Follow ICT
شعار الموقع الاساسى
جايزة 160
جايزة 160

مصر في قلب حركة البيانات.. الكابلات البحرية تشعل معركة النفوذ الرقمي تحت سطح المياه

لم تعد الحروب الحديثة تُخاض بالسلاح وحده، ولا تُقاس قوة الدول بحجم جيوشها أو ناتجها المحلي فقط، بل بقدرتها على التحكم في شرايين البيانات التي تغذي الاقتصاد العالمي، ففي أعماق البحار، حيث تمتد الكابلات البحرية عبر آلاف الكيلومترات، تُدار اليوم واحدة من أخطر معارك النفوذ في القرن الحادي والعشرين: معركة السيطرة على تدفقات البيانات العابرة للقارات.

هذه الكابلات، التي تنقل ما يقرب من 99% من حركة الإنترنت الدولية، لم تعد مجرد بنية تحتية تقنية، بل تحولت إلى أصل سيادي بالغ الحساسية، يشكل العمود الفقري لكل ما يرتبط بالاقتصاد الرقمي العالمي، من التجارة الإلكترونية والخدمات السحابية، إلى الذكاء الاصطناعي، والبنوك، والأسواق المالية، وحتى الأمن القومي للدول.

في هذا السياق، لم يكن الإعلان عن مشروع «بلو رامان» الذي تقوده شركة جوجل في المنطقة مجرد خطوة تقنية أو توسع تجاري عابر، بل رسالة واضحة بأن خريطة الإنترنت العالمية تدخل مرحلة إعادة تشكيل، تتداخل فيها اعتبارات التكنولوجيا مع السياسة والاقتصاد والجغرافيا، (مشروع يستهدف ربط أوروبا بالهند مرورًا بالشرق الأوسط)، ويعكس سعي عمالقة التكنولوجيا إلى تنويع مساراتهم وتقليل المخاطر الجيوسياسية، في منطقة باتت إحدى أكثر مناطق العالم حساسية لحركة البيانات.

مسار «بلو رامان»
مسار «بلو رامان»

غير أن قراءة هذه التحركات بمعزل عن الدور المحوري الذي تلعبه مصر في منظومة الكابلات البحرية العالمية تظل قراءة منقوصة فمصر، بحكم موقعها الجغرافي الفريد الذي يربط بين ثلاث قارات، لم تعد مجرد نقطة عبور عابرة، بل عقدة مركزية في شبكة البيانات الدولية، تمر عبر مياهها الإقليمية نحو 20 كابلًا بحريًا (5 منها قيد الإنشاء)، تنقل ما يقرب من 90% من حركة البيانات بين الشرق والغرب، مستندة إلى استثمارات مبكرة في البنية التحتية، وخبرة تشغيلية تراكمت عبر سنوات طويلة.

من هنا، تتحول معركة الكابلات البحرية من سباق تقني إلى صراع نفوذ، لا يُقاس بعدد الكابلات وحدها، بل بقدرة الدول على دمج الجغرافيا بالتكنولوجيا، وتحويل مرور البيانات إلى قيمة اقتصادية واستراتيجية مستدامة، وهو ما تضعه مصر اليوم في قلب واحدة من أهم معارك الاقتصاد الرقمي العالمي… تلك التي تدار بصمت، تحت سطح المياه.

شراكات دولية وإقليمية

شهدت الدولة المصرية خلال السنوات الأخيرة تحركات متسارعة لعقد شراكات دولية وإقليمية في مجال الكابلات البحرية، بما يعزز فرص استثمار مصر في هذا القطاع الحيوي، ويدعم أهداف التنمية، ويخدم مخططات الدولة لتحويل مصر إلى مركز إقليمي لمراكز البيانات، التي بلغ حجم سوقها عالميًا نحو 125.35 مليار دولار في عام 2024، ومن المتوقع أن يصل إلى نحو 364.62 مليار دولار بحلول عام 2034.

وقد تعزز هذا الوزن الاستراتيجي مؤخرًا مع الإعلان عن الانتهاء من الربط البحري المباشر بين مصر والأردن عبر كابل «كورال بريدج»، الذي تم إنزاله في مدينتي طابا والعقبة. ولم يُنظر إلى هذا المشروع من قبل الخبراء بوصفه مشروعًا ثنائيًا فحسب، بل كحلقة جديدة في استراتيجية أوسع تستهدف زيادة كثافة المسارات وتعددها، بما يقلل من مخاطر الانقطاعات ويعزز مكانة مصر كمركز موثوق لحركة البيانات.

وتُعد الشركة المصرية للاتصالات أحد أكبر مشغلي مسارات الكابلات البحرية عالميًا، إذ تشارك وتشغل مجموعة من أهم أنظمة الربط الدولي المارة عبر الأراضي المصرية، من بينها كابلات SEA-ME-WE التي تربط آسيا بأوروبا عبر البحرين الأحمر والمتوسط، وكابل AAE-1 الممتد من شرق آسيا إلى أوروبا، فضلًا عن كابل «مينا» الذي يعزز الربط بين أوروبا والشرق الأوسط والهند. كما تشارك الشركة في كابلات أحدث مثل PEACE وAfrica-1، وأعلنت مؤخرًا اكتمال البنية التحتية الرئيسية للكابل البحري 2Africa، الذي يضع معيارًا جديدًا للربط البحري عالميًا.

محطة انزال للمصرية للاتصالات

ووفقًا للخبراء، فإن التحركات الأخيرة لبعض شركات التكنولوجيا العالمية، وعلى رأسها جوجل، لفرض واقع جديد في المنطقة، تبقى محدودة التأثير. إذ ستظل منطقة شرق المتوسط والبحر الأحمر نقطة اختناق استراتيجية لحركة البيانات العالمية، وستبقى مصر عنصرًا مركزيًا في أي خريطة مستقبلية للكابلات البحرية، حتى مع ظهور مسارات جديدة، مؤكدين أن تنويع المسارات لا يعني إلغاء المسارات القائمة، بل زيادة مرونة الشبكة العالمية وتقليل المخاطر.

خريطة البيانات العالمية

وأشار الخبراء إلى أن أي حديث عن تجاوز مصر في خريطة البيانات العالمية يتجاهل التعقيدات الهائلة المرتبطة بإنشاء بدائل كاملة للمسار المصري، سواء من حيث التكلفة أو الوقت أو التحديات السياسية والتنظيمية. كما أوضحوا أن المشروعات البديلة، مهما بلغت ضخامتها، ستظل بحاجة إلى التكامل مع المسارات المصرية، لا سيما في ظل التوسع الكبير في مراكز البيانات داخل مصر.

ويشهد عدد مراكز البيانات في مصر أسرع معدل نمو في أفريقيا، إذ يُتوقع أن يبلغ معدل النمو السنوي المركب أكثر من 12% حتى عام 2025، مقارنة بمتوسط عالمي يبلغ 6.4%، مع توقع وصول القيمة السوقية إلى نحو 745.6 مليون دولار بحلول عام 2033، مقابل 297.8 مليون دولار في عام 2023. وتُعد مراكز البيانات الركيزة الأساسية للاقتصاد الرقمي، الذي يساهم بنحو 15% من إجمالي الناتج المحلي العالمي وفق بيانات البنك الدولي، مع توقع ارتفاع هذه النسبة إلى نحو 30% بحلول عام 2030، وخلق ما يقرب من 30 مليون فرصة عمل.

وأكد الدكتور عمرو طلعت، وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في أكثر من مناسبة، أن مصر تُعد أحد أهم مراكز عبور البيانات عالميًا، ونقطة التقاء رئيسية للكابلات البحرية بين آسيا وأوروبا وأفريقيا، مشيرًا إلى أن الدولة لا تتعامل مع هذا الواقع باعتباره معطى ثابتًا، بل كفرصة استراتيجية تعمل على تعظيمها من خلال التوسع في مراكز البيانات وتحديث البنية التحتية الرقمية.

ويتقاطع هذا التوصيف مع ما أورده مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء، الذي وصف مصر بأنها إحدى الدول الإفريقية الرائدة كمركز رئيسي للكابلات البحرية، مستندًا إلى بيانات تُظهر أن 37 من أصل 38 دولة إفريقية ساحلية تمتلك كابلات بحرية، مع تمركز الثقل الأكبر في دول محددة، على رأسها مصر، إلى جانب جنوب إفريقيا وكينيا ونيجيريا وجيبوتي. غير أن الفارق الجوهري، بحسب محللي المركز، يتمثل في أن مصر لا تمثل مجرد نقطة وصول للقارة الإفريقية، بل بوابة عبور رئيسية بين ثلاث قارات.

كما تناول مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) في واشنطن حالة مصر باعتبارها نموذجًا فريدًا في منظومة الكابلات البحرية، موضحًا أن البلاد تجمع بين الجغرافيا والخبرة التشغيلية والاستقرار النسبي للبنية التحتية، ما يجعلها شريكًا ضروريًا للشركات العالمية حتى في ظل سعيها لتنويع مساراتها.

الكابلات البحرية
مد الكابلات البحرية- أرشيفية

وفي السياق ذاته، كشفت تحليلات صحيفة وول ستريت جورنال حول مشروع «بلو رامان» أن المشروع لا يستهدف إقصاء المسارات القائمة، بل تقليل المخاطر الجيوسياسية وزيادة المرونة التشغيلية، مشيرة إلى أن أي مسار جديد سيظل مرهونًا بالحصول على موافقات تنظيمية معقدة، وبالاستقرار الإقليمي، وهو ما يجعل الاعتماد الكامل على مسار واحد خيارًا محفوفًا بالمخاطر.

وتتجاوز قوة مصر في ملف الكابلات البحرية دورها التقليدي كنقطة عبور، لتصل إلى قلب الصناعة ذاتها، بعد دخولها رسميًا مجال تصنيع الكابلات البحرية عبر إنشاء أول مصنع من نوعه في المنطقة بمدينة دمياط، باستثمارات تقترب من 500 مليون دولار، بالشراكة بين وزارة النقل والشركة القابضة للنقل البحري وشركة السويدي إليكتريك. هذا المشروع يجعل مصر سادس دولة عالميًا تمتلك هذه القدرة الصناعية المتقدمة، والأولى في الشرق الأوسط وأفريقيا، ويستهدف تصدير كامل إنتاجه للأسواق الدولية، بما يعزز موقعها كمركز إقليمي لسلاسل إمداد البنية التحتية الرقمية والطاقة.

مراكز البيانات العملاقة

ويتكامل هذا التحول مع التوسع المتسارع في مراكز البيانات العملاقة التي تنفذها مصر، والتي تسجل أعلى معدلات نمو في أفريقيا، لتنتقل البلاد من مجرد ممر لحركة البيانات إلى منصة متكاملة لاستضافتها ومعالجتها، في خطوة تضيف قيمة اقتصادية واستراتيجية حقيقية وتدعم قدرتها على الحفاظ على ريادتها في سوق الكابلات البحرية العالمي.

من جانبه أكد الدكتور حمدي الليثي، نائب رئيس غرفة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات السابق، أن مصر تمتلك مقومات فريدة تؤهلها لتكون مركزًا عالميًا لحركة البيانات، مستندة إلى موقعها الجغرافي الاستثنائي الذي جعلها تاريخيًا ممرًا ملاحيًا عالميًا عبر قناة السويس، ويمنحها اليوم فرصة مماثلة في عالم الكابلات البحرية وتبادل البيانات.

وأوضح الليثي أن الموقع الجغرافي لمصر يؤهلها لتكون من أهم مقرات ومسارات الكابلات البحرية على مستوى العالم، مشيرًا إلى وجود خطوات وتحركات جادة من الدولة خلال الفترة الأخيرة لزيادة عدد هذه الكابلات وتعزيز البنية التحتية الرقمية. إلا أنه شدد في الوقت نفسه على أن المرحلة المقبلة تتطلب تهيئة مناخ استثماري جاذب، خاصة فيما يتعلق بالتشريعات المنظمة وقوانين حماية وتداول البيانات، لافتًا إلى أن هذه القوانين باتت عنصرًا حاسمًا في قرارات الشركات العالمية عند اختيار مقراتها ومسارات استثماراتها.

وأضاف أن مصر قادرة على استثمار هذه المزايا في تأسيس مراكز بيانات عملاقة، على غرار نموذج قناة السويس، ليس فقط كممر لعبور الكابلات، وإنما كمركز يقدم خدمات ذات قيمة مضافة. وأشار إلى أن تقديم خدمات إضافية مرتبطة بالكابلات البحرية يمكن أن يحول مصر إلى معبر رئيسي للبيانات، لا سيما نحو القارة الأفريقية التي تمثل سوقًا واعدة في مجال تكنولوجيا المعلومات، مؤكدًا أن الكفاءات البشرية المصرية قادرة على تحقيق عوائد تعادل عشرة أضعاف العائد الناتج عن مجرد مرور الكابل عبر الأراضي المصرية.

الدكتور حمدي الليثي
الدكتور حمدي الليثي

ونوه الليثي إلى أن الدولة المصرية تأخرت نسبيًا في الانطلاق بمجال مراكز البيانات العملاقة خلال السنوات الماضية، إلا أن الفرصة ما زالت قائمة للحاق بالركب وتحويل مصر إلى مركز إقليمي مؤثر، شريطة الإسراع بتهيئة البيئة العامة للاستثمار وتكامل الجهود بين الجهات المعنية.

وفيما يتعلق بالمنافسة الإقليمية، شدد نائب رئيس غرفة الاتصالات السابق على أنه لا توجد دولة مؤهلة حاليًا لمنافسة مصر في هذا المجال إذا ما تم تبني الخطوات الصحيحة، مؤكدًا أن الوضع الجغرافي والبنية الأساسية يؤهلان مصر لتكون في الصدارة إقليميًا وعالميًا مع مزيد من التركيز والاهتمام. وأشار إلى أن توجه الشركة المصرية للاتصالات نحو عقد شراكات استراتيجية وإطلاق كابلات بحرية جديدة يسهم بشكل رئيسي في تلبية احتياجات العملاء الدوليين، ويحد في الوقت ذاته من فرص المنافسين الإقليميين.

ولفت إلى أن دراسات دولية عدة ترصد تصاعد حدة المنافسة في ملف الكابلات البحرية بالمنطقة، في ظل تحركات تقودها دول مثل المغرب وقطر وإسرائيل، التي تسعى كل منها لاستغلال موقعها الجغرافي لتعزيز دورها في صناعة واستضافة البيانات. وأوضح أن هذا التنافس يأتي مدفوعًا بسعي الشركات العالمية إلى تنويع مسارات الكابلات، وتخفيف الضغط والتكدس في بعض المناطق، والبحث عن بدائل أقل تكلفة وأكثر أمانًا.

إنشاء كابلات جديدة

وأكد الليثي على حتمية التعامل مع ملف الكابلات البحرية بمنهج ديناميكي، يقوم على التوسع المستمر في إنشاء كابلات جديدة لمواكبة النمو المتسارع في الطلب، خاصة في المنطقة والقارة الأفريقية. كما شدد على ضرورة إعداد دراسات دقيقة تحدد البدائل الممكنة في حال تعرض أي كابل للقطع، على أن تشمل هذه الدراسات حسابات علمية تتعلق بحجم الاستخدام الحالي والمتوقع، ومعدلات التطور، وزيادة أعداد المشتركين، والتوسع في التطبيقات الرقمية المستخدمة من قبل المواطنين.

وأشار إلى أهمية التكامل بين الشركات العاملة في قطاع الاتصالات لتعزيز قوة واستدامة البنية التحتية المصرية وفقًا للمعايير العالمية، مع ضرورة إتاحة مساحة أكبر للقطاع الخاص للمشاركة في تطوير الشبكات ومد كابلات الألياف الضوئية. وأكد أن الشركة المصرية للاتصالات بذلت جهودًا كبيرة في هذا المجال، إلا أن التطوير المستمر لهذه الشبكات يتطلب استثمارات ضخمة تُقدر بمليارات الدولارات على المدى الطويل.

واختتم الدكتور حمدي الليثي تصريحاته بالتأكيد على أن الدولة شهدت خلال الفترة الماضية نشاطًا إيجابيًا في تدشين مراكز البيانات العملاقة، التي تمثل أحد أهم عناصر تعظيم العوائد المرتبطة بالكابلات البحرية، من خلال تقديم خدمات القيمة المضافة عبر مساراتها. وأوضح أن الدراسات تشير إلى أن عدد مراكز البيانات في مصر يشهد أسرع معدل نمو في أفريقيا، مع توقعات بأن يتجاوز معدل النمو السنوي المركب 12% بنهاية عام 2025، مقارنة بمتوسط عالمي يبلغ نحو 6.4%، وهو ما يعكس فرصة حقيقية لتعزيز مكانة مصر كمركز إقليمي وعالمي للبيانات.

خالد نجم
خالد نجم

من جانبه قال المهندس خالد نجم وزير الاتصالات السابق، إن إنزال الكابل البحري عالي السعة كورال بريدج في مدينة طابا ليس مجرد إضافة تقنية، بل هو إعلان سيادة يعزز من دور مصر كحلقة وصل في جغرافيا البيانات العالمية، ويربط المشرق العربي بالمنظومة الدولية عبر مسارات بديلة تمنح كبار مزودي الخدمات السحابية والذكاء الاصطناعي صمام أمان لا يمكن تجاوزه، مما يرسخ مكانة مصر كمعبر لا غنى عنه لحركة البيانات الدولية.

وأشار إلى أن المنافسة اليوم لم تعد على طول الكابلات، بل على زمن الاستجابة وقدرة الدول على الصمود أمام المتغيرات الجيوسياسية، مؤكداً أن مصر تمتلك العمق التاريخي الرقمي الذي يجعل أي محاولات لخلق مسارات بديلة مجرد محاولات تكميلية لن تصل أبداً لمرتبة المسار المصري الأصيل.

وأكد نجم أن الفلسفة التي تدار بها البنية التحتية المصرية حاليا انتقلت من منطق الممر إلى منطق المقر، حيث يتم توفير حوافز استثنائية تجذب عمالقة التكنولوجيا لإقامة مراكز معلوماتهم الدولية بجوار نقاط الإنزال، مستغلةً التميز الجغرافي الفريد بين البحرين الأحمر والمتوسط.

وأضاف أن التحدي الحقيقي الذي تغلبت عليه مصر هو تحويل التهديدات التنافسية إلى فرص تكاملية، فكل كابل جديد يدخل الخدمة هو بمثابة عصب إضافي يقوي جسد الشبكة المصرية ويحد من فرص المنافسين في تقديم بدائل ذات جدوى اقتصادية أو تقنية مماثلة، منوها إلي أن صناعة الكابلات البحرية في مصر هي السلاح السري الجديد في معركة النفوذ الرقمي، حيث أن امتلاك القدرة على التصنيع والتشغيل معا يمنحنا استقلالية استراتيجية تضع مصر في نادي الكبار، وتجعلها المحرك الرئيسي لسلاسل الإمداد الرقمية في المنطقة.

ونوه إلى أن تطبيقات الذكاء الاصطناعي التي تستهلك كميات ضخمة من البيانات لا يمكنها العمل بكفاءة دون المرور عبر عنق الزجاجة المصري، مما يجعل من مصر المتحكم الخفي في جودة وسرعة الثورة التكنولوجية القادمة في القارة الأفريقية والشرق الأوسط.

واختتم تصريحاته بالتأكيد على أن الريادة المصرية ليست قدراً ثابتاً بل هي نتاج ديناميكية مستمرة، مشدداً على أن الدولة تعيد صياغة خريطة الإنترنت العالمية عبر دمج الجغرافيا بالتكنولوجيا، لتظل مصر دائماً هي نقطة الالتقاء التي يبدأ منها وينتهي إليها تدفق البيانات العالمي.

الدكتور محمد عزام
الدكتور محمد عزام

من جانبه قال الدكتور محمد عزام، خبير تكنولوجيا المعلومات، أن معركة الكابلات البحرية لا يمكن فصلها عن التحول العالمي نحو اقتصاد قائم على البيانات، موضحًا أن الدول لم تعد تتنافس فقط على مرور البيانات عبر أراضيها، بل على امتلاك القدرة على إدارتها وتخزينها وتحليلها وتحويلها إلى قيمة اقتصادية وسيادية، مؤكدا أن الخطوات التي اتخذتها مصر خلال السنوات الأخيرة في ملف مراكز البيانات تعكس إدراكًا متقدمًا لطبيعة هذا التحول، خاصة أن عددًا محدودًا من دول العالم يمتلك بنية معلوماتية متكاملة قادرة على استيعاب هذا الحجم المتنامي من البيانات.

وأضاف أن التوسع في إنشاء مراكز البيانات، بالتوازي مع تعزيز مسارات الكابلات البحرية، يمنح الدولة قدرة أكبر على التخطيط الاستراتيجي، واستشراف التحديات المستقبلية، واتخاذ قرارات مبنية على تحليل البيانات، فضلًا عن بناء سيناريوهات للتعامل مع الأزمات، مؤكدا على أن توطين البيانات داخل الحدود المصرية لم يعد خيارًا تقنيًا فقط، بل يمثل أحد مكونات الأمن القومي، في ظل تصاعد أهمية البيانات كأصل استراتيجي، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على سرعة وجودة الخدمات الرقمية، ودفع مسار التحول الرقمي وزيادة الصادرات التكنولوجية.

وجاء أبرز هذه الخطوات في افتتاح الرئيس السيسي العام الماضي مركز البيانات والحوسبة السحابية الحكومية بطريق العين السخنة، ومركز البيانات الرئيسي للدولة ومركز البيانات التبادلي بالتعاون مع ما يزيد على 30 شركة عالمية متخصصة، وتوقيع الحكومة مراسم توقيع عقد الأرض الخاصة بإنشاء مركز كيميت للبيانات داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس بتكلفة مليار دولار لتقديم خدمات الحلول السحابية وإنترنت الأشياء والتحول الرقمي

فرصة حقيقية

ولفت عزام أن الربط العضوي بين الكابلات البحرية ومراكز البيانات العملاقة يمثل حجر الزاوية في الحفاظ على الريادة المصرية في هذا الملف، موضحًا أن الكابلات بدون مراكز بيانات متطورة تظل مجرد مسارات عبور، بينما تتحول إلى مصدر قوة حقيقية عندما ترتبط بمنصات قادرة على الاستضافة والمعالجة وتقديم الخدمات السحابية، مؤكدا على أن مصر تمتلك فرصة حقيقية للتحول من مجرد ممر لحركة البيانات العالمية إلى مركز إقليمي لتجميعها وإعادة توزيعها، خاصة مع الموقع الجغرافي الفريد الذي يضعها في قلب حركة البيانات بين الشرق والغرب وأفريقيا.

وأكد  عزام أن مراكز البيانات باتت عنصرًا محوريًا في صياغة الاستراتيجيات الوطنية بمختلف القطاعات، من الصحة والتعليم إلى الخدمات الحكومية والمالية، فضلًا عن دورها في دعم الشركات الصغيرة والمتوسطة وقطاع الأعمال، عبر تقديم خدمات الاستضافة والحوسبة السحابية، بما يسهم في تحسين جودة الخدمات الرقمية وجذب الشركات الدولية الباحثة عن بنية تحتية مستقرة وقريبة من الأسواق الناشئة.

وفيما يتعلق بالشق البشري، شدد خبير تكنولوجيا المعلومات على أن نجاح هذه المنظومة المتكاملة، التي تجمع بين الكابلات البحرية ومراكز البيانات، يتطلب استثمارًا مستمرًا في تأهيل الكفاءات البشرية، لافتًا إلى أن هذه الصناعة تعتمد على كوادر مدربة في مجالات متقدمة مثل أمن المعلومات، وتطوير التطبيقات، وإدارة الشبكات، وتحليل البيانات.

ولفت عزام إلى أن أحد المستهدفات الرئيسية لمراكز البيانات والحوسبة السحابية الحكومية يتمثل في الربط والتكامل بين الجهات الحكومية المختلفة ضمن شبكة وطنية موحدة، تعتمد على مسارات الكابلات والألياف الضوئية، بما يتيح توفير بيانات اقتصادية واجتماعية وتكنولوجية محدثة لصناع القرار في القطاعين العام والخاص، ويسهم في رفع كفاءة الإدارة الحكومية وتحسين جودة السياسات العامة.

وأشار إلي أن امتلاك بنية قوية من الكابلات البحرية ومراكز البيانات يفتح الباب أمام مصر لتكون وجهة إقليمية لتصدير التكنولوجيا عالية القيمة، خاصة في ظل الدعم السياسي الواضح لتوطين الصناعات الرقمية وتقديم حوافز استثمارية للشركات العالمية والمحلية. كما يشدد على أهمية التوسع في الاستثمار بتقنيات الذكاء الاصطناعي، التي تعتمد في جوهرها على البيانات وقدرات المعالجة، موضحًا أن الإنفاق العالمي في هذا المجال يقترب من 100 مليار دولار سنويًا، ما يجعل من امتلاك بنية تحتية متكاملة للبيانات شرطًا أساسيًا لدخول هذه المنافسة، وليس مجرد خيار إضافي، وهو ما يعزز من فرص مصر في الحفاظ على موقعها المتقدم في معركة النفوذ الرقمي تحت سطح البحر.

فرص عمل نوعية 

من جانبها، أكدت المهندسة هالة الجوهري، الرئيس التنفيذي الأسبق لهيئة تنمية صناعة تكنولوجيا المعلومات “إيتيدا”، أن عبور الكابلات البحرية عبر الأراضي المصرية ليس مجرد إنجاز هندسي، بل هو قاطرة تشغيل ستغير حياة آلاف الأسر المصرية؛ موضحة أن التوسع في مراكز البيانات المعتمدة دولياً، مثل مركز البيانات الموحد بالعاصمة الإدارية ومركز العين السخنة، يمثل النواة الحقيقية لتوفير فرص عمل تكنولوجية فائقة الجودة للشباب المصري برواتب تُقدر بآلاف الدولارات، مما يسمح للمبتكرين بالعمل في كبرى الشركات العالمية مثل “جوجل ومايكروسوفت” وهم في قلب وطنهم، دون الحاجة للاغتراب أو الهجرة.

وأشارت إلى أن هذا الحراك الرقمي سينعكس مباشرة على مائدة المواطن وجودة حياته اليومية، حيث إن ربط مراكز البيانات بشبكة الألياف الضوئية الممتدة والمدعومة بالكابلات البحرية، يؤدي تلقائياً إلى تحسين جودة الإنترنت المنزلي وسرعاته بشكل غير مسبوق، مما يجعل من مصر بيئة مثالية لنمو اقتصاد العمل الحر وريادة الأعمال، ويحول كل منزل مصري إلى وحدة إنتاجية مرتبطة بالسوق العالمي لحظة بلحظة.

وأوضحت أن هناك توافقاً استراتيجياً بين طموح مصر كمركز للطاقة المتجددة وريادتها كمركز للبيانات، حيث إن مشروعات الطاقة الشمسية والرياح الضخمة مثل “بنبان” هي التي ستغذي مراكز البيانات العالمية بالطاقة النظيفة؛ مؤكدة أن هذا “التحالف الأخضر الرقمي” هو الجاذب الرئيسي لشركات (الهايبر سكيلرز) العالمية التي تشترط وجود طاقة مستدامة، وهو ما يضع مصر في مرتبة المنافسة الدولية التي تتجاوز مجرد الموقع الجغرافي إلى تكامل الموارد.

المهندسة هالة الجوهري
المهندسة هالة الجوهري

ولفتت إلى أن الدولة قطعت شوطاً كبيراً في تهيئة البيئة التشريعية، خاصة مع إطلاق سياسة (السحابة أولاً)، لكنها شددت على أن المرحلة المقبلة تتطلب قفزات نوعية في آليات تطبيق قانون حماية البيانات، وتوفير حوافز استثمارية ضخمة تشمل تسهيلات استيراد المعدات التقنية؛ فالمستثمر الدولي يبحث عن الوضوح التنظيمي بقدر بحثه عن سرعة الإنترنت، وهو ما تعمل عليه الدولة حالياً لتعزيز الثقة في الاقتصاد الرقمي المصري.

ونوهت الجوهري إلى أن التحدي الفني الأبرز يكمن في بناء “الكوادر البشرية المتخصصة”، داعية إلى توسيع برامج التدريب في مجالات هندسة التبريد المتقدمة وإدارة مراكز البيانات عالية الأداء؛ حيث إن هذه الوظائف تمثل “مهن المستقبل” التي تضمن استقراراً مالياً كبيراً للشباب المصري، وتجعل من مصر المُصدر الأول للكفاءات التقنية في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا.

وأكدت أن الشركة المصرية للاتصالات تمتلك خبرة واسعة تجعلها الذراع الحكومية القوية في هذا القطاع، لكنها شددت في الوقت نفسه على أهمية تنويع اللاعبين في السوق لضمان المنافسة وجذب رؤوس الأموال الدولية؛ فكلما زاد عدد مراكز البيانات العالمية على أرض مصر، زادت المنافسة لتحسين جودة الخدمة للمواطن المصري، وانخفضت تكاليف التكنولوجيا بالنسبة للشركات الناشئة المحلية.

بينما تحاول مشروعات مثل بلو رامان البحث عن مسارات لتنويع المخاطر، تظل الحقيقة الفنية تؤكد أن المسار المصري هو الأقصر والأكثر أماناً وفقا للمهندس محمد الحارثي، خبير تكنولوجيا المعلومات،مشيرا إلي أن الخطوات الأخيرة للدولة ممثلة في الشركة المصرية للاتصالات وأخرها مشروع كورال بريدج يمثل الرد العملي والمدروس على محاولات إعادة تشكيل خارطة البيانات الإقليمية، حيث يثبت أن مصر لا تكتفي بموقعها، بل تطور أدواتها لتقديم خدمات إنزال وتشغيل متفوقة تجعل من الصعب على أي مشغل عالمي البحث عن بديل يتمتع بنفس الموثوقية.

فلسفة المنافسة

وأشار إلى أن فلسفة المنافسة الحالية تقوم على تعدد المسارات، ومصر بذكائها الاستراتيجي أصبحت هي الشبكة العنكبوتية التي تحتضن كافة المسارات؛ فبدلاً من صراع المسارات، جعلت مصر من نفسها الوجهة التي تتلاقى فيها كافة الطموحات الدولية.

محمد الحارثي
محمد الحارثي

وأكد الحارثي، أن مصر تمتلك القوة الناعمة الرقمية المتمثلة في الكوادر البشرية والخبرات التنفيذية التي تدير أعقد العمليات تحت سطح البحر، وهو ما لا يمكن شراؤه بالمال أو استبداله بالتقنيات الحديثة مضيفا أن ما يحدث الآن هو انتقال من جغرافيا المكان إلى جغرافيا البيانات، حيث تنجح الدولة في تحويل كل كيلومتر من سواحلها إلى أصل اقتصادي يدر عوائد دولارية مستدامة.

وتابع أن التوجه نحو توطين البيانات سيحول البلاد إلى “مستودع البيانات الأضخم” في أفريقيا، مؤكداً في ختام حديثه أن مصر تسبق الجميع بخطوات عبر دمج التصنيع مع الاستضافة والتشغيل، لتخلق منظومة قوة رقمية تجعل تجاوزها ضرباً من الخيال.

سلسلة القيمة الرقمية

وفي السياق ذاته، أكد المهندس محمد عبد الفتاح، خبير التكنولوجيا وأمن المعلومات، أن التحدي الحقيقي أمام مصر لا يتمثل فقط في الحفاظ على دورها كممر رئيسي للكابلات البحرية، بل في قدرتها على الانتقال إلى مرحلة أعلى من سلسلة القيمة الرقمية وتعمل على استباق التحولات عبر شراكات دولية ذكية، وبيئة تنظيمية جاذبة، واستثمارات مستدامة في البنية التحتية الرقمية ذات القيمة المضافة العالية.

ولفت إلي أن التوسع المصري في إنشاء مراكز البيانات يمثل خطوة نوعية متقدمة للحفاظ على مكانة مصر كدولة رائدة في مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، ودعامة أساسية لدورها المحوري في منظومة الكابلات البحرية الإقليمية والدولية منوها إلي إلى أن مراكز البيانات والحوسبة السحابية التي أطلقتها مصر أسهمت في رفع وزنها الاستراتيجي إقليميًا، ليس فقط كممر لعبور البيانات، وإنما كدولة قادرة على استضافتها وتأمينها وفق أعلى المعايير الدولية.

وأوضح عبد الفتاح ، أن هذه المراكز أُنشئت لضمان تطبيق أفضل ممارسات حوكمة البيانات، واعتمدت على أحدث النظم والمعايير الهندسية العالمية، بما يجعلها متوافقة مع كبرى مراكز البيانات الدولية، وبسواعد مصرية مدعومة بخبرات عالمية، بهدف الحفاظ على بيانات المواطنين والمؤسسات داخل الحدود الوطنية ، مؤكدا أن تصميم هذه المراكز وفق أحدث المعايير الدولية عنصر لا غنى عنه في ظل الاعتماد المتزايد على الكابلات البحرية كعصب رئيسي لحركة البيانات العالمية، وما يرتبط بها من مخاطر تشغيلية وأمنية.

صناعة مراكز البيانات
صناعة مراكز البيانات

وفيما يتعلق بالعائد الاقتصادي، شدد عبد الفتاح على أن الاستثمار في مراكز البيانات المتصلة بالكابلات البحرية يحقق مكاسب مباشرة وغير مباشرة يصعب تجاهلها، موضحًا أن الاعتماد على أحدث تقنيات الحوسبة يسهم في تقليل فاتورة الإنفاق بالعملة الأجنبية التي كانت تتجه إلى الخارج لاستضافة البيانات، إلى جانب خلق فرص عمل تكنولوجية متخصصة، وتعزيز سلاسل القيمة المحلية في قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات كما يمنح مصر قدرة أكبر على التحكم في أحد أهم موارد العصر الحديث، وهو ما يرسخ موقعها كلاعب رئيسي في معركة النفوذ الرقمي التي تُدار اليوم تحت سطح البحر.

عوائد دولارية كبرى

قال هشام حمدي، محلل الاقتصاد الكلي، إن قطاع الكابلات البحرية في مصر لم يعد مجرد بنية تحتية لنقل البيانات، بل تحول إلى خزان استراتيجي للتدفقات النقدية الدولية، حيث سجلت إيرادات وحدة أعمال البنية التحتية الدولية للشركة المصرية للاتصالات وحدها نحو 385 مليون دولار أمريكي (ما يعادل نحو 18.5 مليار جنيه) خلال التسعة أشهر الأولى من عام 2025، بنسبة نمو بلغت 45% مقارنة بنفس الفترة من العام السابق، مما يمثل درع الحماية الحقيقي للمركز المالي للشركة بفضل عوائدها الدولارية المستدامة.

وأضاف أن هذه الزيادة التاريخية في الإيرادات تثبت أن الكابلات البحرية أصبحت بمثابة النفط الرقمي الجديد لمصر، لا سيما وأن 90% من هذه العوائد محقق بالعملة الصعبة أو مرتبط بها، مما وفر تحوطاً ذاتياً ضد مخاطر العملة، خاصة وأن تكاليف تشغيل هذه الكابلات بعد إنزالها تظل منخفضة للغاية، مما يرفع هوامش الربحية التشغيلية لما يتجاوز 40%.

وكشف هشام حمدي، أن المشروعات الحديثة مثل “كورال بريدج” و”2Africa” ليست مجرد كابلات تقنية، بل هي بمثابة خطوط ائتمان رقمية تزيد من القوة التفاوضية لمصر، وهو ما يفسر تهافت الصناديق الاستثمارية العالمية والشركات الكبرى مثل جوجل وميتا على توقيع عقود سعات طويلة الأجل، حققت بالفعل تدفقات نقدية داخلة بلغت نحو 400 مليون دولار كمبالغ مقدمة لضمان حجز مساراتها عبر البوابة المصرية لسنوات قادمة، مما يعزز من الملاءة المالية للاقتصاد التكنولوجي المصري.

هشام حمدي
هشام حمدي

ولفت المحلل المالي إلى أن كفاءة الأصل المصري تظهر في إدارة 10 نقاط إنزال متطورة على البحرين الأحمر والمتوسط، حيث يساهم قطاع الكابلات البحرية بنحو 35% من إجمالي نمو أرباح الشركة قبل الفوائد والضرائب، مشيراً إلى أن الانتقال من مجرد حق المرور البسيط إلى عقود الإدارة والصيانة الدولية رفع متوسط العائد من الكابل الواحد بنسبة 25% خلال العام الحالي فقط نتيجة الخبرة التشغيلية المتراكمة التي تجعل من مصر شريكاً لا يمكن استبداله.

وأضاف حمدي أن الاستراتيجية الحالية تهدف للانتقال من تأجير الممرات إلى تصدير المعالجة الرقمية، حيث توفر هذه المسارات أقل زمن استجابة عالمي بين القارات، وهو ما يفتح الباب أمام تحويل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس إلى وادي سيليكون البحر المتوسط لجذب شركات الهايبر سكيلرز العالمية المتخصصة في الذكاء الاصطناعي والتداول المالي فائق السرعة التي تضع القرب من مسارات الكابلات الرئيسية كأولوية قصوى لمراكز بياناتها.

وتابع أن الربط المباشر بين الكابلات البحرية ومراكز البيانات المحلية يخلق نظاماً بيئياً يسمح بتصدير خدمات رقمية بقيمة مضافة تتجاوز عشرة أضعاف رسوم المرور التقليدية، متوقعاً أن تبدأ هذه المشروعات في ضخ عوائد إضافية تتجاوز 1.2 مليار دولار سنوياً بحلول عام 2030، بناءً على معدلات التوسع الحالية في مراكز البحوث والبيانات التي تشهد نمواً هو الأسرع والأضخم في القارة الإفريقية.

واختتم هشام حمدي تصريحاته بالتأكيد على أن السيادة المالية لمصر تبدأ من قاع البحر، مشدداً على أن التكامل بين العوائد الدولارية المستدامة وتوطين الصناعات الرقمية سيحول ملف الكابلات البحرية إلى قناة سويس ثانية، وهي قناة رقمية لا تتأثر بتقلبات التجارة المادية بل تنمو طردياً مع الانفجار العالمي في تدفق البيانات، مما يضمن لمصر مقعداً دائماً في قمة الهرم المالي لاقتصاد المستقبل واستقراراً نقدياً طويل الأمد.

 

The short URL of the present article is: https://followict.news/d1y8