في مثل هذا اليوم، 8 فبراير من عام 1945، وبينما كان العالم يترقب نهايات الحرب العالمية الثانية، شهد مكتب براءات الاختراع خطوة غيرت مجرى الحرب وأعادت تشكيل مستقبل البشرية.
ففي هذا اليوم تم تقديم طلب براءة الاختراع لجهاز “هارفارد مارك 1” (Harvard Mark I)، المعروف رسمياً باسم “الحاسبة التي يتم التحكم فيها بالتسلسل الأوتوماتيكي” (ASCC)، والذي أصبح حجر الأساس الذي قام عليه عصر الحوسبة الحديثة.
يمثل هذا الابتكار ثمرة تعاون عبقري بين البروفيسور في جامعة هارفارد، هوارد آيكن، وشركة IBM، وتميز “مارك 1” بضخامة استثنائية؛ حيث بلغ طوله حوالي 15 متراً ووزنه وصل إلى 5 أطنان، محتوياً على مئات الأميال من الأسلاك.

وكان الجهاز قادراً على تنفيذ العمليات الحسابية المعقدة آلياً، وهو ما كان يُعتبر “سحراً تقنياً” في أربعينيات القرن الماضي، حيث وفر سرعة ودقة تفوق القدرات البشرية بمئات المرات.
ولا يمكن ذكر “هارفارد مارك 1” دون الإشارة إلى الرائدة جريس هوبر، التي كانت من أوائل المبرمجين على هذا الجهاز، ويُنسب إلى العمل على هذه الآلة قصص طريفة أصبحت مصطلحات تقنية خالدة؛ ففي إحدى المرات، توقف الجهاز عن العمل بسبب “عثة” (حشرة) علقت داخل أحد المفاتيح الكهربائية، ومن هنا وُلد مصطلح “Bug” لوصف أعطال البرمجيات، ومصطلح “Debugging” لعملية إصلاحها.
رغم أن القدرة المعالجة لـ “مارك 1” لا تقارن اليوم بأبسط آلة حاسبة في يد طفل، إلا أن أهميته تكمن في كونه أول آلة مبرمجة بالكامل تعمل بشكل أوتوماتيكي دون تدخل بشري مستمر، وقد مهد هذا الاختراع الطريق لظهور الحواسيب الشخصية، والإنترنت، وصولاً إلى الذكاء الاصطناعي الذي نعيشه اليوم.
وفي مثل هذا اليوم من عام 1991، لم يكن العالم يعلم أن اجتماع ثلاثة خريجين من جامعة كاليفورنيا (أيرفين) سيغير خارطة صناعة الألعاب الإلكترونية إلى الأبد.
ففي هذا اليوم، قام مايكل مورهيم وألن أدهام وفرانك بيرس بتأسيس شركة أطلقوا عليها في البداية اسم “Silicon & Synapse”، وقد بدأت الشركة بميزانية متواضعة وجهود ذاتية، لكن برؤية طموحة تهدف إلى تقديم تجارب لعب لا تُنسى.

بعد ثلاث سنوات من التأسيس وتحديداً في عام 1994، قرر المؤسسون تغيير اسم الشركة إلى “بليزارد للترفيه” (Blizzard Entertainment)، وكان هذا الاسم بمثابة نبوءة لما ستحدثه الشركة من تأثير عاصف في السوق؛ ففي نفس العام، أطلقت الشركة لعبة Warcraft: Orcs & Humans، والتي كانت حجر الزاوية لواحدة من أعظم السلاسل في تاريخ الألعاب، ومؤشراً على ولادة عملاق جديد في ابتكار العوالم الخيالية.
لم تتوقف “بليزارد” عند مجرد النجاح العابر، بل صاغت معايير جديدة لكل نوع من أنواع الألعاب التي خاضت غمارها، مثل لعبة Diablo، التي أعادت تعريف ألعاب تبادل الأدوار (RPG) بأسلوبها المظلم، وStarCraft، التي أصبحت أيقونة ألعاب الاستراتيجية والرياضات الإلكترونية العالمية، وWorld of Warcraft، التي حطمت الأرقام القياسية وأصبحت ظاهرة اجتماعية عالمية، حيث ضمت ملايين اللاعبين في عالم افتراضي واحد.
اشتهرت بليزارد بشعارها “لن نطلق اللعبة حتى تصبح جاهزة تماماً”، وهو ما جعل اسمها مرادفاً للجودة الفائقة والقصص الملحمية.
وفي مثل هذا اليوم من عام 1998، أعلن اتحاد شبكة الويب العالمية (W3C) عن اعتماد XML 1.0 (لغة التوصيف الموسعة) كـ “توصية رسمية”، والذي كان بمثابة إعلان عن لغة عالمية موحدة تسمح للأنظمة والبرمجيات المختلفة، على اختلاف لغاتها وبيئاتها، بفهم وتبادل البيانات بسلاسة.
قبل ظهور XML، كان تبادل البيانات بين الحواسيب يشبه محاولة التواصل بين أشخاص يتحدثون لغات مختلفة تماماً، وجاء XML ليقدم نظاماً مرناً وقابلاً للتوسع يركز على وصف محتوى البيانات وليس فقط طريقة عرضها (كما يفعل HTML).

بفضل هذا المعيار، أصبح من الممكن تمثيل المعلومات في هيكل شجري منطقي يسهل على البشر قراءته وعلى الآلات معالجته بدقة متناهية.
رغم أن المستخدم العادي قد لا يرى أكواد XML مباشرة، إلا أن هذا المعيار يمثل “العمود الفقري” لأغلب ما نفعله اليوم، بما فيها تطبيقات الويب، فهو المحرك الأساسي لخدمات الويب (Web Services) وبروتوكولات نقل البيانات، وكذلك المستندات الرقمية، ولعلك لاحظت أن ملفات Word تنتهي بـ (.docx)، حيث يشير حرف الـ x هنا إلى XML، وهذا يرجع إلى اعتماد حزمة Microsoft Office ومعظم البرامج المكتبية عليه في حفظ البيانات.
اليوم، ومع صعود معايير أخرى مثل JSON، لا يزال XML يحتفظ بمكانته السيادية في الأنظمة المؤسسية الضخمة، والقطاعات المصرفية، والتوثيق التقني.
وفي مثل هذا اليوم من عام 2005، أطلقت شركة جوجل خدمة “خرائط جوجل” (Google Maps) لأول مرة على أجهزة الكمبيوتر، لتنهي بذلك عصر الخرائط الورقية المربكة والاعتماد الكلي على السؤال عن الطريق.
بدأ الأمر كمشروع طموح لتحويل العالم إلى خريطة رقمية تفاعلية، ولم يمضِ وقت طويل حتى أصبحت هذه الخدمة الأداة الأكثر حيوية في حياة الملايين حول العالم.

لم تكن البداية سوى نقطة انطلاق؛ فسرعان ما تطورت الخدمة لتشمل ميزات غيرت قواعد اللعبة. ففي عام 2007 أضيفت ميزة “Street View” التي سمحت للمستخدمين بالتجول افتراضياً في الشوارع، ثم تبعها إطلاق الخدمة على الهواتف المحمولة، وهو ما جعل الملاحة بنظام GPS والبحث عن الأماكن القريبة وتحديثات المرور اللحظية ميزات متاحة للجميع مجاناً، بعد أن كانت حكراً على أجهزة غالية الثمن.
اعتمد نجاح خرائط جوجل على دمج هائل للبيانات؛ من صور الأقمار الصناعية والتصوير الجوي إلى بيانات حركة المرور المستمدة من المستخدمين أنفسهم. واليوم، تستخدم الخدمة تقنيات الذكاء الاصطناعي والواقع المعزز (Live View) لتوجيه المشاة، وتوفر معلومات دقيقة لأكثر من 220 دولة وإقليماً، مع بيانات تفصيلية لمئات الملايين من الأماكن والشركات.
بعد مرور سنوات على ذلك الإطلاق في 8 فبراير 2005، تجاوز عدد مستخدمي خرائط جوجل المليار مستخدم شهرياً، ولم تعد الخدمة مجرد وسيلة للانتقال من النقطة “أ” إلى النقطة “ب”، بل أصبحت محركاً اقتصادياً يدعم الشركات المحلية، وأداة إنسانية تساعد في الأزمات والكوارث، ونافذة تكنولوجية تسمح لنا باستكشاف أبعد نقطة في الأرض بلمسة إصبع.







