في مثل هذا اليوم، 16 يونيو 1911، اندمجت أربع شركات متخصصة في صناعة آلات تبويب البيانات، وموازين الحوسبة، ومسجلات الوقت، لتشكيل كيان واحد حَمَل اسم “شركة الحوسبة والتبويب والتسجيل” (CTR).
هذا الكيان الناشئ، الذي بدأ برأس مال متواضع وبضعة مئات من الموظفين، هو نفسه الذي تحول لاحقاً في عام 1924 إلى الشركة الشهيرة عالمياً باسم “إنترناشونال بيزنس ماشينز” أو “آي بي إم” (IBM)، والتي يُطلق عليها في الأوساط التقنية “العملاق الأزرق” (Big Blue).
اعتمدت الشركة في بداياتها على تكنولوجيا “البطاقات المثقوبة” التي ابتكرها المخترع هيرمان هوليريث لتسجيل وتبويب البيانات كهروميكانيكياً، وكانت هذه التقنية هي الطريقة الوحيدة والمبتكرة لمعالجة الإحصاءات الضخمة، مثل التعداد السكاني للولايات المتحدة، بسرعة ودقة غير مسبوقتين.

رغم أن التأسيس كان في عام 1911، إلا أن المنعطف الحقيقي في مسيرة الشركة حدث عام 1914 عندما تولى توماس واتسون الأب منصب المدير التنفيذي، فقد قاد واتسون الشركة بعقليته الإدارية الصارمة وثقافته المؤسسية الفريدة التي ركزت على البحث والتطوير، وابتكر الشعار الشهير للشركة “فَكِّر” (THINK)، وهو الشعار الذي قاد مهندسي الشركة لاحقاً لابتكار أولى الحواسيب العملاقة في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي.
في عام 1964، أطلقت IBM نظام System/360، وهو أول عائلة حواسيب عملاقة تتيح تشغيل برمجيات مشتركة، مما أحدث ثورة في قطاع الأعمال والمؤسسات والحكومات، وفي 1981، تم طرح جهاز IBM PC، الذي وضع المعيار العالمي للحواسيب الشخصية وجعل التكنولوجيا في متناول الأفراد والشركات الصغيرة.
ظلت IBM لقرابة ثلاثة عقود متتالية الشركة الأكثر تسجيلاً لبراءات الاختراع في الولايات المتحدة، ممهدةً الطريق لابتكارات غيرت العالم مثل أقراص تخزين البيانات، والصراف الآلي (ATM)، وشريط المغناطيس لبطاقات الائتمان، وصولاً إلى ريادتها الحالية في الحوسبة الكمية والذكاء الاصطناعي.
تأسيس “أوراكل”.. اليوم الذي بدأت فيه ثورة قواعد البيانات العالمية
في مثل هذا اليوم من عام 1977، وضع ثلاثة من مهندسي ومبرمجي المبيعات عبقريتهم معاً لتأسيس شركة صغيرة ستصبح لاحقاً العمود الفقري الرقمي لأكبر الشركات والحكومات حول العالم.
وأسس الثلاثي لاري إليسون، وروبرت مينر، وإد أوتس شركة استشارات برمجية صغيرة حَمَلت اسم “مختبرات التطوير البرمجي” (SDL) برأس مال مبدئي لم يتجاوز ألفي دولار، وهو الكيان الذي نعرفه اليوم باسم أوراكل (Oracle Corporation).

جاءت نقطة التحول عندما قرأ الثلاثي ورقة بحثية رائدة كتبها عالم الكمبيوتر “إدجار كود” حول قواعد البيانات، ورأى إليسون ورفاقه في هذه الورقة مستقبلاً غير محدود، وبدأوا العمل على بناء نظام لإدارة البيانات يعتمد على لغة الاستعلام الهيكلية (SQL).
كان أول مشروع حقيقي للشركة لصالح وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA)، وحمل المشروع اسماً رمزياً هو “Oracle” (والتي تعني العرّاف أو مصدر الحكمة)، ورغم أن المشروع لم يكتمل للوكالة، إلا أن المؤسسين أدركوا أن لديهم منتجاً تجارياً سيحدث ثورة في قطاع الأعمال، فقاموا بتغيير اسم الشركة لاحقاً ليصبح “أوراكل” تيمناً بهذا المشروع.
في عام 1979، أطلقت الشركة أول قاعدة بيانات تجارية في العالم (Oracle V2)، وكانت خطوة جريئة تسبق بها شركات كبرى مثل IBM في ذلك الوقت. ومنذ تلك اللحظة، ارتبط اسم أوراكل بالسرعة، والأمان، والقدرة على معالجة ملايين المعاملات بدقة متناهية، لتصبح الخيار الأول للبنوك، وشركات الطيران، والمؤسسات الحكومية العملاقة.

وفي عام 1986، تم طرح أسهم الشركة للاكتتاب العام في بورصة ناسداك لتصبح واحدة من أسرع الشركات نمواً، وشهد عام 2010 الاستحواذ التاريخي على شركة “صن مايكروسيستمز” (Sun Microsystems)، مما منح أوراكل ملكية لغة البرمجة الشهيرة “جافا” (Java) ونظم بيئة العمل المتكاملة للشركات.
اليوم، لم تعد أوراكل شركة لقواعد البيانات التقليدية، بل تحولت إلى عملاق في الحوسبة السحابية (Oracle Cloud Infrastructure – OCI) وتطبيقات تخطيط موارد المؤسسات (ERP)، مع تركيز مكثف اليوم على البنى التحتية السحابية المخصصة للذكاء الاصطناعي التوليدي ومراكز البيانات السيادية.
مايكروسوفت تُعلن عن بنية حاسوب MSX.. أول محاولة عالمية لتوحيد المعايير التقنية
في مثل هذا اليوم من عام 1983، شهدت العاصمة اليابانية طوكيو مؤتمراً صحفياً تاريخياً أعلنت فيه شركة “مايكروسوفت” الأمريكية، بقيادة بيل جيتس، وبالتعاون مع شركة “أسكي” (ASCII Corporation) اليابانية التي كان يقودها العبقري كازوهيكو نيشي، عن ولادة بنية حاسوبية موحدة تحمل اسم MSX (أو Machines with Software eXchange).
كان الحدث إعلانا عن “معيار تقني موحد” يسمح لأي شركة إلكترونيات في العالم بصناعة حاسوب منزلي متوافق تماماً مع برمجيات وألعاب الشركات الأخرى، في خطوة شابهت تماماً ما فعلته VHS في عالم أشرطة الفيديو.

قبل ظهور هذا المعيار، كان شراء حاسوب من كومودور أو أتاري أو آبل يعني أنك مقيد ببرمجياتها فقط، وهنا جاءت فكرة كازوهيكو نيشي (الذي كان يشغل حينها منصب نائب رئيس مايكروسوفت لشرق آسيا)، حيث أقنع بيل جيتس بتطوير نسخة خاصة من لغة البرمجة الشهيرة ونظام التشغيل MSX-BASIC لتكون هي النواة البرمجية الموحدة لجميع الأجهزة.
سارعت كبرى عمالقة الإلكترونيات اليابانية والعالمية مثل سوني وباناسونيك (ماتسوشيتا) وتوشيبا وسانيو وفيليبس وياماها، لتبني هذا المعيار، وبدأت في إنتاج حواسب منزلية مذهلة حققت نجاحاً ساحقاً، لا سيما في اليابان، والشرق الأوسط، وأوروبا، وأمريكا الجنوبية.
بالنسبة لنا في العالم العربي، ارتبط معيار MSX بظاهرة تاريخية لا تُنسى؛ وهي “حاسوب صخر” الشهير، فقد التقطت شركة “العالمية” الكويتية، بقيادة رجل الأعمال والرائد التقني محمد الشارخ، هذا المعيار وطوعته بالكامل لخدمة الثقافة العربية.
كانت أجهزة “صخر” (مثل MSX AX-170 وAX-370) البوابة الأولى التي تعلم عبرها جيل الثمانينيات والتسعينيات البرمجة باللغة العربية، ودخلت من خلالها التكنولوجيا والبرامج التعليمية وألعاب الفيديو إلى كل منزل عربي ومدرسة من الخليج إلى المحيط.

إلى جانب استخداماته المكتبية والتعليمية، تميزت بنية MSX بقدرات رسومية وصوتية متطورة بفضل معالجات Zilog Z80 ورقاقات الصوت من ياماها، وجعل هذا التميز المنصة المهد الحقيقي الذي ولدت عليه بعض من أشهر سلاسل ألعاب الفيديو في التاريخ؛ وعلى رأسها اللعبة الأيقونية Metal Gear للمصمم العبقري هيدو كوجيما، وسلسلة Castlevania، وContra من شركة كونامي.
وتشير التقديرات إلى بيع أكثر من 9 ملايين جهاز عالمياً تحت مظلة هذا المعيار، مما يجعله أحد أكثر الأنظمة المنزلية نجاحاً في وقته، وتطور المعيار عبر أربعة أجيال متتالية، قبل أن يتوقف إنتاج الأجهزة في التسعينيات بعد صعود الحواسب الشخصية المتوافقة مع IBM (PC)، لكن ظل معيار MSX في الذاكرة الجمعية لعشاق التقنية كأول نموذج ناجح لتوحيد البرمجيات والأجهزة قبل عصر ويندوز.
أمازون تفاجئ الأسواق العالمية وتستحوذ على “هول فودز”
وفي مثل هذا اليوم من عام 2017، أعلنت شركة “أمازون” (Amazon) رسميّاً عن توقيع اتفاقية اندماج نهائية حاسمة للاستحواذ على سلسلة متاجر الأغذية العضوية الشهيرة “هول فودز ماركت” (Whole Foods Market)، في صفقة نقدية ضخمة بلغت قيمتها 13.7 مليار دولار أمريكي (بواقع 42 دولاراً للسهم الواحد).
شكل هذا الإعلان صدمة عنيفة في وول ستريت وأسواق المال، وتسبب فوراً في تراجع أسهم كبرى شركات التجزئة التقليدية مثل “وول مارت” و”تارجت”، حيث أدرك الجميع أن جيف بيزوس قرر نقل معركة الهيمنة من فضاء الإنترنت إلى الشوارع والتقاطعات الحيوية.

حتى ذلك اليوم، كانت أمازون تهيمن على مبيعات الكتب، والإلكترونيات، والملابس عبر الإنترنت، لكن قطاع “البقالة والأغذية الطازجة” ظل يمثل التحدي الأكبر لها لصعوبة لوجستياته، وجاء الاستحواذ على “هول فودز” ليمحوها بضربة واحدة، فقد امتلكت أمازون فجأة أكثر من 460 متجراً فعلياً في مواقع استراتيجية وعالية القيمة داخل الولايات المتحدة وكندا والمملكة المتحدة، وتحولت هذه المتاجر إلى شبكة مستودعات مبردة “للميل الأخير” (Last-Mile Delivery)، مما دعم خدمة التوصيل السريع للمواد الغذائية الطازجة.
حافظت أمازون على “جون ماكي” كمدير تنفيذي ومشارك في تأسيس “هول فودز”، لكنها سرعان ما حقنت المتاجر التقليدية بالحمض النووي التكنولوجي الخاص بها، وتحولت مزايا العضوية في “أمازون برايم” (Amazon Prime) إلى بطاقة الخصم والمكافآت الرئيسية داخل المتاجر، وتلا ذلك إدخال تقنيات الدفع الذاتي الذكية مثل “Just Walk Out” (ادفع واخرج دون المرور بمحاسب)، لتبدأ ملامح “متاجر المستقبل” في التبلور.





