إذا كان خبر نجاح نموذج ذكاء اصطناعي قيد التجربة بالتحرر من القيود المفروضة عليه ثم شروعه في مهاجمة برنامج منافس، لا يدفعك إلى حال من الذعر المطلق، فاسمح لي أن أسأل: هل أنت متأكد حقاً من أنك إنسان
فقد أفادت التقارير أن أحد نماذج الذكاء الاصطناعي الأكثر تقدماً في شركة “أوبن أي آي” وجد طريقة للتحايل على القيود المفروضة عليه واقتحم أنظمة تابعة لشركة ومنصة متخصصة في الذكاء الاصطناعي، تحمل اسماً جذاباً هو “هاجينج فيس”.
وقال رئيس شركة هاجينج فيس كليمنت ديلانج، في منشور له على منصة “إكس” إنه اعتبر “حدوث هذا الأمر من دون تدخل بشري شيئاً خارقاً”.
حسناً، أنا لم أجده خارقاً، وأنا مدهوش من أن تطبيق “تشات جي بي تي” التابع لـ”أوبن أي آي” قد بدأ في محاكاة صفات بشرية جديرة بالإعجاب مثل الإبداع والتمرد وحتى الكسل.
لا أظن أن “تشات جي بي تي” أتقن بعد دقائق اللغة الإنجليزية العامية تماماً، وربما تساعده قراءة هذا المقال على ذلك، لكنه في هجومه المنفلت على الإنترنت بدا وكأنه لم يكن راغباً في بذل جهد أكبر من اللازم، وقرر أن لديه أموراً أهم يشغل نفسه بها، لكن الخلاصة أنه أنجز المهمة في نهاية المطاف. أحسنت يا “تشاترز” [نسبة إلى تشات جي بي تي]!
ربما يبدو هذا كلاماً طائشاً بعض الشيء، لكن علينا أن ننظر إلى الأمر ضمن سياقه الصحيح. كل تقنية طورها البشر كانت ذات حدين. من النار إلى العجلة ومحرك الاحتراق الداخلي والتلفزيون (الذي كان من المفترض أن يفسد عقول الأطفال)، والبارود والانشطار النووي وشطيرة الهامبرغر، ويمكننا إضافة المطبعة إلى اللائحة. ربما باستثناء البنسلين (الذي لا عيوب فيه، أليس كذلك؟)، لكنكم تفهمون قصدي. يمكن لأي شخص أن يشعر بالرعب من الأشياء الجديدة.
في تسعينيات القرن الـ19، أقر البريطانيون قانوناً ينص على أن أي عربة لا يجرها حصان (أي “سيارة”) يجب أن يتقدمها رجل بمسافة 60 ياردة (55 متراً) حاملاً راية حمراء لتحذير الآخرين من اقتراب هذه الآلة الخطرة. وقد حددت سرعتها عند 3 كلم/الساعة داخل المدينة و6 كلم/الساعة في الريف، لكننا سرعان ما تجاوزنا تلك المرحلة، وتعلمنا كيف نستفيد من السيارة إلى أقصى درجة، والآن نتعلم بصورة متزايدة كيف نثق في قدرتها على قيادة نفسها بنفسها. نحن الآن نوجهها نحو مستقبل أكثر هدوءاً وأقل تلويثاً وأكثر استدامة ويعتمد على الكهرباء.
صحيح أن الذكاء الاصطناعي تقنية فريدة من جهة قوتها وانتشارها، وأنها تطرح تحديات أعظم بكثير، لكن لا بد من أن المبدأ هو نفسه في النهاية. علينا أن نتكيف معها ونديرها عندما تتحول إلى مشكلة، كأي شيء آخر. يمكننا استخدام الذكاء الاصطناعي للتحكم في الذكاء الاصطناعي، حتى لو تحول الأمر إلى لعبة كر وفر لا تنتهي، وهو ما سيحدث حتماً. ما زلنا في المراحل الأولى، ونفترض أن الذكاء الاصطناعي خبيث بطبيعته وبالضرورة، لكنه ليس كذلك، ليس أكثر خطورة من أي سلاح ناري، على سبيل المثال.
والسبب الآخر الذي يجعلنا مضطرين إلى تعلم كيفية تحقيق الاستفادة القصوى من الذكاء الاصطناعي – بما في ذلك تأثيراته الاقتصادية – هو أننا لا نملك أي خيار آخر. فقد خرج الجني من القمقم ولا يمكن كبته، حتى لو أردنا ذلك ولو وضعنا الأطر الدولية اللازمة للقيام بذلك، وهي أطر لا تزال غائبة على رغم المبادرات البريطانية القوية التي اتخذها ريشي سوناك، الذي يدرك أهميتها الحقيقية.
يمكن للذكاء الاصطناعي أن ينقذنا من حال الخمول التي نعانيها حالياً من انخفاض الإنتاجية وركود مستويات المعيشة، وأن يطلق العنان لثورة صناعية أخرى، يمكن من خلالها للروبوتات أن تقوم بتنظيف المراحيض وقيادة سيارات الأجرة وتحليل الفحوصات الطبية، ويمكن لمساعد من الذكاء الاصطناعي أن يتولى إعداد إقراراتك الضريبية – مما يحررنا نحن البشر لخلق جنتنا الرائعة من أوقات الفراغ والمتعة.
سنحتاج إلى نظام يضمن إعالة الأشخاص الذين لم يعد بإمكانهم الحصول على وظائف في هذا المستقبل المليء بالإمكانات، ويضمن ألا يتركز الدخل والثروة بصورة جنونية في أيدي مالكي رأس المال الجديد.
ليس من الضروري أن نخشى عالماً مختلفاً جذرياً – ولكن، حتى لو كان هذا العالم مخيفاً، فهو في طريقه إلينا على أي حال.





