قد تبدو «سماعات إلغاء الضوضاء» للوهلة الأولى مصطلحاً متناقضاً؛ إذ كيف لتقنية صوتية أن تصنع الصمت بدلاً من الصوت؟!
تُعد هذه السماعات أداة لا غنى عنها على متن الطائرات، وفي المكاتب المزدحمة، وحتى لأولئك الذين يعانون من قلة النوم بسبب الضوضاء. ولكن، كيف لسماعة رأس أن تجعل الصوت يختفي كلياً؟
تكمن الركيزة الأولى في معادلة نجاح هذه السماعات فيما يُعرف بـ «التحكم السلبي في الضوضاء» (Passive Noise Control)، وهو المعادل التقني الأكثر تطوراً لحيلة وضع يديك على أذنيك لحجب الضجيج الخارجي.
وتُصمَّم أنواع معينة من سماعات الأذن أو سماعات الرأس خصيصاً لمنع الموجات الصوتية فيزيائياً من الوصول إلى أذنيك؛ وتُسوق هذه الفئة عادةً تحت مسمى «السماعات العازلة للضوضاء» (Noise-Isolating).
وسواء كان ذلك عن طريق إحكام الإغلاق الخارجي حول أذنيك واستخدام مواد ممتصة للصوت مثل «الفوم» عالي الكثافة كما في سماعات الرأس، أو ببساطة من خلال الاستقرار المحكم داخل تجويف القناة السمعية كما في سماعات الأذن الصغيرة، يمكن لهذه الملحقات العازلة أن تحجب ما يصل إلى 20 ديسيبل من ضوضاء الخلفية.
وعندما لا تكون خفض 20 ديسيبل كافية لتحقيق الهدوء المطلوب، تتدخل سماعات إلغاء الضوضاء بتقنية «التحكم النشط في الضوضاء» (Active Noise Control – ANC).
وابتكر هذه التقنية أمار بوز، خريج معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) ومؤسس شركة «بوز» (Bose)، بإلهام من الضجيج المزعج لمحركات الطائرات النفاثة خلال إحدى رحلاته عبر المحيط الأطلسي، وتعد الفارق الجوهري الذي يُميّز سماعات إلغاء الضوضاء عن نظيرتها العازلة فقط.
فبدلاً من الاكتفاء بمنع الضوضاء الخارجية غير المرغوب فيها من الوصول إلى أذن المستمع، تستخدم تقنية (ANC) ميكانيكية «التداخل الهدّام» (Destructive Interference) لإلغاء الضجيج المحيط.
وتتضمن هذه العملية وضع ميكروفون بأقرب نقطة ممكنة من مكان دخول الصوت إلى الأذن لالتقاط ترددات الضوضاء القادمة؛ ومن ثم تُنتج السماعات فرداً ترددياً معاكساً تماماً لتردد الضوضاء المزعجة بمقدار 180 درجة، وهو ما يُعرف بالصوت العكسي أو «المضاد للضوضاء» (Anti-Noise)، الذي يلغي الصوت الأصلي تماماً عند التقائهما.
وعلى الرغم من أن تقنية (ANC) تكون أكثر فاعلية مع الترددات المنخفضة، إلا أن سماعات إلغاء الضوضاء يمكنها خفض مستوى الضوضاء الإجمالي بمقدار يصل إلى 80 ديسيبل، وهو تقريباً حجْم الضجيج المزعج الذي تحدثه محركات الطائرات التجارية في الخلفية، مما يضمن لك الحصول على القليل من الراحة والهدوء خلال رحلاتك الطويلة أينما كانت وجهتك.







