أثار قرار الحكومة الأمريكية سحب نموذجي الذكاء الاصطناعي المتقدمين Fable 5 وMythos 5 التابعين لشركة أنثروبيك من السوق موجة واسعة من الجدل داخل أوساط الأمن السيبراني، بعدما اعتبر عدد كبير من الخبراء أن هذه الخطوة قد تؤدي إلى نتائج عكسية، عبر إضعاف قدرات المدافعين الرقميين بدلاً من تعزيز الأمن القومي.
فبعد ثلاثة أيام فقط من إصدار الحكومة الأمريكية قرارًا يقضي بإيقاف النماذج المتقدمة لأنثروبيك، وقّع ما يقرب من 100 من أبرز خبراء الأمن السيبراني ومديري الشركات المتخصصة رسالة مفتوحة تدعو إلى التراجع عن القرار، محذرين من أن القيود الجديدة قد تضر بالبنية الدفاعية الرقمية الأمريكية أكثر مما تضر بالجهات الخبيثة أو المنافسين الدوليين.
وأكد الموقعون أن القرار “حرم المدافعين من أكثر نماذج الذكاء الاصطناعي تقدمًا، وخلق حالة من عدم اليقين في السوق، كما عرّض ريادة الولايات المتحدة في مجال الذكاء الاصطناعي للخطر دون مبررات تقنية واضحة”.
وضمت قائمة الموقعين أسماء بارزة في قطاع الأمن السيبراني، من بينهم أليكس ستاموس، الرئيس التنفيذي السابق للأمن في فيسبوك وياهو، وكاتي موسوريس الرئيسة التنفيذية لشركة Luta Security، وراشيل توباك من SocialProof Security، وكريس ويسوبال المؤسس المشارك لشركة Veracode، بالإضافة إلى جو ليفي الرئيس التنفيذي لشركة Sophos.
كيف بدأت الأزمة؟
تعود جذور الأزمة إلى اكتشاف فريق بحثي تابع لشركة أمازون طريقة تمكن نموذج Fable 5 من تحديد بعض الثغرات الأمنية داخل الأكواد البرمجية. ووفقًا للتقارير، لم يعتمد الباحثون على اختراق تقني معقد، بل استخدموا أسلوبًا بسيطًا يقوم على إعادة صياغة الطلبات المقدمة للنموذج.
فبعد أن رفض النموذج في البداية مراجعة الكود بحثًا عن ثغرات أمنية بشكل مباشر، أعاد الباحثون صياغة الطلب على أنه طلب لإصلاح الكود البرمجي، مع تزويده بشيفرات مفتوحة المصدر تحتوي عمدًا على ثغرات معروفة وموثقة مسبقًا، ليقوم النموذج بتحديدها أثناء عملية التصحيح.
وأثار هذا السلوك مخاوف لدى بعض الجهات الحكومية الأمريكية، التي اعتبرت أن هذه القدرة قد تفتح الباب أمام استغلال النماذج في اكتشاف ثغرات أمنية يمكن استخدامها في هجمات إلكترونية متقدمة. إلا أن العديد من خبراء الأمن السيبراني رفضوا وصف ما حدث بأنه “اختراق” أو تجاوز حقيقي لإجراءات الحماية.
وقالت كاتي موسوريس إن ما جرى لا يرقى إلى مستوى الثغرة الأمنية الخطيرة، مؤكدة أن معظم النماذج الرائدة في السوق تمتلك قدرات مشابهة في تحليل الأكواد البرمجية واكتشاف المشكلات الأمنية. كما أشارت الرسالة المفتوحة إلى أن نماذج منافسة، من بينها الإصدارات المتقدمة من OpenAI، قادرة على تنفيذ مهام مماثلة دون أن تواجه قيودًا مماثلة.
من جانبها، أكدت أنثروبيك أن المشكلة المكتشفة كانت محدودة النطاق للغاية، وأن المعلومات التي كشفها النموذج تتعلق بثغرات معروفة ومعلنة مسبقًا وليست ثغرات سرية أو غير مكتشفة.
أمازون في قلب الجدل
ورغم أن الرسالة المفتوحة ركزت على تداعيات الحظر، فإنها لم تتناول جانبًا حساسًا من القضية يتعلق بالدور المزدوج لشركة أمازون.فأمازون لا تُعد فقط الجهة التي اكتشفت المشكلة، بل تعتبر أيضًا أكبر مستثمر في شركة أنثروبيك، كما تستضيف نماذجها عبر بنيتها السحابية.
وتشير التقارير إلى أن الرئيس التنفيذي لأمازون آندي جاسي قام شخصيًا بإيصال نتائج الاختبارات إلى كبار المسؤولين الأمريكيين، بمن فيهم وزير التجارة ووزير الخزانة ومدير الأمن السيبراني الوطني.
وقد أثار هذا المسار الاستثنائي تساؤلات داخل القطاع التقني حول ما إذا كانت الاعتبارات التجارية والمنافسة داخل سوق الذكاء الاصطناعي لعبت دورًا في تسريع التدخل الحكومي، خصوصًا مع تزايد المنافسة بين شركات الذكاء الاصطناعي على العقود الحكومية والعسكرية. كما أفادت تقارير إعلامية أمريكية بأن بعض المخاوف داخل البيت الأبيض لم تقتصر على قدرات النموذج ذاته، بل امتدت إلى احتمالية وصول جهات أجنبية، وخاصة من الصين، إلى هذه التقنيات المتقدمة.
مواجهة علنية بين أنثروبيك والبيت الأبيض
وزادت حدة الخلاف بعدما قدم ديفيد ساكس، مستشار الرئيس الأمريكي لشؤون الذكاء الاصطناعي، رواية مختلفة للأحداث. فبحسب ساكس، عرضت الإدارة الأمريكية على داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لأنثروبيك، خيارين واضحين: معالجة الثغرة الأمنية فورًا أو تعليق طرح Fable 5 للجمهور حتى الانتهاء من الإصلاحات.
وأضاف أن الشركة فضلت الإبقاء على النموذج متاحًا بدلاً من الاستجابة للمخاوف الحكومية، وهو ما دفع الإدارة إلى التدخل.
في المقابل، رفضت أنثروبيك هذا التوصيف بشكل قاطع، مؤكدة أن المشكلة المطروحة محدودة للغاية ولا تبرر إيقاف واحد من أكثر نماذج الذكاء الاصطناعي تقدمًا في السوق.
هل منحت واشنطن الصين فرصة مجانية؟
ويرى عدد من المحللين أن أخطر تداعيات القرار قد لا تكون داخل الولايات المتحدة نفسها، بل في انعكاساته على المنافسة العالمية في مجال الذكاء الاصطناعي. فبعد يوم واحد فقط من تعليق Fable 5، أعلنت شركة الذكاء الاصطناعي الصينية Zhipu AI إطلاق نموذجها الجديد GLM-5.2، مستغلة القرار الأمريكي للتشكيك في موثوقية النماذج الأمريكية واستقرار إتاحتها للمستخدمين.
وأدى الإعلان إلى ارتفاع سهم الشركة الصينية بنسبة 33%، فيما زعمت الشركة أن نموذجها الجديد يقدم أداءً تنافسيًا وسرعات معالجة مرتفعة وتكاليف تشغيل أقل مقارنة ببعض النماذج الأمريكية المتقدمة.
ورغم أن هذه الادعاءات لم تخضع بعد لاختبارات مستقلة واسعة النطاق، فإن الواقعة سلطت الضوء على المخاطر الجيوسياسية المرتبطة بفرض قيود مفاجئة على تقنيات الذكاء الاصطناعي الأمريكية.
المدافعون يخسرون أدواتهم الأقوى
ويرتكز جوهر اعتراض خبراء الأمن السيبراني على نقطة عملية أكثر من كونها سياسية أو أيديولوجية. فالمتخصصون في الدفاع السيبراني يعتمدون بشكل متزايد على نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة لاكتشاف الثغرات البرمجية قبل استغلالها من قبل المهاجمين، وإنشاء قواعد كشف الهجمات، وتحليل البرمجيات الخبيثة، وتسريع عمليات الاستجابة للحوادث الأمنية.
ويرى الخبراء أن إزالة النماذج الأكثر تقدمًا من هذه المنظومة لن تمنع المهاجمين من مواصلة تطوير أدواتهم، إذ يمكنهم اللجوء إلى نماذج مفتوحة المصدر أو نماذج أجنبية أو حتى الاعتماد على تقنيات تقليدية.
أما الجهات الدفاعية والمؤسسات الأمنية، فستجد نفسها مضطرة للعمل بأدوات أقل كفاءة في وقت تتسارع فيه وتيرة الهجمات السيبرانية وتعقيدها.
بين الابتكار والحذر
ورغم الإجماع الواسع على أهمية حماية الأمن القومي، تكشف الأزمة عن سؤال أكبر يواجه صناعة الذكاء الاصطناعي عالميًا: أين يجب رسم الخط الفاصل بين الاستفادة من القدرات المتقدمة لهذه النماذج وبين المخاطر المحتملة لسوء استخدامها؟
فالمفارقة أن بعض الخبراء أنفسهم الذين يدافعون اليوم عن إعادة Fable 5 إلى السوق كانوا قبل أشهر يحذرون من القدرات المتقدمة لنموذج Mythos وإمكانية إساءة استخدامه. لكن بالنسبة لهم، فإن الحل لا يكمن في حجب التكنولوجيا بالكامل، بل في تطوير أطر رقابية واختبارات أكثر دقة تضمن الاستخدام المسؤول دون حرمان المؤسسات الدفاعية والأمنية من الأدوات التي أصبحت جزءًا أساسيًا من معركة الأمن السيبراني الحديثة.
وفي ظل استمرار الجدل بين الحكومة الأمريكية وشركات الذكاء الاصطناعي، تبدو قضية Fable 5 مرشحة لأن تصبح واحدة من أبرز المواجهات التي ستحدد مستقبل تنظيم الذكاء الاصطناعي المتقدم خلال السنوات المقبلة.





