Follow ICT
شعار الموقع الاساسى
جايزة 160
جايزة 160

«صفقة الترددات الكبرى».. استحقاق تكنولوجي يعزز تنافسية مصر رقمياً وجدوى مرهونة بكفاءة التشغيل

في لحظة فارقة من مسار الاقتصاد العالمي، حيث تتحول البيانات إلى العملة الأثمن، وتغدو البنية الرقمية معياراً رئيسياً لقياس قوة الدول وقدرتها على المنافسة، لم تعد الترددات اللاسلكية مجرد مورد تقني يُدار داخل أروقة الجهات التنظيمية، بل أصبحت أحد أهم أصول الأمن القومي الرقمي وركيزة أساسية لإعادة تشكيل موازين القوة الاقتصادية. وفي هذا السياق، تمثل الصفقة التاريخية التي أبرمتها مصر لتخصيص ترددات بقيمة 3.5 مليار دولار انعطافة استراتيجية تتجاوز كونها استثماراً في قطاع الاتصالات، لتُقرأ باعتبارها إعلاناً صريحاً عن انتقال الدولة إلى مرحلة «الاقتصاد فائق الاتصال»، الذي تُدار فيه الأنشطة الإنتاجية والخدمية عبر شبكات ذكية قادرة على استيعاب التدفقات الهائلة من البيانات.

إن إتاحة نحو 410 ميجاهرتز في صفقة واحدة — وهو حجم يوازي تقريباً إجمالي ما تم تخصيصه خلال العقود الثلاثة الماضية — لا يعكس فقط تسارع وتيرة تحديث البنية التحتية الرقمية، بل يكشف عن تحول أعمق في فلسفة التخطيط؛ من إدارة الندرة إلى بناء وفرة استباقية تستوعب الطلب المستقبلي قبل أن يتشكل. فالدول التي تطمح إلى موقع متقدم في الاقتصاد الرقمي لا تنتظر ضغط الاستخدام، بل تخلق مساحات نمو تسمح للابتكار بأن يسبق التنظيم، وللاستثمار بأن يتحرك بثقة داخل بيئة تكنولوجية مستقرة.

وتكمن الأهمية الأكثر عمقاً لهذه الخطوة في أنها تؤسس لبنية غير مرئية ستقوم عليها موجة التحول الصناعي التالية. فالترددات ليست مجرد قنوات اتصال، بل الشرايين التي ستغذي منظومات المدن الذكية، والمصانع المؤتمتة، والتطبيقات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، وحلول إنترنت الأشياء التي ستعيد تعريف مفاهيم الإنتاجية والكفاءة. ومع كل ميجاهرتز إضافي، تتسع قدرة الاقتصاد على تقليل الفاقد الزمني، وتسريع اتخاذ القرار، والانتقال من نماذج تشغيل تقليدية إلى نماذج تنبؤية قائمة على التحليل الفوري للبيانات.

ويرى خبراء أن الطيف الترددي الجديد يمكن النظر إليه بوصفه «مضاعف قوة» للاقتصاد المصري، إذ يتيح للقطاعات الحيوية — من الصناعة والزراعة إلى الرعاية الصحية والتعليم القفز مباشرة إلى أنماط تشغيل ذكية دون المرور بمراحل انتقالية طويلة. فالمصانع المتصلة قادرة على خفض الأعطال عبر الصيانة التنبؤية، والزراعة الدقيقة يمكنها ترشيد استهلاك المياه ورفع الإنتاجية، بينما تفتح الرعاية الصحية الرقمية الباب أمام خدمات تشخيص وعلاج عن بُعد، بما يعزز جودة الحياة ويخفض كلفة الخدمات العامة.

ولا يمكن فصل هذه الصفقة عن مسار استثماري أوسع ضخت خلاله مصر أكثر من 6 مليارات دولار في تحديث بنيتها الرقمية خلال السنوات الأخيرة، وهو ما انعكس في تصدرها القارة الأفريقية في متوسط سرعة الإنترنت الثابت. غير أن القيمة الحقيقية لهذه الخطوة لا تكمن في الأرقام بقدر ما تتجلى في دلالتها الاستراتيجية: الانتقال من مرحلة تحسين الخدمة إلى مرحلة بناء اقتصاد رقمي متكامل قادر على توليد القيمة المضافة وجذب سلاسل الإمداد التكنولوجية العالمية.

ويؤكد محللون أن معيار «موثوقية الاتصال» بات يتصدر محددات القرار الاستثماري لدى الشركات متعددة الجنسيات، لا سيما في قطاعات التعهيد والحوسبة السحابية وتصنيع الإلكترونيات. ومن ثم، فإن توسيع الطيف الترددي يبعث برسالة طمأنة واضحة للمستثمرين مفادها أن السوق المصرية لا تكتفي بتوفير الطلب، بل تؤسس أيضاً لبنية تشغيل قادرة على دعم النمو طويل الأجل. وهنا يتحول قطاع الاتصالات من مجرد مزود خدمات إلى منصة تمكين اقتصادي، تسهم بالفعل بنحو 6% من الناتج المحلي الإجمالي، مع طموحات واقعية للاقتراب من 8% خلال الأعوام المقبلة.

ويلفت خبراء استراتيجيون إلى أن البعد الأكثر عمقاً لهذه الخطوة يتمثل في إعادة تموضع مصر داخل الجغرافيا الرقمية العالمية. فمع تزايد أهمية ممرات البيانات العابرة للقارات واحتدام المنافسة على استضافة مراكز البيانات الضخمة، تبرز مصر — بما تمتلكه من موقع يربط الشرق بالغرب وشبكة متنامية من الكابلات البحرية — كمرشح طبيعي للتحول إلى محور إقليمي لحركة المعلومات. وتمثل الترددات الجديدة الحلقة المكملة لهذه المنظومة، إذ تضمن انتقال البيانات داخلياً بالكفاءة ذاتها التي تعبر بها الحدود.

كما تفتح هذه الخطوة الباب أمام مرحلة أكثر تقدماً من السيادة الرقمية، حيث تصبح الدولة أكثر قدرة على إدارة مواردها التكنولوجية وتقليل فجوات الاعتماد الخارجي وتعزيز أمنها المعلوماتي، في عالم باتت فيه السيطرة على البنية الرقمية مرادفاً للسيطرة على مفاتيح النمو.

ومع اقتراب أفق 2030، يبدو أن الرهان الحقيقي لا يتمثل فقط في امتلاك الطيف، بل في كيفية توظيفه لخلق اقتصاد أكثر مرونة وشمولاً واستدامة. فكل استثمار في البنية الرقمية هو في جوهره استثمار في تسريع الزمن الاقتصادي للدولة وتقليص المسافة بينها وبين مراكز الابتكار العالمية. ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة صفقة الترددات الكبرى باعتبارها أكثر من مجرد تعاقد مالي؛ إنها خطوة محسوبة ضمن مشروع أوسع لإعادة تعريف مكانة مصر في الاقتصاد الرقمي العالمي، والانتقال من موقع المتلقي للتكنولوجيا إلى موقع الشريك في صناعتها وتوجيه مساراتها.

الدكتور مصطفى مدبولي رئيس الوزراء
الدكتور مصطفى مدبولي رئيس الوزراء

دعم حكومي ورؤية إنتاجية للقطاع

وبالتوازي مع هذه القراءة التحليلية، أكد الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، أن توقيع اتفاقيات تخصيص الطيف الترددي يمثل محطة مفصلية في مسار بناء مصر الرقمية، موضحاً أن الصفقة تُعد الأكبر في تاريخ قطاع الاتصالات وتعكس ثقة المستثمرين في السوق المصرية، مدعومة باستقرار السياسات التنظيمية ووضوح الرؤية طويلة الأجل.

وشدد على أن الدولة لم تعد تنظر إلى الاتصالات باعتبارها قطاعاً خدمياً تقليدياً، بل كقطاع إنتاجي واعد يدعم الابتكار ويزيد الصادرات، لافتاً إلى أن الحكومة تنفذ خطة شاملة لتطوير البنية التحتية الرقمية لضمان تحسين جودة الخدمة وتوسيع نطاق التغطية، إلى جانب تبني خطة طويلة الأجل لإتاحة السعات الترددية بما يعزز تنافسية السوق.

ومن جانبه، وصف الدكتور عمرو طلعت، وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، الصفقة بأنها «تاريخية بكل المقاييس»، مشيراً إلى أنها تأتي في إطار استراتيجية مصر الرقمية التي ترتكز على تمكين المواطنين، وتوسيع نطاق الخدمات البازغة، وتعظيم العائد الاقتصادي للتكنولوجيا.

وأوضح أن بناء القدرات الرقمية يمثل أولوية قصوى، مع استهداف تدريب نحو 800 ألف متدرب، فيما أثمر التوسع في مشروعات التحول الرقمي عن إتاحة أكثر من 210 خدمات عبر منصة «مصر الرقمية». وأكد أن إتاحة السعات الجديدة بالتوازي مع إطلاق خدمات الجيل الخامس تمثل خطة استراتيجية لإعادة تشكيل بنية الاتصالات في مصر وترسيخ موقعها كمركز إقليمي لتصدير الخدمات الرقمية.

المشغلون: استثمارات ضخمة وترجمة عملية للاستراتيجية

على صعيد التنفيذ، أكد المهندس تامر المهدي، الرئيس التنفيذي للشركة المصرية للاتصالات، أن الحيزات الجديدة ستُحدث نقلة نوعية تتسق مع مستهدفات الدولة حتى عام 2030، مشيراً إلى مواصلة الشركة ضخ استثمارات كبيرة في شبكات الألياف الضوئية لتعزيز التنافسية وتلبية الطلب المتنامي.

بدوره، وصف المهندس حازم متولي، الرئيس التنفيذي لشركة «إي آند مصر»، تسلم حزمة الترددات بأنه محطة فارقة لمواكبة واقع أصبحت فيه البيانات «عصب الحياة»، مشيداً بالإطار التنظيمي الذي منح الشركات الثقة لضخ استثمارات بمليارات الجنيهات.

أجهزة الترددات

وفي السياق ذاته، اعتبر محمد عبد الله، الرئيس التنفيذي والعضو المنتدب لشركة «فودافون مصر»، أن إطلاق استراتيجية الطيف الترددي (2026–2030) يوفر خارطة طريق واضحة تضمن استدامة النمو، كاشفاً أن الزيادة المتسارعة في استهلاك البيانات فرضت بناء بنية تحتية هائلة في وقت قياسي.

أما المهندس هشام مهران، الرئيس التنفيذي لشركة «أورنج مصر»، فأعلن أن استثمارات شركته في السوق المصري بلغت نحو 110 مليارات جنيه، مع خطط لضخ المزيد ضمن الاستراتيجية الجديدة لتطوير الشبكات بأحدث التقنيات، بما يضمن تقديم خدمات رقمية بمعايير عالمية ويعزز مكانة مصر كمركز إقليمي للتكنولوجيا.

أرقام غير مسبوقة وتسريع للتنفيذ

أكد محمد إبراهيم، النائب التنفيذي والمتحدث باسم جهاز تنظيم الاتصالات، أن صفقة الترددات الأخيرة تُعد الأكبر في تاريخ مصر منذ دخول خدمات الهاتف المحمول قبل نحو 30 عاماً، واصفاً إياها بأنها نقلة نوعية في مسار تطوير القطاع وتحسين جودة الخدمات الرقمية. وأوضح أن حجم الترددات التي حصلت عليها شركات المحمول في هذه الصفقة بلغ نحو 410 ميجاهرتز، وهو ما يعادل استثمارات مباشرة وغير مباشرة تُقدر بنحو 3.5 مليار دولار، تشمل بناء الشبكات والأبراج وتحديث البنية التحتية الشاملة، بما ينعكس بشكل فوري وملموس على مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين.

وكشف عن أن شركات الهاتف المحمول كانت قد بدأت خلال العام الماضي في تشغيل خدمات الجيل الخامس دون الحصول على ترددات مخصصة، مما جعل هذه الصفقة خطوة محورية لتصحيح المسار وتحسين جودة الخدمة، إلى جانب التوسع في بناء الأبراج وتحديث الخطط التشغيلية، مؤكداً أن الترددات الجديدة ستلبي احتياجات الشركات الأربع العاملة في السوق المصرية على مدار الأعوام الخمسة المقبلة. وأضاف أن تنفيذ الصفقة سيبدأ فعلياً اعتباراً من الشهر المقبل، مع بدء تسليم الترددات تدريجياً للشركات، ما سيدفع نحو تسريع وتيرة بناء الأبراج ورفع كفاءة النفاذ للبيانات.

محمد إبراهيم
محمد إبراهيم

وفيما يتعلق بالرخص الاستثمارية، أوضح النائب التنفيذي للجهاز أن الشركات حصلت على تراخيص الجيل الخامس منذ أكثر من عام تقريباً بقيمة بلغت 675 مليون دولار، وبدأت إطلاق الخدمة منذ أكثر من ستة أشهر، مشدداً على أن خدمات الجيل الخامس — وكافة الأجيال السابقة — تتطلب سعات ترددية واسعة ليشعر المستخدم بتحسن فعلي في السرعات، حيث إن بناء الأبراج وحده دون ترددات كافية لا يكفي لتحقيق الجودة المستهدفة. وأشار إلى أن إجمالي الاستثمارات المباشرة التي حصلت عليها الدولة من قطاع الاتصالات خلال العقود الثلاثة الماضية بلغ نحو 10 مليارات دولار، لافتاً إلى أن الصفقة الحالية وحدها تمثل قرابة ثلث هذا الرقم، وهو ما يعكس قوة المناخ الاستثماري وجاذبية السوق المصرية.

وعلى صعيد البنية التحتية، كشف محمد إبراهيم عن أرقام غير مسبوقة، حيث تجاوز عدد الأبراج التي يتم بناؤها سنوياً خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة 3 آلاف برج، مشيراً إلى أنه في الوقت الذي استغرق فيه بناء 24 ألف برج نحو 25 عاماً (حتى عام 2021)، نجحت الدولة والشركات خلال السنوات الأربع الأخيرة فقط في بناء أكثر من 12 ألف برج جديد، أي ما يعادل نحو 50% من إجمالي الأبراج التي شُيّدت طوال ربع قرن سابق.

وأشار إلى أن طرح الترددات كان ضرورة ملحّة لمواكبة هذا التوسع، لافتاً إلى أن الجهاز منح مؤخراً تراخيص لشركات متخصصة في بناء الأبراج وتسويقها بنظام التأجير للمشغلين لضمان سرعة الإنجاز. وأكد أن قطاع الاتصالات المصري بات يضم حالياً أكثر من 160 شركة مرخصة تعمل في مختلف الأنشطة، من مراكز البيانات إلى إنترنت الأشياء، مما يعزز دور القطاع في المعادلة الاقتصادية كركيزة أساسية للتنمية الشاملة.

فرصة تاريخية… لكن العائد مرهون بالاستخدام

وفي سياق متصل، أكد الدكتور محمد عزام، خبير تكنولوجيا المعلومات، أن إطلاق استراتيجية الطيف الترددي 2026-2030 يمثل خطوة تاريخية وغير مسبوقة في قطاع الاتصالات المصري، واصفاً إياها بأنها أكبر صفقة ترددات في تاريخ هذا القطاع الحيوي، إذ تم التعامل مع الترددات كثروة قومية استراتيجية محدودة وفر استخدامها الأمثل استثمارات مباشرة تصل إلى 3.5 مليار دولار، وهو ما سيتيح لشركات المحمول تقديم خدمات أسرع وأكثر جودة، ويدعم بشكل مباشر تطبيقات الجيل الخامس ومفاهيم إنترنت الأشياء (IoT) التي ستحدث ثورة في منظومات النقل، اللوجستيات، والقطاعات الصناعية والزراعية، بما يعزز كفاءة الإنتاج والخدمات ويفتح آفاقاً واسعة أمام الشركات الناشئة.

وأوضح عزام، أن هذه الترددات ستفتح المجال واسعاً أمام تطبيقات المدن والنقل الذكي والرعاية الصحية الرقمية، وهي مجالات كانت تفتقر إلى السرعات الفائقة التي لم تكن متاحة قبل إطلاق هذه الاستراتيجية الوطنية، مشيراً إلى أن توفر ترددات عالية الجودة يمنح الشركات القدرة على تطوير نظم إدارة المعلومات ورفع كفاءة العمليات الإنتاجية، مما يدعم تنفيذ مشاريع الاقتصاد الرقمي ويخلق فرصاً استثمارية غير مباشرة في مختلف القطاعات التكنولوجية، لاسيما وأن حجم الحيازات الترددية الجديدة يعادل إجمالي ما تم إتاحته طوال الثلاثين عاماً الماضية، وهو ما سيؤدي بالضرورة إلى طفرة في سرعات الاتصال وتوسع في الخدمات المالية الرقمية والتعليم والصحة.

الدكتور محمد عزام

وعلى صعيد تمكين الشركات الناشئة، شدد الدكتور محمد عزام على أن هذا النوع من الشركات بات من أهم محركات جذب الاستثمار الأجنبي المباشر، مستشهداً بنموذج لشركة مصرية في مجال التكنولوجيا المالية تمكنت من جذب استثمارات بقيمة 370 مليون دولار في جولة تمويلية واحدة، مؤكداً أن هذا النجاح لا يمكن استدامته دون بنية معلوماتية حديثة تطابق المعايير العالمية وتضمن قدرة الشركات على التوسع، وهو ما تضمنه الاستراتيجية الجديدة التي تضع مصر في مركز إقليمي متقدم، خاصة وأن التقارير الدولية تشير إلى أن نحو 75% من الشركات الناشئة المبتكرة في مجالات التكنولوجيا المالية والتعليم والصحة أسسها شباب مصريون تحت سن الثلاثين.

واختتم عزام بالإشارة إلى أن البنية التحتية القوية تجعل من مصر بيئة مثالية لاستضافة الابتكار وتشجيع ريادة الأعمال، مؤكداً أن الحكومة تعمل بالتوازي على تسهيل بيئة الأعمال عبر حزم تشريعية مرنة تتكامل مع البنية الرقمية المحدثة، لتمكين المبتكرين من استخدام الترددات الجديدة في تحقيق أقصى استفادة اقتصادية ممكنة، مما يرسخ موقع مصر كمركز إقليمي للتكنولوجيا والاتصالات، ويحول الاقتصاد المعرفي إلى أحد أهم محركات النمو المستدام في الدولة المصرية.

وفي قراءة تحليلية للتحديات والفرص المرتبطة بهذه الخطوة، أكد الدكتور حمدي الليثي، رئيس مجلس إدارة شركة «ليانتل» لحلول الاتصالات، أن الجدوى الحقيقية لتخصيص هذه الترددات الضخمة وإطلاق خدمات الجيل الخامس في مصر تكمن في القدرة على موازنة التوقيت الاستراتيجي مع العائد الاقتصادي، موضحاً أن توفير الحيزات الترددية يمثل حجر الزاوية فنيًا، لكنه يتطلب في المقابل مقومات تشغيلية صلبة واستثمارات مرتفعة للغاية، سواء في قيمة التراخيص أو في تكاليف استكمال البنية التحتية للشبكات التي شهدت ارتفاعاً ملحوظاً في الآونة الأخيرة.

وشدد الليثي على أن تعظيم الاستفادة من “الثروة الترددية” المتاحة يرتبط طردياً بوجود طلب استهلاكي وإنتاجي حقيقي، وهو ما يتطلب التوسع السريع في دمج تقنيات إنترنت الأشياء والحلول الرقمية المتطورة داخل بنية الصناعات والخدمات الوطنية؛ فخلق حالة من الطلب على هذه السعات الترددية الفائقة هو الضمانة الوحيدة لتحويلها إلى محرك للنمو الاقتصادي، ضمن دائرة استثمارية محسوبة بدقة تتوقف على مدى الاحتياج الفعلي لهذه التقنيات في العمليات الإنتاجية اليومية.

الدكتور حمدي الليثي
الدكتور حمدي الليثي

وأشار الليثي إلى أن المشهد الاقتصادي العالمي الراهن، وما يفرضه من ضغوط على تكاليف التشغيل وتوافر العملات الأجنبية، يضع تحديات أمام مستقبل استغلال الترددات في الأسواق الناشئة والمتطورة على حد سواء، منوهاً إلى أن العبرة ليست فقط بامتلاك الطيف الترددي، بل بالقدرة على استخدامه بفاعلية تتجاوز ما قدمته أجيال الاتصالات السابقة، خاصة وأن بعض الأسواق لا تزال في طور تحسين بنيتها التحتية الأساسية للوصول إلى مرحلة النضج الرقمي الكامل.

ولفت الدكتور حمدي الليثي في ختام تصريحاته إلى أن هذه الترددات الجديدة هي المحفز الرئيسي لدعم تطبيقات المحتوى، والذكاء الاصطناعي، وإنترنت الأشياء، وهي استخدامات تتطلب سرعات وموثوقية لا توفرها إلا الترددات المخصصة للجيل الخامس، مؤكداً أن النجاح في توظيف هذه السعات الترددية سيعود بالفائدة المباشرة على الناتج المحلي الإجمالي، ويسهم في خلق وظائف مستحدثة، ويفتح الباب أمام دخول جيل جديد من الشركات المساندة التي ستقتات على وفرة البيانات وسرعة انتقالها، مما يعزز من مرونة وقوة الاقتصاد الرقمي المصري.

The short URL of the present article is: https://followict.news/zzex