حذرت لجنة علمية دولية مستقلة تابعة للأمم المتحدة، من أن الطفرة المتسارعة في مجال الذكاء الاصطناعي تمضي بوتيرة تفوق الفهم العلمي والسياسات الحكومية، مؤكدة غياب أي ضمانات حالية تمنع هذه التكنولوجيا من التسبب في “أضرار كارثية” للبشرية، سواء بشكل مستقل أو نتيجة سوء الاستخدام.
وأوضح التقرير الأولي الصادر عن اللجنة، والذي يُعد أول تقييم عالمي مستقل لمخاطر الذكاء الاصطناعي وفرصه، أن صناع القرار يواجهون معضلة متفاقمة؛ إذ يتطلب تنظيم هذا القطاع بفاعلية وجود شواهد وأدلة قوية، في وقت تعجز فيه الأدلة العلمية عن مواكبة القفزات التقنية المتلاحقة.
وفي هذا السياق، أكد يوشوا بنجيو، الرئيس المشارك للجنة المؤلفة من 40 خبيراً دولياً، أن قدرات الذكاء الاصطناعي تتجاوز حالياً قدرة الحكومات على التأقلم، وأضاف: “مع تزايد الأدلة على السلوك المخادع للذكاء الاصطناعي، لا يمكن للعلم في الوقت الراهن ضمان عدم تسبب هذه الأنظمة في أضرار كارثية، في ظل استمرار نمو قدراتها.”

ورصد التقرير مؤشرات مقلقة حول سلامة الأنظمة، لاسيما خطر فقدان السيطرة عليها مع ازدياد استقلاليتها، مشيراً إلى استغلالها بالفعل في توليد المعلومات المضللة، وعمليات الاحتيال، والهجمات الإلكترونية، والتهديدات البيولوجية.
كما انتقد التقرير آليات الحوكمة الحالية ووصفها بـ “غير المتسقة”، لافتاً إلى أن أدوات السلامة المتاحة تعتمد بشكل كبير على بيانات اختبار محدودة تفصح عنها الشركات المطورة نفسها.
وعلى الصعيد التقني، كشف التقرير أن الذكاء الاصطناعي يُظهر قدرات متقدمة على مستوى الخبراء في الرياضيات والعلوم، ويسهم في تسريع تطوير الأدوية واللقاحات، حيث يتضاعف مستوى تعقيد المهام التي ينجزها كل أربعة إلى سبعة أشهر.
وتوقع الخبراء على المدى القريب تحولاً نحو أنظمة فاعلة قادرة على تنفيذ مهام واقعية معقدة، رغم قيود نقص الطاقة والبيانات عالية الجودة. أما على المدى البعيد، فرجّح التقرير اندماج الذكاء الاصطناعي القابل للتحسن الذاتي في الاقتصاد العالمي، وتلاقيه مع تقنيات حوسبة الكم والتكنولوجيا الحيوية. ورغم العوائد الاقتصادية الضخمة المتوقعة، أثار التقرير تساؤلات حول ما إذا كانت مكاسب الإنتاجية ستترجم إلى نمو شامل أم ستؤدي إلى اضطرابات واسعة في سوق العمل.
من جانبه، وجه الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو جوتيريش، نداءً عاجلاً للحكومات بضرورة التحرك السريع، قائلاً في بيان: “لا يمكن للعلم أو العالم أن يتحكم في شيء لا يستطيع فهمه.. الإمكانات هائلة، لكن المخاطر حقيقية، وتكلفة الانتظار آخذة في الارتفاع.”

واستجابةً لهذه التحديات، أعلن قادة سياسيون وتكنولوجيون، بالتعاون مع مكتب الأمم المتحدة للتكنولوجيات الرقمية، عن تأسيس مبادرة جديدة تحت اسم “اللجنة العالمية للذكاء الاصطناعي من أجل الخير”.
ووفقاً للوثيقة الاستراتيجية للمبادرة، سيتشارك رئاسة اللجنة كل من الرئيس الرواندي بول كاجامي، والرئيس التنفيذي لشركة “سيلزفورس” مارك بينيوف، في حين تشغل الأمينة العامة للاتحاد الدولي للاتصالات، دورين بوجدان-مارتن، منصب نائب الرئيس الدائم، وسط توقعات بمشاركة واسعة من منظمات أممية أخرى.





