تنطلق اليوم السبت فعاليات الدورة الثلاثين لمعرض ومؤتمر القاهرة الدولي للتكنولوجيا «Cairo ICT 2026» تحت شعار «AI in Action»، في توقيت إقليمي ودولي بالغ الدقة والتعقيد، يضع التجربة التنموية المصرية برمتها أمام لحظة اختبار حاسمة لترجمة طموحات التحول الرقمي إلى سياسات نقدية واقتصادية واستثمارية على أرض الواقع.
فالمعرض، الذي يفتتحه رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي وتشارك فيه الحكومة بقمة وزارية موسعة غير مسبوقة، يتجاوز صبغته الاحتفالية والترويجية المعتادة ليتحول إلى منصة إعلان صريحة عن الانتقال من مرحلة الترويج للذكاء الاصطناعي والانبهار بإمكاناته، إلى مرحلة التدقيق المالي وحسابات الجدوى، وقياس العائد المباشر على الإنتاجية الكلية وحماية مقدرات الأمن القومي والسيادة الرقمية.
وتتجلى الدلالة الهيكلية الأبرز في التشكيل النوعي للقمة الوزارية الافتتاحية؛ فجلوس وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات المهندس رأفت هندي إلى جوار وزراء المالية أحمد كجوك، والاستثمار والتجارة الخارجية الدكتور محمد فريد، والكهرباء الدكتور مهندس محمود عصمت، والري الدكتور هاني سويلم، والعدل المستشار محمود الشريف، يبعث برسالة قاطعة لمجتمع الاستثمار ومؤسسات التمويل الدولية بأن التكنولوجيا في فلسفة الإدارة الحكومية الجديدة لم تعد قطاعاً خدمياً منعزلا، بل أصبحت عصب إدارة منظومات الإنتاج والتسعير والتحصيل وتقليص الهدر في قطاعات مصيرية كالطاقة والمياه والمنظومة الضريبية والعدل، ومحركاً أساسياً لدعم مرونة الاقتصاد الكلي في مواجهة الضغوط التضخمية والصدمات الخارجية.
ويأتي هذا التحرك الرسمي في وقت تقف فيه مصر أمام معادلة بالغة الحساسية: كيف تبني بنية تحتية رقمية وسيادية فائقة الكفاءة والحوسبة السحابية دون إرهاق الموازنة العامة للدولة بأعباء استدانة جديدة، وتأتي الإجابة التشغيلية السريعة مع انطلاق اليوم الأول عبر توقيع مذكرتي تفاهم ترسمان خريطة جديدة للشراكة بين الدولة والقطاع الخاص؛ الأولى تجمع شركة «بنية» وصندوق مصر السيادي والجهاز القومي لتنظيم الاتصالات «NTRA»، والثانية تجمع الشركة المصرية للاتصالات «WE» مع مجموعة «إي فاينانس» للاستثمارات المالية والرقمية.

وتستهدف هذه التحالفات توظيف الميزة التنافسية الجغرافية لمصر، كنقطة التقاء لأهم كابلات الاتصالات البحرية العالمية، لتشييد مراكز بيانات عملاقة واستقطاب رؤوس الأموال الأجنبية إلى صناعات الحوسبة السحابية والتعهيد، وتوطين البيانات الوطنية داخل الحدود لحمايتها من مخاطر العزل التقني أو الهجمات السيبرانية العابرة للحدود.
ويتواكب هذا المسار السيادي مع نقاشات محتدمة تشهدها قمة قادة الصناعة «The Digital Dozen»، التي تجمع 12 قيادة تنفيذية من كبريات الشركات العالمية والمحلية في قطاعات التكنولوجيا والاتصالات، من بينها دل تكنولوجيز، وأوراكل، ومايكروسوفت، وسيسكو، ونيوتانكس، والشركات المشغلة لشبكات المحمول.
وتتركز المناقشات حول متطلبات الانتقال إلى الجيل القادم من الشبكات والبنية التحتية المؤهلة لحمل أعباء الذكاء الاصطناعي، وفي مقدمتها نشر شبكات IPv6 بالتعاون بين هواوي والجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، وبحث معضلات تشغيل مراكز البيانات عالية الكثافة وتوفير حلول الطاقة والتبريد المتطورة للشرائح ومعالجات الجرافيكس (GPUs) التي باتت تشكل وقود الثورة الصناعية الراهنة.
وعلى التوازي، تفرض قضايا التكنولوجيا المالية نفسها كركيزة لا غنى عنها لضبط الاستقرار المصرفي والشمول المالي عبر فعاليات مؤتمر «PAFIX» في دورته الثالثة عشرة برعاية البنك المركزي المصري.
ويكشف جدول أعمال الملتقى عن نقلة نوعية في المفاهيم؛ حيث يفتتح نائب محافظ البنك المركزي رامي أبو النجا الجلسات بطرح مسألة التحول من مجرد رقمنة المعاملات المصرفية التقليدية إلى بناء «التمويل المؤتمت والمستقل» عبر أدوات الذكاء الاصطناعي، بمشاركة قيادات أول بنك رقمي في مصر «onebank»، والشركة المصرية للاستعلام الائتماني «I-Score»، ومؤسسة التمويل الدولية .
ولعل المحور الأكثر التصاقاً بتوسيع القاعدة التمويلية يتمثل في بحث آليات «التنقيط والتقييم السلوكي كبديل متطور للجدارة الائتمانية التقليدية، بالتعاون بين مختبر الابتكار التنظيمي (Sandbox) بالبنك المركزي وإدارات المخاطر بالبنوك الكبرى مثل التجاري الدولي وقطر الوطني، لإدماج شرائح المشروعات متناهية الصغر والأفراد خارج القطاع المصرفي.
ويتزامن ذلك مع تحرك مصرفي واستثماري يقوده البنك الأهلي المصري عبر ذراعه الاستثمارية، إلى جانب مؤسسات مثل «Camel Ventures» و«إي فاينانس»، لتعبئة رؤوس الأموال التأسيسية وضخ استثمارات مباشرة لدعم شركات التكنولوجيا المالية الناشئة، ونقل تجارب منصات الدفع الوطنية إلى مساحات التكامل والتوسع القاري داخل الأسواق الإفريقية.

غير أن كل هذه المعطيات التقنية تصطدم باستحقاق لا يقل خطورة، يتعلق بإعادة تشكيل رأس المال البشري وسوق العمل المحلي والإقليمي؛ فالأتمتة الذكية باتت واقعاً يعيد تعريف المهن والوظائف، وهو ما تعكسه الأجندة عبر جلسات مكثفة حول «التعاون بين الإنسان والآلة»، ومستقبل وظائف البرمجة، ودور القيادات النسائية في قيادة استراتيجيات الذكاء الاصطناعي.
ويمتد هذا القلق المهني الإيجابي إلى قطاع الإعلام وصناعة المحتوى، الذي خُصصت له ثلاث جلسات متتالية بمشاركة قيادات صحفية وإعلامية لمواجهة إشكاليات توظيف الخوارزميات وتأثيرها على استدامة المؤسسات الصحفية واستقلالية السردية الوطنية، في ظل تسارع وتيرة الإحلال التكنولوجي.
إن انطلاق «Cairo ICT 2026» اليوم يضع علامة فارقة في مسار الرقمنة الإقليمية؛ فالرسالة الصادرة من أروقة المؤتمر تؤكد أن السباق التكنولوجي لم يعد ترفاً استعراضياً ولا مجرد شراء لأحدث المنظومات، بل هو معركة بناء وتأمين هوامش القوة الاقتصادية والسيادية، وإثبات قدرة المؤسسات الوطنية على تحويل الخوارزميات الرقمية إلى عوائد إنتاجية واستثمارية تسهم مباشرة في حماية الاستقرار المالي والتنموي للدولة.
وفي سياق هذه المعطيات، قال الإعلامي أسامة كمال، رئيس الشركة المنظمة لمؤتمر ومعرض Cairo ICT، إن دورة عام 2026 تأتي في ظل تحديات اقتصادية وإقليمية تفرض ضغوطاً واضحة على تنظيم الأحداث والفعاليات الكبرى، لكنها في الوقت نفسه تشهد إصراراً كبيراً من الرعاة والعارضين على المشاركة وتقديم أحدث ما لديهم من تقنيات وحلول مبتكرة.
وأضاف أن قدرة مصر على استضافة مثل هذه الأحداث الكبرى ترتبط بحزمة متكاملة من العوامل تشمل الدولة والحكومة والإعلام والصحافة والتنظيم والخدمات اللوجستية، موضحاً أن العام الحالي شهد تأجيل أو إلغاء فعاليات عديدة في قطاعات مختلفة داخل مصر وعلى مستوى المنطقة، ومشيراً إلى أن تمتع مصر بنعمة الأمن والاستقرار يمثل ركيزة أساسية تدعم استمرار تنظيم هذه المؤتمرات رغم الأزمات والضغوط الاقتصادية اليومية.

وأوضح كمال أن اختيار شعار «AI in Action» لدورة هذا العام يمثل تطوراً طبيعياً عن شعار العام الماضي «AI Everywhere»؛ حيث كان التركيز سابقاً منصباً على توثيق مدى انتشار الذكاء الاصطناعي وتغلغله في مناحي الحياة، بينما تتطلب المرحلة الحالية الانتقال السريع من الحديث المجرد عن وجوده إلى فهم آليات عمله وتطبيقه الفعلي على أرض الواقع.
وأكد أن المعرض حرص على حصر الاهتمام في مجموعة محددة من القطاعات الحيوية من خلال الندوات والأجنحة المتخصصة، تشمل مجالات الصحة والتعليم والري والطيران والإعلام والترفيه، بهدف استكشاف فرص التطبيق العملية وتجنب التوسع في نقاشات نظرية تفتقر إلى إمكانية التنفيذ، وتحقيق استفادة حقيقية تنعكس على كفاءة المؤسسات.
وتطرق كمال بشكل موسع إلى ملف الإعلام وسوق العمل، كاشفاً أن اليوم الثاني من المعرض سيشهد عقد ثلاث جلسات متتالية مخصصة لمناقشة الفرص التي يتيحها الذكاء الاصطناعي في المجال الإعلامي والتحديات التي يفرضها على العاملين فيه، ولا سيما الشباب المقبلين على الالتحاق بالسوق. وحذر من أن الذكاء الاصطناعي يطرح حالياً تساؤلات جدية ومصيرية حول إمكانية الاستغناء عن الصحفيين والمصممين وبعض التخصصات الفنية، مسترجعاً تفاصيل اجتماع عقده عام 2008 مع شعبة الاتصالات بنقابة الصحفيين للتحذير من التحولات التقنية وضرورة تطوير الأدوات المهنية دون أن يسفر وقتها عن نتائج ملموسة.
وأكد أن الموجة الحالية من الذكاء الاصطناعي ستعيد رسم المشهد بالكامل، ما يفرض على الجميع الشعور بالقلق الإيجابي الذي يدفع للتعلم والتطوير بدلاً من الاستسلام، محذراً من أن بعض العاملين غير القادرين على مواكبة هذه التحولات قد يجدون أنفسهم خارج الخدمة بحلول دورة 2027.
وعلى صعيد المعارض المتوازية، أشار رئيس الشركة المنظمة إلى أن معرض PAFIX يعقد دورته الثالثة عشرة برعاية البنك المركزي المصري وبالتعاون الاستراتيجي مع شركة إي فاينانس، مؤكداً أنه نما وتطور منذ انطلاق نقاشاته الأولى عام 2008 وتأسيسه الرسمي عام 2013 ليصبح من أكبر الأحداث الإقليمية المتخصصة في التكنولوجيا المالية والمدفوعات الرقمية والشمول المالي، انطلاقاً من الترابط العضوي الذي يجعل تحديث المنظومات المصرفية والمالية مستحيلاً دون حلول تكنولوجية متقدمة.
كما تطرق إلى تطور مسابقة Innovation Arena التي بدأت قبل أحد عشر عاماً لتتحول إلى منصة Connect المتكاملة للشباب، والتي تجمع اليوم مسابقات الهاكاثون، والرياضات الإلكترونية، وفعاليات Cyber Zone المتخصصة في مهارات الأمن السيبراني بالتعاون مع سايشيلد، إلى جانب مصنع ابتكار الذكاء الاصطناعي AI Innovation Factory الذي انطلق العام الماضي بالتعاون مع Mercatura Forum وشهد تأسيس شركات ناشئة للشباب.

وكشف كمال كذلك عن إضافة منصة Cairo Xial Show بالتعاون مع شركة أروما، لربط إمكانات الذكاء الاصطناعي بالسينما وتكنولوجيا الترفيه والإنتاج الفني، مؤكداً أن التقنية لم تعد خطراً على الوظائف فحسب بل باتت محركاً لتطوير الصناعات الإبداعية. كما أوضح أن الدورة الثالثة من معرض ومؤتمر AI-DSC² ستناقش التطورات المرتبطة بمنظومة الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والتحولات الجارية بين الحوسبة السحابية والحوسبة الطرفية Edge ومفهوم السحابة السيادية.
وأشار إلى أن مصر قادرة على تحقيق سيادتها الرقمية ومواكبة الإنفاق الضخم لدول الخليج إذا ما وُجدت بيئة استثمارية جاذبة تسهل الإجراءات وتضع قواعد تنظيمية واضحة تشجع القطاع الخاص على ضخ رؤوس أموال في البنية التحتية بدلاً من الاعتماد المنفرد على الإنفاق الحكومي. واختتم كمال بالإشارة إلى لقائه مع المهندس رأفت هندي وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات لبحث استراتيجية الوزارة، معرباً عن تقديره لتبني الوزير والوزارة محورَي الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات كأولوية قصوى، وهو ما يعزز التوافق الاستراتيجي لنقل قطاع الاتصالات المصري نحو مرحلة التطبيق المؤسسي الشامل.







