قضيتُ نحو 20 عامًا بين الدراسة الجامعية والخبرة العملية في التحوّل الرقمي وتحليل الأعمال وبناء الأنظمة والتوثيق. وخلال تلك السنوات كان الطلب الأكثر تكرارًا من العملاء هو: “ابنِ لنا نظامًا”. ثم تكتشف بعد دقائق أنهم لا يعرفون لماذا يحتاجونه أصلًا. وهنا يأتي دوري الحقيقي: أن أصغي، وأسأل، وأحفر وراء الكلمات العامة حتى أصل إلى “الاحتياج الحقيقي” الذي لا يقوله أحد بصراحة، أو لا يراه أصحابه من الأساس.
حضور ذهني
كنت أُوصَف بالسرعة، لكن هذه السرعة لم تكن سباق كتابة ولا حفظ قوالب جاهزة، بل كانت نتيجة حضور ذهني؛ فهم للسياق، ووعي بالقيود، وإدراك للمستفيدين، وقدرة على التقاط التفاصيل التي تمرّ دون أن ينتبه لها أحد. ثم جاء الذكاء الاصطناعي، وبدّل الإيقاع كله.
حين صار الأسبوعان… ثوانٍ معدودة
في لحظة عفوية وجدتني أكتب للذكاء الاصطناعي الوثيقة كاملة “بشكل خاطف”. أفكار متناثرة، جُمل غير مرتبة، ونقاط غير مكتملة، دون أن أستغرق وقتًا كبيرًا في التنسيق أو الغوص في كل جزئية. وفجأة، ما كنت أحتاج له أسبوعين صار يُنجز في ثوانٍ: ترتيب، ودمج، وردم فجوات، واقتراح عناوين، وإعادة صياغة، وتلميع رسمي يجعل المستند يبدو وكأنه خرج من مصنع وثائق حكومية لا ينام. كان ذلك مبهرًا، بل ومفيدًا جدًا.
لكن الفرق الجوهري هنا أنني كنت أعرف ماذا أريد. الفكرة لم تكن تأتي من الأداة، بل من خبرة متراكمة، واحتكاك بالناس، ومواقف تكررت بما يكفي لتكوين حدس مهني، وقدرة على التقاط التناقضات التي لا يلتفت لها العميل وهو يصف احتياجه. كنت أضع الخريطة، والذكاء الاصطناعي يسهّل التنفيذ. بهذه الطريقة يصبح الذكاء الاصطناعي سفينة قوية، لكن القبطان ما زال إنسانًا.
المفاجأة: حين يصبح “السائق” هو الذكاء الاصطناعي
والمفاجأة الحقيقية ظهرت لما بدأت أتعامل مع طلاب وشباب حديثي التخرج، وهذا ليس انتقاصًا منهم، بل هو وقت ممتاز للتجربة والاكتشاف. لكنني وجدت نمطًا مختلفًا تمامًا: بدل أن يستخدموا الذكاء الاصطناعي لصياغة ما فهموه، صاروا يستخدمونه ليقرر لهم أصلًا ما الذي ينبغي عليهم فعله. لم يعد الذكاء الاصطناعي “مساعدًا يسرّع”، بل صار “سائقًا يحدد الوجهة”.
تخيّل أن شخصًا لا يدرك المطلوب فيسأل الذكاء الاصطناعي: “أنا المفروض أعمل إيه؟” فيعطيه الأداة قائمة خطوات جاهزة. يوافق عليها دون مقاومة. يطلب إضافة نقطة فيوافق. يطلب تغيير عنوان فيوافق. وفي النهاية يخرج مستند لامع ومنمق ويتم إرساله بثقة كاملة. ثم تأتي اللحظة الفارقة التي تجعل المشهد يبدو كوميديًا، لكن نهايته ليست كوميدية: عندما تسأله إن كان يفهم ما كُتب، ينظر إليك وكأنك أنت المشكلة ويسألك: “هو مش واضح؟” فتدرك الحقيقة المؤلمة: واضح أنه مكتوب… لكن ليس واضحًا أنه كان حاضرًا وهو يُكتب.
ولأن الواقع دائمًا أصدق من أي تنظير، دعني أصف مشهدًا يتكرر كثيرًا. تحضر زميلًا معك في جلسة تحليل احتياج أو اجتماع عميل. تجده موجودًا جسديًا، يهز رأسه، يبتسم في الوقت المناسب، وربما يسأل سؤالًا عامًا لا يضر ولا ينفع. ينتهي الاجتماع، فيخرج ويكتب للذكاء الاصطناعي ثلاث أو أربع كلمات مما علق في ذاكرته: “نظام جديد”، “لوحة تحكم”، “تكامل”، “تحسين تجربة”. بعدها تتصرف الأداة وكأنها تحل واجب المدرسة كاملًا، فتنتج وثائق وخططًا ومؤشرات ومخاطر وربما “خطة إدارة تغيير” كاملة، ثم تصل هذه المخرجات إليك بكل ثقة.
تفتح الملف فتشعر أنك تقرأ وثيقة جميلة… لكنها ليست وثيقة اجتماعكم. تتساءل أين ذهب الكلام؟ أين القيود؟ أين الأولويات؟ أين اعتراضات العميل وتردده؟ أين “اللمحة” التي ظهرت في منتصف الجلسة وغيرت اتجاه النقاش؟ لا شيء. لأن الذكاء الاصطناعي لم يكن حاضرًا أصلًا، ولأن الزميل لم يكتب ما حدث، ولم يُعد صياغته بعقله قبل أن يرسله، ولم يتأكد من المنطق. كل ما حدث أنه سجّل حضورًا، ثم سلّم القيادة للخوارزمية.
الخطر الحقيقي: النص يولد… والعقل يتوقف
هنا يتضح الخطر الحقيقي. ليس الخطر في سيناريوهات الأفلام حيث الذكاء الاصطناعي يسيطر على العالم ويقفل المنصات ويفتحها ويصبح الحاكم. الخطر الأقرب والأكثر واقعية هو أن البشر يجمّدون تفكيرهم طوعًا، لأن النصوص أصبحت تتولد بسهولة. المشكلة ليست أن الأداة “تتآمر”، بل أن المخرجات ستعكس ببساطة ما قدمته لها من مدخلات، وما طلبته منها من أسلوب، دون فهم عميق للسياق الذي لم تكتبه أنت أصلًا. ومن هنا ندخل منطقة غريبة: معرفة مركونة، خبرة متجمدة، عقل على وضع الطيران، والآلة تتحول من مساعد إلى وكيل تفكير بالنيابة عن الإنسان.
في وسط هذا الضجيج تظل جملة واحدة كأنها اختبار بسيط يكشف كل شيء: A tool with a fool is still a tool. الأداة لا تصنع عقلًا، ولا تمنح فهمًا، ولا تزرع خبرة. هي فقط تضخم ما هو موجود. إذا كنت فاهمًا ستسرّعك، وإذا كنت متلخبطًا ستسرّع لخبطة أكبر، وإذا كنت كسلانًا ستعطيك مخرجات جاهزة تزيد كسلك وتمنحك وهم الإنجاز.
أنا لست ضد الذكاء الاصطناعي. أنا أستخدمه يوميًا وأعرف قيمته. لكن كل القصة تتلخص في سؤال واحد: مين اللي سايق؟ إذا كنت أنت تقود والأداة تختصر الوقت وترتب الطريق، فأنت في المسار الصحيح. أما إذا كانت الأداة تقود وأنت فقط تلوّح وتقول “تمام”، فاستعد للوصول إلى مكان لا تفهمه، ولتسليم مخرجات لا تستطيع الدفاع عنها، ولتنفيذ قرارات لا تعرف لماذا اتخذتها.
خاتمة: قبل زر “Generate”… اسأل نفسك
قد ننتهي جميعًا بسيارات فارهة ونصوص لامعة وجداول مرتبة، لكن بعقول متوقفة. والسؤال الذي يستحق أن يُسأل قبل أي زر “Generate” هو: هل فهمت المطلوب فعلًا؟ أم أنك تطلب من الأداة أن تفكر نيابة عنك؟
عبد الملك البراوي
الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة Solve Fast







