أصبح من المعتاد قراءة منشور أو أكثر يوميا على منصات التواصل الاجتماعي، يشكو فيه المستخدمون من خطأ احتساب استهلاكهم للإنترنت المنزلي، مؤكدين أن الباقة تنفد في وقت قياسي (أحيانا في أول أسبوع أو 10 أيام)، رغم تأكيدهم أن نمط استخدامهم لم يتغير!
وبدأت حدة الشكاوى في التصاعد بشكل ملحوظ مع تحول البنية التحتية في مصر من الكابلات النحاسية إلى الألياف الضوئية “الفايبر”، وزيادة سرعات الإنترنت (VDSL) التي قفزت من 5 ميجابايت إلى 30 و70 و100 ميجابايت.
ويعتمد الإنترنت المنزلي على نظام “الباقات المحدودة”، الأكثر انتشارا بين جمهور المستخدمين، حيث يحصل المستخدم على سعة تحميل معينة (مثل 140 جيجابايت) مقابل اشتراك شهري، وعند نفادها تنخفض السرعة إلى 256 كيلوبت حتى موعد التجديد.

ويتطرق المستخدمون في مصر إلى الحديث عن الجانب التقني، رغم عدم معرفتهم الجيدة بنظام عمل شركات الاتصالات، ويروجون لاعتقاد سائد بأن نظام احتساب الاستهلاك تم ضبطه عمدا لخصم جيجابايت أكثر من الاستهلاك الفعلي لإجبار العميل على شراء باقات إضافية، وأن التطبيقات الخاصة بالشركات غير دقيقة في تحديث الاستهلاك لحظيا، وأن الردود النمطية لدى خدمة العملاء تؤكد شعورهم بعدم المصداقية!
الباقة بتروح فين؟!
من الناحية الفنية، هناك تفسيرات تقنية قد لا يدركها المستخدم العادي وتؤدي بالفعل لاستهلاك الباقة دون “سرقة” بالمعنى الدارج، ولكن نتيجة لطبيعة التكنولوجيا الحديثة.
أبرز هذه التفسيرات هي علاقة السرعة بالجودة (Auto-Quality)، فمنصات الفيديو، مثل فيسبوك ونتفليكس وتيك توك ويوتيوب، مبرمجة لضبط الجودة تلقائيا بناء على سرعة الإنترنت، وهذا يعني أن الفيديو يعمل بجودة p360 أو p480 تلقائيا في حالة السرعات المنخفضة (5 ميجا مثلا)، بينما تصبح جودته HD (1080p) أو 4K في حالة السرعات العالية (30 ميجا أو أكثر).
هذا يعني أن مشاهدة نفس الفيديو اليوم تستهلك 5 أضعاف البيانات مقارنة بالسابق دون أن يغير المستخدم عاداته بالضرورة!

ولا يعرف كثيرون أيضا أن الهواتف تقوم بتحديث التطبيقات وتخزين الصور السحابي بمجرد الاتصال بالـ “واي فاي”، وأن أنظمة التشغيل، مثل ويندوز 10 و11، تستهلك تحديثات ضخمة قد تصل لعدة جيجابايت دون إشعار واضح للمستخدم.
ولن نتحدث بالتفصيل عن الراوترات القديمة أو كلمات المرور الضعيفة وتطبيقات التجسس المجانية، التي تجعل شبكات الـ “واي فاي” سهلة الاختراق من الجيران، فالمستخدمون في مصر أول من ينكر ذلك، مؤكدين أن شبكاتهم محمية ومؤمنة بالكامل!
هل يتم مراقبة جودة خدمات شركات الاتصالات في مصر؟
نعم، بالتأكيد. يتم مراقبة جودة خدمات شركات الاتصالات في مصر بشكل دوري ومنتظم من جهة حكومية رسمية هي الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات (NTRA)، والذي يتولى مراقبة ومحاسبة شركات المحمول الأربع، ڤودافون واورنچ ووي وإي آند مصر.
ويقوم الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، بصفة دورية، بإجراء قياسات ميدانية لجودة الخدمة من خلال سيارات قياس متخصصة تجوب مختلف محافظات ومناطق الجمهورية وتجري آلاف الاختبارات الحية.

ويصدر الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات (NTRA) تقريرا ربع سنوي (كل 3 أشهر) يوضح بالتفصيل مستوى جودة الخدمة لكل شركة في كل منطقة، ويتم نشر هذا التقرير للرأي العام بشفافية.
وتتركز الاختبارات على محورين أساسيين، هما جودة المكالمات الصوتية وجودة خدمات الإنترنت، وفي حال أظهرت التقارير تراجعا في مستوى الخدمة عن المعايير الدولية المحددة في منطقة معينة، فإنه يتم فرض غرامات مالية ضخمة على الشركات المقصرة، كما يتم إلزام الشركات بخطة زمنية لتحسين الشبكة والخدمات في المناطق المتضررة.

وأطلق الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات تطبيق (My NTRA) لكي يتيح للمستخدمين الاطلاع على “خريطة الجودة” لتعرف مستوى الشبكة في منطقتك قبل الاشتراك، وقياس سرعة الإنترنت لديك، وتقديم الشكاوى مباشرة للجهاز عند مواجهة أي مشكلة أو الشكوى من أي خدمة، كما يمكن تقديم الشكاوى عبر الخط الساخن 155.
وهل يمكن لشركات الاتصالات التلاعب؟!
لا يوجد دليل مادي قاطع، حتى الآن على الأقل، يثبت أن الشركات تتدخل برمجيا لتزوير عداد الاستهلاك لكل عميل، وهو أمر تراقبه الجهات السيادية والرقابية.
لكن جذور المشكلة قد تعود إلى رفع الشركات للسرعات دون توعية كافية للمستخدم بكيفية إدارة استهلاكه في ظل السرعات العالية، وهو ما رفع الاستهلاك تلقائيا، كما أن حجم المحتوى الرقمي الحالي، مثل عروض الفيديوهات بدقة 4K والألعاب هائلة الحجم والعمل من المنزل، أصبح يفوق قدرة الباقات المحدودة في مصر.
أنا أقدر أعمل إيه؟!
هناك العديد من الخطوات الذكية التي تمكنك من الحفاظ على باقة الإنترنت وتوفير استهلاكها.

أوقف الاستهلاك الخفي للبيانات
تتصل الهواتف والأجهزة اللوحية وأجهزة الألعاب تلقائيا بشبكة الـ “واي فاي” بمجرد دخولك إلى المنزل، لذلك يجب عليك التأكد من فصلها عن الشبكة في حالة عدم استخدامها، خاصة أن بعض التطبيقات تستمر في العمل وتحديث نفسها حتى بعد إغلاقها.
قم أيضا بتفعيل خيار “موفر البيانات” (Data Saver) في إعدادات هاتفك الذكي، والذي سيمنع التطبيقات من استهلاك الإنترنت في الخلفية دون علمك.
تجنب جودة العرض العالية
عند مشاهدة مقاطع الفيديو عبر منصات مثل يوتيوب أو نتفليكس، سواء على هاتفك أو الكمبيوتر الشخصي أو التلفزيون، فإن تشغيل فيلم بدقة 4K يعد هدرا للبيانات، لأن الشاشة ستقوم بضغط الفيديو ليتناسب معها ولن تشعر بفارق كبير عن الجودة الأقل، ولذلك احرص على اختيار جودة الفيديو المناسبة لإمكانيات جهازك وحجم شاشته لتوفر قدرا كبيرا من البيانات.

أوقف التشغيل التلقائي
أثناء تصفحك لفيسبوك وإنستجرام ستلاحظ أن الفيديوهات تبدأ بالعمل تلقائيا، وهذا الأمر يستهلك كمية هائلة من البيانات يوميا دون أن تشعر، لذلك توجه إلى إعدادات التطبيقات وقم بتعطيل خيار “التشغيل التلقائي” (Auto-play)، لتضمن أن باقتك تُستهلك فقط في المحتوى الذي تختار مشاهدته بنفسك.
استخدام أدوات حجب الإعلانات (Ad-blockers)
هل تعلم أن الإعلانات ليست مجرد مصدر للإزعاج، بل هي “لصوص” للبيانات؟
تشير الدراسات إلى أن ما يصل إلى 48% من استهلاك بيانات الهاتف قد يذهب لتحميل الإعلانات والصور الترويجية التي تظهر أثناء التصفح أو اللعب.
قم بتحميل برمجيات أو إضافات حجب الإعلانات (Ad-blockers)، أو استخدم متصفحات تأتي بميزة حجب مدمجة مثل متصفح Brave. هذه خطوة بسيطة ذات تأثير كبير على التوفير.
راقب استخدام أطفالك
إذا كان لديك أطفال في المنزل، فإن يوتيوب هو العدو الأول للباقة. يمكنك تحميل الفيديوهات التي يشاهدونها بشكل متكرر (أغاني الأطفال مثلا) لمرة واحدة فقط على الجهاز بدلا من بثها مئات المرات عبر الإنترنت.

الأمان وكلمة المرور
قد تبدو نصيحة بديهية، ولكن تأمين جهاز الراوتر الخاص بك هو خط الدفاع الأول، لذلك تأكد من استخدام كلمة مرور قوية ومعقدة لضمان عدم قيام الجيران أو الغرباء بالاتصال بشبكتك وسرقة رصيد بياناتك.
كما يمكنك استخدام تطبيقات مجانية لمعرفة عدد الأجهزة المتصلة بشبكتك حاليا وقطع الاتصال عن أي جهاز غريب.
حدد السرعة من الراوتر
من الحلول الفعالة في توفير الباقة هو الدخول لإعدادات الراوتر وتقليل السرعة يدويا إلى 5 أو 10 ميجا، مما يجبر المواقع على تقليل الجودة.







