العالمية. وأوضح أن مصر تمتلك القدرة على توجيه هذا التحول لصالح زيادة صادراتها الرقمية، عبر دعم الشركات الناشئة، وتوسيع نطاق حاضنات ومسرعات الأعمال، وتحويل الأفكار المبتكرة إلى منتجات وخدمات قابلة للتسويق.

وأضاف أن توطين الذكاء الاصطناعي يجب أن يرتبط بوضوح باستهداف الأسواق الخليجية والإفريقية، سواء من خلال تطوير حلول ذكية تناسب احتياجات هذه الأسواق، أو عبر التوسع في خدمات التعهيد المتخصصة، بما يعزز موقع مصر كمركز إقليمي لتقديم خدمات الذكاء الاصطناعي عالية القيمة. واعتبر أن المنافسة الإقليمية والعالمية المتزايدة تفرض ضرورة التحرك السريع لتقديم حوافز إضافية، تشمل تسهيل استيراد المكونات التكنولوجية اللازمة لتشغيل التطبيقات المتقدمة، ومنح مزايا ضريبية وتشريعية تشجع المستثمرين على ضخ رؤوس أموال حقيقية في هذا القطاع.

واختتم الليثي بالتأكيد على أن الاستثمار في الذكاء الاصطناعي لا ينبغي النظر إليه كخيار تقني أو قطاعي، بل كاستثمار مباشر في كفاءة الدولة وقدرتها على اتخاذ القرار وتحسين أداء القطاعات الاقتصادية كافة، مشددًا على أن امتلاك مصر لـ12 كلية متخصصة في الذكاء الاصطناعي يمثل قاعدة تعليمية مهمة، لكنها تحتاج إلى ثورة حقيقية في المناهج والتطبيقات العملية لربط التعليم بالصناعة، وتحويل الجاهزية السياسية والمؤسسية الحالية إلى ريادة اقتصادية مستدامة تعزز من سيادة مصر الرقمية ومكانتها في النظام الاقتصادي العالمي.

في سياق متصل، يضع المستثمر في مجال الذكاء الاصطناعي، ياسر البنداري، يده على “المحرك المالي” واللوجستي اللازم لتحويل الجاهزية المصرية إلى عوائد اقتصادية ملموسة؛ حيث يرى أن الصدارة المصرية لعام 2025 تتطلب الانتقال من “الدعم المؤسسي العام” إلى “التخصيص النوعي” للصناعة، مقترحاً خطوات جريئة تضمن استدامة النمو، منها إعادة النظر في الهيكل الإداري والميزانيات المخصصة، مشيراً إلى أن تحديد ميزانية مستقلة وضخمة للذكاء الاصطناعي تتجاوز أرقام البحث العلمي التقليدية (التي تقدر بنحو 600 مليون جنيه حالياً) هو الضمانة الوحيدة للانتقال من مرحلة “التواجد” إلى مرحلة “الريادة الصناعية”، فالرقم الحالي يظل محدوداً أمام طموحات دولة تتصدر القارة وتبني استراتيجية وطنية شاملة.

ويرى البنداري أن “الموهبة المصرية” هي الوقود الذي تقوم عليه كبريات الشركات التكنولوجية في المنطقة، وهو ما يستدعي “وطنية استثمارية” تدفع الدولة والمستثمرين نحو توجيه رؤوس الأموال لهذا القطاع الواعد بدلاً من التركيز التقليدي على الاستثمار العقاري؛ مؤكداً أن الدولة يجب أن تقود هذا التحول عبر وضع أطر قانونية حاسمة تبدأ بتعريف دقيق لريادة الأعمال والذكاء الاصطناعي، وتقديم حوافز وتسهيلات ضريبية وتمويلية للمستثمرين في هذا المجال. ويشدد على أن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد “أداة تقنية”، بل هو “محرك للقرار” يحسن جودة العمليات في كافة القطاعات الاقتصادية، مما يجعل الاستثمار فيه استثماراً في كفاءة الدولة ككل.

ولفت البنداري إلى أن الوصول إلى كامل الأهداف الاستراتيجية يتطلب معالجة “الفجوة التمويلية” التي تواجه الشركات الناشئة ورواد الأعمال المصريين، الذين يتخصصون في هذا المجال بعيداً عن المؤسسات الكبرى ذات الملاءة المالية الضخمة، مشيراً إلى أن إنشاء صناعة متكاملة لا يتوقف عند بناء القدرات البشرية فحسب، بل يتطلب ابتكار منصات وتكنولوجيات وطنية خالصة.

وطالب بالإسراع في إيجاد آليات تمويل متعددة، منها إنشاء “صناديق خاصة” لدعم الحلول القطاعية، وعقد اتفاقيات إطارية لتمويل خطوط الربط مع مراكز البيانات العالمية لإتاحتها للباحثين والمطورين، كحل مؤقت وفعال حتى تكتمل منظومة مراكز البيانات المحلية، مؤكداً أن الوقت والاستثمارات المشتركة بين القطاعين الحكومي والخاص هي المفاتيح الحقيقية لتحويل “المفتاح الذهبي” الأوروبي والريادة الإفريقية إلى واقع اقتصادي يعيد رسم خارطة القوة التقنية لمصر.

 

The short URL of the present article is: https://followict.news/wmda