لم يعد العمل الحر مجرد بديل مؤقت للوظيفة التقليدية، بل يتحول تدريجيا إلى أحد ملامح سوق العمل الجديد، مع تزايد الاعتماد على العمل عن بعد والمنصات الرقمية وتوسع الشركات في الاستعانة بالمواهب المستقلة من مختلف أنحاء العالم. ويقدر البنك الدولي عدد العاملين في العمل الحر الرقمي عالميا بما يتراوح بين 154 و435 مليون شخص، بما يمثل نحو 4.4% إلى 12.5% من قوة العمل العالمية، بحسب نطاق وطريقة احتساب العاملين في اقتصاد العمل الحر.
وتنعكس هذه التحولات على سوق العمل المصري، الذي أصبح واحدا من الأسواق المهمة في مجال العمل الحر والخدمات الرقمية العابرة للحدود. وأعلنت هيئة تنمية صناعة تكنولوجيا المعلومات «إيتيدا» في يونيو 2026 أن عدد المهنيين المستقلين في مصر يقترب من 850 ألف شخص، مؤكدة أن العمل الحر أصبح جزءا متزايد الأهمية من استراتيجية مصر لتنمية صادرات الخدمات الرقمية وتعزيز قدرتها على المنافسة في سوق التعهيد العالمي.
ومع نمو قاعدة المستقلين، لا تتوقف التحديات عند الوصول إلى العملاء أو استقبال المدفوعات من الخارج، وإنما تمتد إلى أسئلة أكثر تعقيدا تتعلق بالتأمين والرعاية الصحية والخدمات المالية والاستقرار القانوني والضريبي، وهي مزايا ارتبطت لعقود بالعمل لدى الشركات أكثر من ارتباطها بالعمل المستقل.
وفي هذا السياق، تظهر فرص جديدة أمام شركات التكنولوجيا المالية التي تستهدف هذه الفئة، ليس فقط عبر تسهيل المدفوعات، ولكن من خلال بناء منظومة متكاملة تساعد المستقل على إدارة حياته المهنية والمالية بصورة أكثر استقرارا. ومن هنا جاءت تجربة «Card Y»، التي تسعى إلى بناء حل مصمم خصيصا للعاملين بشكل مستقل وعن بعد، يجمع بين الخدمات المالية والمزايا الصحية ومساحات العمل والخدمات القانونية والضريبية.
يتحدث هارفي جمال، الشريك المؤسس لشركة Card Y، في حواره مع منصة الاقتصاد الرقمي FollowICT، حول قصة تأسيس الشركة، والفجوة التي اكتشفها المؤسسون في سوق الخدمات المقدمة للمستقلين، وكيف تسعى الشركة إلى تقديم نموذج مختلف في السوق المصري، إلى جانب خططها للحصول على جولة تمويلية والتوسع خارج مصر خلال 2027.
في البداية كيف انطلقت فكرة Card Y؟
بدأت فكرة Card Y من تجربة شخصية عشناها نحن المؤسسين الستة. فنحن جميعا كنا نعمل بشكل مستقل، ولكل منا أكثر من 10 سنوات من الخبرة، وخلال هذه السنوات جربنا العديد من الحلول المتاحة في السوق، لكننا كنا نواجه دائما فجوة واضحة في الخدمات والمزايا التي يحصل عليها الموظف مقارنة بالعامل المستقل.
بالنسبة لي، كانت التجربة أكثر وضوحا عندما تعرضت لإصابة أثناء ممارسة الرياضة. في ذلك الوقت كنت موظفا وكان لديّ تأمين طبي من خلال جهة عملي، لذلك كانت تكاليف العلاج مغطاة. لكن بعد أن انتقلت إلى العمل بشكل مستقل، ورغم أن دخلي أصبح أضعاف راتبي كموظف، اكتشفت أن أي إصابة أو ظرف صحي قد يعني دفع مبالغ كبيرة من مالي الخاص، بسبب عدم وجود تأمين طبي مناسب. من هنا بدأ السؤال: لماذا لا يحصل المستقل، رغم ارتفاع دخله أحيانا مقارنة بالموظف، على نفس مستوى الحماية والمزايا التي يحصل عليها الموظف؟، ومن هنا جاءت فكرة Card Y.
وما الذي تقدمه الشركة؟
نحن شركة تكنولوجيا مالية تستهدف العاملين بشكل مستقل، والعاملين عن بعد، وكل من يعمل مع شركات وعملاء خارج بلده، ونركز بشكل خاص على السوق المصري، مع خدمة المصريين في أسواق أفريقيا والشرق الأوسط.
بدأنا من مشكلة أساسية وهي تسهيل استقبال المستقلين والعاملين عن بعد لمستحقاتهم من الخارج، وهي خدمة أصبحت متاحة من خلال عدد من الشركات في السوق. لكننا وجدنا أن هناك فجوة أكبر، وهي أن العامل المستقل لا يحصل عادة على المزايا التي يوفرها العمل التقليدي، مثل التأمين والخدمات الصحية والمزايا المرتبطة بالوظيفة.
لذلك نحاول من خلال Card Y تقديم منظومة متكاملة للعامل المستقل، وليس مجرد وسيلة لاستقبال الأموال. فمن خلال اشتراك شهري، يمكن للمستخدم الحصول على مجموعة من المزايا، من بينها تغطية طبية أساسية عبر بطاقة خصومات توفر خصومات تتراوح بين 30% و70% على الخدمات الطبية في 12 محافظة.
كما نوفر مساحات للعمل المشترك، بحيث يستطيع المستقل العمل من مكان مجهز واحترافي، مع توفير بيئة عمل مستقرة تساعده على الاستمرار في عمله دون القلق من انقطاع الكهرباء أو عدم توافر التجهيزات المناسبة.
ومن الجانب المالي، يحصل المستخدم على حسابات تمكنه من استقبال أمواله، إلى جانب بطاقة يمكنه استخدامها في عمليات الشراء، وسداد الاشتراكات والخدمات، واستخدامها أثناء السفر، وربطها بخدمات مثل Apple Pay، مع إمكانية استقبال أمواله واستخدامها داخل مصر. ونعمل كذلك على ربط المصريين العاملين مع شركات وعملاء في مختلف الدول، خاصة في أفريقيا والمنطقة، بما يسهل عليهم إدارة أموالهم واستخدامها بصورة أكثر مرونة.
وماذا عن الخدمات التي تقدمونها للشركات؟
على مستوى الشركات B2B، فنحن نعمل على بناء حل متكامل للتوظيف والعمل عن بعد، يساعد الشركات على توظيف العاملين وإدارة عمليات الدفع والمزايا المرتبطة بهم، بما يسهم في تحسين تجربة الموظفين ورفع معدلات الاحتفاظ بهم.
كما نساعد المستقلين في التعامل مع جانب مهم غالبا ما يكون معقدا بالنسبة لهم، وهو التأسيس القانوني والضريبي. لذلك نوفر خدمات تساعدهم على تأسيس شركاتهم وتنظيم وضعهم، حتى يتمكنوا من العمل بصورة أكثر احترافية واستدامة.
وفي النهاية، هدفنا هو تمكين العاملين بشكل مستقل وعن بعد من خلال منظومة مالية وخدمية متكاملة، توفر لهم سهولة وأمانا ومرونة في استقبال أموالهم وإدارتها، إلى جانب مجموعة من المزايا التي كانت مرتبطة تقليديا بالعمل لدى الشركات.
وهل هناك منافسون في السوق؟
نعم، هناك منافسون في السوق، ولكن في الجانب المالي والتكنولوجيا المالية، لكن معظم المنافسين شركات عالمية، وليست شركات عربية أو محلية بالأساس. وبعض هذه الشركات تستهدف السوق المصري لفترات معينة، ثم قد تتوقف عن تقديم خدماتها بسبب المتطلبات التنظيمية أو إجراءات المراجعة والامتثال من الجهات الرقابية.
وهنا نحاول في Card Y أن نختلف من خلال التركيز على الامتثال Compliance والعمل بشكل وثيق مع البنك المركزي، بما يتناسب مع القوانين واللوائح المنظمة للسوق المصري.
كذلك، فريقنا بالكامل موجود في مصر، وهو ما يمنحنا فهما أعمق لاحتياجات المستخدم المصري وطبيعة السوق والإجراءات المحلية. وهذه النقطة مهمة جدا بالنسبة لنا، لأن فكرة Localization، أي تصميم الحل وفقا لاحتياجات وقوانين كل سوق، ليست متوفرة بالشكل الكافي لدى المنافسين العالميين.
هناك شركات أمريكية وأخرى من نيجيريا تقدم بعض الخدمات المشابهة، لكن طبيعة القوانين والإجراءات تختلف من دولة إلى أخرى، وبالتالي لا يمكن تقديم الحل نفسه بالطريقة ذاتها في جميع الأسواق.
وما أكثر ما يميزكم؟
نرى أن المنافسة موجودة في أجزاء من الحل، سواء في الخدمات المالية أو استقبال المدفوعات، لكن لا يوجد حتى الآن حل يقدم المنظومة نفسها التي نقدمها في Card Y بشكل متكامل، ومصمم خصيصا لاحتياجات العاملين بشكل مستقل وعن بعد في السوق المصري والمنطقة.
وما هي أبرز التحديات التي واجهتكم؟
واجهتنا عدة تحديات، وأبرزها طبيعة العمل في الشركات الناشئة، خاصة خلال المرحلة الأولى عندما تعمل الشركة من دون تمويل. كانت معادلة صعبة، لأننا كنا بحاجة إلى بناء المنتج وتطويره والوصول إلى العملاء في الوقت نفسه، مع إدارة الموارد المحدودة المتاحة، لكننا تمكنا من تجاوز هذه المرحلة والوصول إلى نموذج عمل قابل للتطوير.
كما كان الجانب القانوني والتنظيمي من التحديات المهمة، خاصة في قطاع التكنولوجيا المالية، الذي يتطلب الالتزام بمجموعة من القوانين والإجراءات المنظمة. لكننا نرى أن هناك انفراجة واضحة في البيئة التشريعية المصرية، مع وجود توجه متزايد لتوفير أطر وقوانين تساعد الشركات الناشئة وتسهل عملها.
وفي الوقت نفسه، أصبح هناك عدد من المبادرات والمنصات التي تساعد رواد الأعمال في تجاوز بعض هذه التحديات، سواء من خلال تسهيل الإجراءات القانونية أو توفير الدعم والتوجيه أو المساعدة في التواصل مع المستثمرين. وهذه المنظومة تتطور بشكل مستمر، وهو ما أصبح يخلق بيئة أكثر دعما للشركات الناشئة مقارنة بالسنوات السابقة.
وماذا عن الحصول على استثمار؟
حاليا في مناقشات مستمرة مع مستثمرين وجهات استثمارية، وسوف نعلن عن الجولة قريبا، وهناك خطوات نقوم بها حاليا ستساعدنا على رفع التقييم الخاص بالشركة؟
وما هي أهدافكم خلال الفترة القادمة؟
أهدافنا هي إطلاق تطبيق الهاتف، بجانب إغلاق الجولة الاستثمارية على نهاية العام، بالإضافة إلى التوسع في 3 دول في 2027، حيث نستهدف نيجيريا وكينيا وجنوب أفريقيا.






