يشهد تبني الذكاء الاصطناعي انتقالًا سريعًا من التجربة إلى الاستخدام اليومي في الأعمال؛ فالشركات تستثمر، والموظفون يدمجون أدوات جديدة في سير عملهم، وأصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً مألوفاً بشكل متزايد في كيفية إنجاز المهام.
والآن، نرى أن التركيز ينصب على القيمة التي يمكن أن يخلقها الذكاء الاصطناعي بدلاً من الوظائف فقط التي يؤديها، ولكن مع تزايد دمج الذكاء الاصطناعي في أنشطة الأعمال اليومية، يبرز سؤال أكثر أهمية: هل نستخدمه بأكثر الطرق ذكاءً وأماناً ومرونة وفعالية من حيث التكلفة؟
يتضح لنا أن هناك نطاقاً واسعاً لتبني استخدام الذكاء الاصطناعي بالفعل؛ إذ تشير دراسة لشركة ماكينزي (McKinsey) إلى أن 88% من المؤسسات تستخدم الذكاء الاصطناعي في وظيفة واحدة على الأقل، بينما تُظهر أبحاث شركة HP أن 63% من الموظفين قد دمجوا الذكاء الاصطناعي في مهام عملهم اليومية أو الأسبوعية، وتتوقع مؤسسة البيانات الدولية (IDC) أن يصل الإنفاق العالمي على الذكاء الاصطناعي إلى 632 مليار دولار بحلول عام 2028.
ورغم وضوح هذا التوجه، إلا أن التوسع في التبني يفرض ضغوطاً أكبر لإظهار عوائد ملموسة ومجدية، وهذا يغير طبيعة النقاش لقادة الأعمال، بما في ذلك قادة الأعمال في مصر، حيث يضع التركيز بقوة على المجالات التي يمكن للذكاء الاصطناعي أن يقدم فيها قيمة قابلة للقياس.

وتلعب التكلفة دوراً مؤثراً في هذه القرارات؛ فقد كشفت دراسة لشركة “كي بي إم جي” (KPMG) أن 49% من قادة الأعمال الذين شملهم الاستطلاع قد أعادوا النظر في استخدام وكلاء الذكاء الاصطناعي، أو قاموا بتأجيله أو تقليص الاعتماد عليه، لأن التكاليف المتوقعة بدأت تفوق القيمة المرجوة، كما يُعد الأمن عاملاً مهماً آخر، لا سيما مع ارتباط الذكاء الاصطناعي بمزيد من البيانات وأنشطة الأعمال اليومية، وعند العمل على نطاق واسع، تصبح التكلفة والأمن جزءاً من قرار واحد: أين ينبغي تشغيل أنظمة الذكاء الاصطناعي؟

هذا وقد لعبت الحوسبة السحابية دوراً جوهرياً في النمو السريع للذكاء الاصطناعي؛ فهي تتيح للمؤسسات الوصول إلى قدرات حوسبة هائلة وإمكانيات متطورة دون الحاجة إلى بناء تلك البنية التحتية بنفسها، وبالنسبة لأعباء العمل الكبيرة والمعقدة، تظل الحاجة إلى هذه الإمكانيات الواسعة أمراً ضرورياً.
غير أن كل مهمة يؤديها الذكاء الأصطناعي لها متطلبات مختلفة؛ إذ يمكن لبعض قدرات الذكاء الاصطناعي أن تعمل بالقرب من مواقع تواجد الموظفين ومواقع توليد البيانات، سواء كان ذلك مباشرة على أجهزة الحواسب الشخصية أو من خلال منصات العمل، أو ضمن بيئة تشغيل محلية.
وفيما يتعلق بالشركات، تكمن أهمية هذا النهج في جوانبه العملية وليس التقنية فحسب، عندما تكون سرعة الاستجابة أمراً بالغ الأهمية، يمكن أن تؤدي معالجة البيانات بالقرب من الجهاز إلى تحسين سرعة الاستجابة، وفي الحالات التي تتضمن معلومات حساسة، فإن إبقاء عمليات معالجة معينة قريبة من مصدرها يتيح تحكماً أكبر في كيفية انتقال البيانات، ومع تكرار استخدام قدرات الذكاء الاصطناعي ذاتها في المؤسسات الكبيرة، تزداد أهمية الجوانب الاقتصادية المتعلقة بمكان تنفيذ هذه المهام.
إن الأمر لم يعد يقتصر على الاختيار بين السحابة والمعالجة المحلية؛ فلكل منهما دور يؤديه، ولهذا يبرز “الذكاء الاصطناعي الهجين” (Hybrid AI) كمقاربة مفيدة لتحقيق هذا التوازن؛ إذ يتيح للشركات توزيع أعباء العمل المختلفة في البيئة الأكثر ملاءمة لها، فقد تكون المهام المعقدة التي تتطلب قدرات حوسبة هائلة مناسبة للسحابة، بينما قد تستفيد مهام أخرى -تتطلب سرعة استجابة عالية أو خصوصية أو تحكماً داخليًا- من التشغيل بالقرب من المستخدم النهائي.
وتشير التوجهات الاستثمارية إلى أن المزيد من المؤسسات بدأت تضع هذا التوازن في اعتبارها، إذ تتوقع مؤسسة IDC نمو الإنفاق العالمي على الحوسبة الطرفية (Edge Computing) بنسبة تقارب 14% سنوياً بين عامي 2025 و2028، ليصل إلى ما يقرب من 380 مليار دولار، كما تتوقع مؤسسة Gartner أن تقوم أكثر من 20% من المؤسسات بتشغيل بعض أعباء عمل الذكاء الاصطناعي محلياً بحلول عام 2028.
ويمكننا بالفعل ملاحظة القيمة العملية لهذا النهج في قطاعات متنوعة للغاية، فعلى سبيل المثال، قامت شركة “زها حديد للتصميم المعماري” (Zaha Hadid Architects) بتطوير نماذج ذكاء اصطناعي مخصصة محلياً باستخدام HP وكذلك HP AI Studio workstations، ودمجتهما مباشرة في سير عمل إنشاء التصميمات لديها، وقد أدى ذلك إلى تقليل الاعتماد على الموارد السحابية (التي تُحاسب الشركات بناءً على حجم استخدامها) في عمليات الاختبارات المكثفة، وتفيد الشركة بزيادة قدرها عشرة أضعاف في وتيرة مراحل تطوير وتعديل المشاريع الأولية، في حين أصبحت بعض عمليات التنسيق وتقديم الملاحظات -والتي كانت تستغرق سابقاً أسبوعاً كاملاً- تُنجز الآن في غضون يوم واحد.
ولا تقتصر العبرة المستفادة من ذلك على مجال الهندسة المعمارية فحسب؛ فالقرارات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي تكون أكثر فاعلية عندما تنطلق من طبيعة العمل المطلوب إنجازه، بدلاً من البدء بنموذج تقني مصمم مسبقاً.
وينطبق المبدأ ذاته على الشركات في مصر؛ إذ يجب أن تكون نقطة الانطلاق هي طبيعة العمل نفسه، بجانب تحديد المجالات التي تتطلب نطاقاً واسعاً توفره السحابة، وتلك التي يمكن فيها للمعالجة المحلية بالأجهزة تحسين سرعة الاستجابة أو مستوى التحكم، وأخيراً تقييم ما إذا كانت القيمة الناتجة تبرر حجم الاستثمار المطلوب.
ونحن في HP نؤمن بأن هذا هو المجال الذي يلعب فيه الذكاء الاصطناعي الطرفي (AI at the Edge) دوراً محورياً وهاماً، حيث يشمل نهجنا الأجهزة الذكية، ومنصات العمل، والبرمجيات، والأمن، والحلول الذكية في بيئة العمل؛ مما يمنح المؤسسات مرونة أكبر لاختيار البيئة الملائمة لكل مهمة، مع الاستمرار في الاعتماد على السحابة في المجالات التي تحقق فيها قدراتها ونطاقها الواسع أكبر قدر من الجدوى.
ومع تحول الذكاء الاصطناعي إلى جزء روتيني من الأعمال، لم يعد مجرد تبني هذه التقنية معياراً ذا دلالة حقيقية على التقدم؛ فالأهم هو القيمة التي يولدها الاستثمار في هذه التقنية، وبالنسبة للشركات في مصر، لا تقتصر الفرصة المتاحة حالياً على مجرد التوسع في استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، بل تمتد لتشمل اتخاذ قرارات أكثر ذكاءً بشأن تلك الأدوات والتطبيقات التي يمكن أن تُحدث الأثر الأكبر.
تحليل كتبه: بيتر أوجانيسيان
المدير الإداري لمنطقة الشرق الأوسط وشرق أفريقيا في شركة HP Inc.







