«البنية الرقمية تحت القصف».. سقوط الحياد وتسليح الذكاء الاصطناعي يعيدان رسم السيادة ومصر قوة صاعدة
لم يعد الصراع العالمي المعاصر بحاجة إلى عبور الحدود الجغرافية التقليدية لتقويض أركان الدول؛ فقد انتقلت ساحة المواجهة من الأرض والمياه إلى الألياف الضوئية وتدفقات البيانات. فالتحول الدرامي الذي شهده إقليم الشرق الأوسط مؤخرًا، والمتمثل في استهداف مراكز بيانات تابعة لشركات عالمية مثل أمازون في الإمارات والبحرين عبر هجمات بطائرات مسيّرة، يمثل مؤشرًا واضحًا على دخول البنية التحتية الرقمية دائرة الاستهداف العسكري المباشر.
هذا الواقع الجديد يفرض على صناع القرار إعادة تعريف جذرية لمفهوم السيادة الرقمية، فلم يعد تأمين الشبكات عبر الجدران النارية والبرمجيات كافيًا لحماية الاقتصادات الرقمية، بل بات تحصين الأصول المادية للبنية التحتية الرقمية، وتأمين سلاسل توريد الطاقة والتبريد، جزءًا لا يتجزأ من منظومة الأمن القومي للدول التي تسعى إلى حماية خدماتها الحيوية من التعطل أو الشلل.
كما أن تصنيف بعض المناطق باعتبارها «مناطق صراع رقمي» يضع شركات التكنولوجيا العالمية أمام معادلة مخاطر معقدة. فبعدما كانت مراكز البيانات تُسوَّق بوصفها واحات للاستقرار التقني والابتكار الرقمي، أصبحت فجأة أصولًا استراتيجية عالية الحساسية، وقد تُنظر إليها في سياق النزاعات باعتبارها أهدافًا محتملة. ويزداد هذا التعقيد مع ارتباط بعض هذه الشركات بعقود دفاعية أو أمنية مع أطراف في نزاعات دولية وصولا لتسليح الذكاء الاصطناعي واستخدامه في الحروب، وهو ما قد يؤدي إلى تآكل مفهوم «الحياد التقني»، ويجعل البنية السحابية المدنية أكثر عرضة للضغوط أو الاستهداف غير المباشر.
وفي هذا السياق يبرز تساؤل جوهري حول مستقبل البنية السحابية الوطنية: هل حان الوقت لتبني نموذج «السحابة الوطنية المعزولة» (Air-Gapped Cloud) لضمان استمرارية الخدمات الحكومية بعيدًا عن تقلبات السياسة الدولية؟ أم أن الإفراط في توطين البيانات قد يؤدي في المقابل إلى تركيز الأصول الرقمية في رقعة جغرافية محدودة يسهل تعطيلها أو استهدافها في أوقات الأزمات؟

ويقول خبراء ومحللون إن البنية التحتية الرقمية في القرن الحادي والعشرين لم تعد مجرد مرافق خدمية، بل تحولت إلى مراكز ثقل استراتيجية تضاهي في أهميتها الموانئ البحرية وحقول الطاقة. ويشير هؤلاء إلى أن تصاعد التوترات الجيوسياسية يدفع الدول إلى إعادة صياغة مفهوم السيادة الرقمية باعتباره أحد أعمدة الأمن القومي، مستشهدين بنماذج عالمية متعددة، مثل النموذج الصيني القائم على الانفصال التكنولوجي وتوطين البيانات، والنموذج الأوروبي الذي يسعى إلى استعادة السيطرة على البيانات عبر أطر تنظيمية وتشريعية تمنع الارتهان لمزود خدمة واحد.
ويرى الخبراء أن أحد الحلول المطروحة لمواجهة تقلبات التحالفات الدولية يتمثل في فرض ما يمكن وصفه بـ«سيادة التشفير»، بحيث تظل مفاتيح التحكم في البيانات المستضافة محليًا تحت السيطرة الحصرية للدولة، مع إلزام الشركات العالمية بتخزين نسخ احتياطية سيادية داخل الحدود الوطنية لضمان الوصول إليها في مختلف الظروف.
كما يشير محللون إلى أن ارتباط كبرى شركات الحوسبة السحابية بعقود دفاعية مع أطراف في نزاعات دولية قد يخلق تحديات أمنية وإدراكية معقدة، إذ قد تُفسَّر مراكز البيانات المدنية، في بعض السياقات، على أنها جزء من منظومة دعم تقني لأحد أطراف النزاع. ويؤدي ذلك إلى ما يمكن وصفه بـ«إعادة تسعير المخاطر» في المنطقة، وهو ما ينعكس في ارتفاع تكاليف التأمين والحماية المادية، ويدفع نحو تبني نماذج تشغيل أكثر مرونة مثل «السحب الهجينة» التي تفصل بين البيانات العامة والبيانات السيادية الحساسة.
وفي هذا الإطار يرى محللون أن مصر تمتلك ميزة استراتيجية فريدة تؤهلها لتكون أحد المراكز الإقليمية الآمنة للبنية التحتية الرقمية، مستفيدة من موقعها الجغرافي كممر رئيسي للكابلات البحرية التي تنقل جزءًا كبيرًا من حركة الإنترنت العالمية. ويؤكد هؤلاء أن تحويل هذه الميزة إلى ما يشبه «قناة سويس رقمية» يتطلب استراتيجية وطنية تقوم على توزيع مراكز البيانات بالقرب من نقاط هبوط الكابلات البحرية في مدن مثل بورسعيد والإسكندرية والسويس، بدلًا من تركزها في نطاق جغرافي واحد داخل القاهرة، بما يقلل المخاطر الجيوسياسية ويعزز مرونة البنية الرقمية.
ويتوقع الخبراء أن جذب الاستثمارات في مراكز البيانات الإقليمية، بالتوازي مع تطوير إطار تشريعي يضمن ما يمكن وصفه بـ«الحياد التقني الإجباري»، قد يسهم في تحويل مصر إلى مركز إقليمي لتعافي البيانات واستمرارية الأعمال للدول المجاورة التي قد تتأثر بالاضطرابات الجيوسياسية، وهو ما من شأنه أن يعزز من ثقلها الاقتصادي والسياسي في الفضاء الرقمي العالمي.
أكدت المهندسة هالة الجوهري، الرئيس التنفيذي الأسبق لهيئة تنمية صناعة تكنولوجيا المعلومات «إيتيدا»، أن البنية التحتية الرقمية لم تعد في القرن الحادي والعشرين مجرد مرافق خدمية تقليدية، بل تحولت إلى مراكز ثقل استراتيجية تضاهي في أهميتها الموانئ البحرية وحقول الطاقة.
وأوضحت أن تصاعد التوترات الجيوسياسية حول العالم أدى إلى تحول مراكز البيانات العملاقة (Hyperscalers) إلى أهداف مباشرة أو غير مباشرة في الصراعات الدولية، وهو ما يدفع الدول إلى إعادة تعريف مفهوم السيادة الرقمية باعتباره أحد أعمدة الأمن القومي في العصر الرقمي.
وأشارت الجوهري إلى أن الدول تتجه حاليًا إلى تبني نماذج مختلفة لحماية فضاءاتها الرقمية، في ظل إدراك متزايد لأهمية التحكم في البيانات والبنية التحتية الرقمية. فالنموذج الصيني يقوم على مفهوم الانفصال التكنولوجي الكامل، حيث تُلزم الشركات بتخزين البيانات محليًا داخل الحدود الصينية، كما تخضع الأكواد المصدرية لرقابة الدولة، وهو ما يخلق ما يشبه درعًا رقميًا يحد من تأثير العقوبات أو الضغوط الخارجية.
أما النموذج الأوروبي فيركز على استعادة السيطرة على البيانات عبر أدوات تشريعية وتنظيمية، أبرزها مشروع Gaia-X، الذي يهدف إلى ضمان بقاء البيانات تحت سيطرة القوانين الأوروبية، مع فرض شرط قابلية نقل البيانات لمنع اعتماد المؤسسات على مزود خدمة واحد. وفي المقابل، يعتمد النموذج الفرنسي على وضع معايير صارمة مثل SecNumCloud التي تضمن حماية البيانات من القوانين العابرة للحدود، مثل قانون Cloud Act الأمريكي، مع اشتراط ملكية وإدارة وطنية للبنية التحتية السحابية الحساسة.

كما يبرز النموذج السعودي الذي يقوم على الدمج بين الاستثمار الكبير في مراكز البيانات الخضراء والتشغيل المركزي عبر منصة «ديم»، بما يضمن قدرة الدولة على التحكم الكامل في البنية التحتية الرقمية وإدارة البيانات.
وترى الجوهري أن مصر تمتلك ميزة استراتيجية فريدة تتمثل في موقعها كممر رئيسي لكابلات الإنترنت البحرية العالمية، وهو ما يمكن أن يتحول إلى ركيزة أساسية لبناء ما وصفته بـ«قناة السويس الرقمية». وأوضحت أن تحويل هذه الميزة إلى حصن رقمي استراتيجي يتطلب تبني استراتيجية وطنية متكاملة.
وأشارت إلى أن أحد أهم مكونات هذه الاستراتيجية يتمثل في صياغة معيار وطني للسيادة السحابية يلزم الشركات العالمية باحترام مبدأ سيادة التشفير، بحيث يتم تخزين البيانات ومعالجتها داخل الأراضي المصرية مع بقاء مفاتيح التشفير تحت السيطرة الحصرية للدولة المصرية. ومن شأن هذا النموذج أن يتيح لمصر أن تصبح ملاذًا رقميًا آمنًا للدول العربية والأفريقية التي تسعى لاستضافة بياناتها بعيدًا عن الضغوط الجيوسياسية للقوى الكبرى.
وأضافت أن الاستراتيجية يجب أن تتضمن أيضًا استمرار سياسة تجنب تركز البنية التحتية الرقمية في نطاق جغرافي واحد مثل القاهرة الكبرى، والعمل على توزيع أقاليم سحابية مصغرة (Edge Centers) بالقرب من نقاط هبوط الكابلات البحرية في مدن مثل الإسكندرية وبورسعيد والسويس، بما يسهم في تقليل زمن الاستجابة للخدمات الرقمية ويحد من المخاطر الاستراتيجية الناتجة عن تركز البيانات في موقع واحد.
كما شددت على أهمية ربط مراكز البيانات بمصادر طاقة متجددة مستقلة عبر أنظمة Micro-grids، بما يضمن استمرارية التشغيل حتى في حالات انقطاع الشبكة القومية للكهرباء، ويعزز قدرة البنية التحتية الرقمية على العمل بكفاءة في مختلف الظروف.
وأكدت الجوهري أن تحقيق هذه الرؤية يتطلب إنشاء إطار تشريعي مصري متكامل يستند إلى أفضل الممارسات الدولية في مجال حماية البيانات والسيادة الرقمية. ويتضمن هذا الإطار إلزام مزودي الخدمات العالمية بتخزين نسخ احتياطية محدثة من البيانات الحكومية والحيوية داخل الحدود المصرية لضمان استمرار الوصول إليها في جميع الظروف.
كما يتعين أن يشمل الإطار التشريعي سن قوانين تضمن ما يمكن وصفه بالحياد التقني الإجباري، بحيث لا تستطيع الشركات العالمية إيقاف الخدمات الحيوية مثل الخدمات المصرفية أو الكهرباء أو الصحة نتيجة عقوبات أو قرارات خارجية. ويتطلب ذلك أيضًا وضع نظام واضح لتصنيف البيانات الوطنية إلى مستويات متعددة تشمل البيانات العامة والبيانات المهمة والبيانات الوطنية الأساسية، مع حظر استضافة الفئة الأخيرة خارج النطاق السيادي للدولة.
وأوضحت الجوهري أن العلاقة بين قانون حماية البيانات الشخصية والإطار التشريعي المقترح للسيادة السحابية تقوم على اختلاف الفلسفة والهدف. فبينما يركز قانون حماية البيانات على الجوانب الحقوقية والمدنية المرتبطة بخصوصية الأفراد، يجب أن يقوم الإطار المقترح على فلسفة أمنية واستراتيجية تتعامل مع البيانات باعتبارها أصولًا سيادية، وتشمل مفاهيم مثل تصنيف الأصول الرقمية، ومكافحة الارتهان التكنولوجي، وسيادة التشفير، واستقلالية البنية التحتية الرقمية.
واختتمت الجوهري تصريحاتها بالتأكيد على أن مفهوم السيادة الوطنية في القرن الحادي والعشرين لم يعد مقتصرًا على الحدود الجغرافية التقليدية من أرض ومياه، بل امتد ليشمل الحدود الرقمية التي أصبحت تمثل خط الدفاع الأول عن استقرار الدول واستمراريتها، مشيرة إلى أن تبني نموذج «السحابة السيادية المصرية» لا يمثل خيارًا اقتصاديًا فقط، بل ضرورة استراتيجية لتعزيز قدرة الدولة على مواجهة التقلبات الجيوسياسية العالمية وتحويل الاعتماد التكنولوجي الخارجي إلى استقلالية رقمية مستدامة.

قال محمد عابدين، الشريك المؤسس لشركة «كوربوريت ستاك» والمدير الإقليمي للشركة، إن البنية التحتية الرقمية دخلت بالفعل دائرة الصراع العالمي، لكن مع فارق قانوني وسياسي مهم يتمثل في أن مراكز البيانات لا تُعد أهدافًا عسكرية مشروعة تلقائيًا. وأوضح أن القانون الدولي الإنساني ينص على أن هذه المنشآت تظل أعيانًا مدنية محمية، ما لم تُستخدم على نحو يحقق مساهمة فعّالة في العمليات العسكرية ويؤدي تدميرها أو تعطيلها إلى تحقيق ميزة عسكرية أكيدة.
وأشار عابدين إلى أن الضربات الأخيرة التي استهدفت منشآت تابعة لشركة Amazon Web Services في الإمارات والبحرين كشفت أن البنية السحابية لم تعد مجرد أصل اقتصادي يخدم الاقتصاد الرقمي، بل أصبحت أصلًا استراتيجيًا عالي الحساسية يمكن أن يتأثر مباشرة بالتوترات والصراعات الإقليمية.
وأضاف أن تصنيف منطقة ما باعتبارها «منطقة صراع رقمي» لا يعني بالضرورة انسحاب شركات التكنولوجيا العالمية من الاستثمار فيها، لكنه يؤدي إلى إعادة تسعير المخاطر المرتبطة بالاستثمار. ويتمثل ذلك في ارتفاع تكلفة التأمين والتمويل، وزيادة اشتراطات الحماية المادية للبنية التحتية الرقمية، إضافة إلى اتجاه الشركات إلى توزيع استثماراتها على أكثر من منطقة جغرافية بدل الاعتماد على مركز واحد. كما توقع أن يزداد الطلب على نماذج السحابة السيادية أو الهجينة بدلاً من الاعتماد الكامل على منطقة تشغيل واحدة، وهو اتجاه بدأ بالفعل مع توسع مزودي الخدمات السحابية في تقديم حلول «السحابة السيادية» استجابة للمخاطر الجيوسياسية والتنظيمية.
وأوضح عابدين أن ارتباط كبار مزودي الخدمات السحابية بعقود دفاعية مع بعض الدول قد يؤثر على أمن الاستضافة من زاويتين. الأولى إدراكية وسياسية، إذ قد تنظر بعض الأطراف إلى مزود الخدمة السحابية بوصفه جزءًا من البنية الداعمة لخصومها إذا كان يقدم خدمات دفاعية أو أمنية لهم. أما الثانية فهي تشغيلية، حيث ترتفع احتمالات الاستهداف السيبراني أو التخريبي أو الضغوط السياسية على البنية التحتية التي يستضيفها ذلك المزود.
وأكد أن هذا الارتباط لا يجعل جميع أصول المزود أهدافًا مشروعة قانونًا، إذ يظل التقييم مرتبطًا بالاستخدام الفعلي لكل منشأة على حدة. ولفت إلى أن شركات مثل Microsoft وGoogle وAmazon تمتلك حضورًا واضحًا في أسواق الحكومات والدفاع، كما توسعت في تقديم نماذج السحب السيادية أو المنعزلة لتلبية احتياجات الجهات الحساسة.
وأشار عابدين إلى أن تبني نموذج السحابة الوطنية المعزولة قد يكون خيارًا مناسبًا للخدمات الحكومية الحرجة، لكنه لا يمثل بالضرورة الحل الأمثل لكل الأنظمة الرقمية. وأوضح أن النموذج الأكثر واقعية يتمثل في بنية طبقية، حيث تُشغَّل الخدمات السيادية الأكثر حساسية على سحابة وطنية أو بيئة معزولة، بينما تستمر الخدمات الأقل حساسية على سحابة عامة أو بنية هجينة.
وأضاف أن مزودي التكنولوجيا أنفسهم بدأوا في طرح حلول تدعم هذا الاتجاه، مثل Microsoft Sovereign Cloud وGoogle Distributed Cloud وOracle Sovereign Cloud، مشيرًا إلى أن العزل الكامل للبنية الرقمية قد يؤدي إلى ارتفاع التكاليف وتقليل المرونة التشغيلية إذا لم تتوافر قدرات محلية قوية لإدارتها.

ولفت عابدين إلى أن تصنيف مراكز البيانات في القانون الدولي الإنساني لم يتغير من حيث النصوص، لكنه تغير من حيث التطبيق العملي. فالأصل أن مركز البيانات يُعد منشأة مدنية، لكنه قد يتحول إلى هدف عسكري إذا استُخدم بصورة مباشرة وفعالة في دعم عمليات القيادة والسيطرة أو الاستخبارات أو اللوجستيات العسكرية أو تشغيل أنظمة قتالية. ومع ذلك تبقى قواعد التمييز والتناسب والاحتياطات واجبة التطبيق في جميع الأحوال.
وأشار إلى أن أخطر السيناريوهات المحتملة لا تقتصر على استهداف مراكز البيانات نفسها، بل تمتد إلى البنية التحتية للطاقة التي تغذيها. ففي حال تعرض الشبكة الكهربائية التي تعتمد عليها هذه المراكز للاضطراب، قد تضطر إلى التحول إلى المولدات والبطاريات الاحتياطية وتقليص الأحمال التشغيلية، ما قد يؤدي إلى تعطل بعض المناطق التوافرية واضطراب الشبكات وقواعد البيانات، وهو ما قد ينعكس سريعًا على الخدمات المالية وأنظمة المدفوعات والهوية الرقمية والخدمات الحكومية وسلاسل الإمداد.
وأضاف أن توطين البيانات داخل الحدود الوطنية قد يقلل بعض المخاطر الجيوسياسية مثل التعرض للولاية القضائية الأجنبية أو الضغوط السياسية العابرة للحدود، لكنه في الوقت نفسه قد يؤدي إلى تركّز الأصول الرقمية في نطاق جغرافي واحد، ما يزيد من قابلية استهدافها في حال وقوع نزاع. وأوضح أن الحل الأكثر توازنًا يتمثل في توطين موزع للبيانات داخل الدولة عبر أكثر من منطقة تشغيلية، وأكثر من مصدر للطاقة والاتصالات، مع وجود نسخة تعافٍ خارجية في دولة شريكة وفق أطر قانونية واضحة.
وأشار عابدين إلى أن المؤسسات المالية والحكومية هي الأكثر تأثرًا في حال تعرض المنظومة الرقمية لاضطراب واسع، مؤكدًا أن ضمان استمرارية الأعمال يتطلب أكثر من مجرد الاحتفاظ بنسخ احتياطية للبيانات، بل تصميم بنية تشغيلية بديلة تشمل فصل الأنظمة الحرجة عن غير الحرجة، وتشغيل الخدمات عبر مناطق ومزودين متعددين قدر الإمكان، وإجراء اختبارات دورية لخطط التعافي، إضافة إلى توفير بنية اتصالات بديلة وقدرة تشغيلية في وضع اتصال منخفض عند الضرورة.
وأوضح أن تداول البيانات عبر الحدود يظل سيفًا ذا حدين؛ فمن ناحية يوفر مرونة جغرافية تسمح بإعادة تشغيل العمليات خارج مناطق الخطر وتوزيع الأحمال التشغيلية، لكنه من ناحية أخرى قد يخلق تحديات تنظيمية وقانونية ويزيد الاعتماد على مسارات اتصال دولية قد تتعرض للتعطل أو القيود السياسية.
وأكد عابدين أنه في ظل تصاعد المخاطر الجيوسياسية التي أصبحت تطال البنية التحتية الرقمية في بعض مناطق الشرق الأوسط، يمكن لمصر أن تلعب دورًا مهمًا كبيئة بديلة وآمنة لاستضافة مراكز البيانات الإقليمية. وأوضح أن الموقع الجغرافي لمصر، القريب من الخليج وأفريقيا وأوروبا، يمنحها ميزة استراتيجية تؤهلها لتكون مركزًا إقليميًا للخدمات السحابية واستمرارية الأعمال.
واختتم عابدين تصريحاته بالتأكيد على أن الاستثمار في مراكز البيانات يمثل استثمارًا طويل الأجل بمليارات الدولارات، لكنه يحقق هدفين أساسيين؛ أولهما تعزيز أمن المعلومات عبر توزيع البنية التحتية الرقمية وتقليل تركّزها في مناطق معرضة للمخاطر، وثانيهما توفير بيئة فعالة للتعافي من الكوارث للدول والمؤسسات العاملة في مناطق قد تتأثر بالصراعات. وأضاف أن تبني استراتيجية وطنية لتطوير مراكز بيانات إقليمية بالتعاون بين الدولة والقطاع الخاص يمكن أن يحول مصر إلى مركز إقليمي للبنية التحتية الرقمية يخدم الخليج وأفريقيا وشرق المتوسط، ويجذب استثمارات كبيرة في قطاع الاقتصاد الرقمي.

قال الدكتور محمد حجازي، خبير السياسات والتشريعات الرقمية والرئيس السابق للجنة التشريعات والقوانين بوزارة الاتصالات، إن البنية التحتية الرقمية لم تعد مجرد أداة لتمكين العمليات العسكرية أو ساحة للهجمات البرمجية الخبيثة، بل أصبحت أهدافًا مادية مباشرة في قلب الصراعات المسلحة. وأوضح أن استهداف مراكز بيانات شركة Amazon Web Services في دولة الإمارات العربية المتحدة ومملكة البحرين عبر طائرات مسيّرة يمثل تدشينًا فعليًا لعصر يمكن وصفه بـ«تحصين الأنظمة المعلوماتية بالوسائل العسكرية».
وأضاف أن هذا التحول يتجاوز مفهوم الهجمات السيبرانية التقليدية التي تستهدف سرقة البيانات أو تعطيل المواقع، لينتقل إلى مرحلة التدمير المادي للأصول التي تشكل العمود الفقري للاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي. وأشار إلى أن مراكز البيانات تحولت من محركات للنمو والابتكار التقني إلى «موارد استراتيجية» مشروعة في نظر أطراف النزاع، وهو ما يفرض على صناع القرار إعادة تعريف مفهوم السيادة الرقمية بصورة جذرية.
وأوضح حجازي أن تأمين الشبكات عبر الجدران النارية والبرمجيات لم يعد كافيًا، بل أصبح تحصين الأصول المادية وتأمين سلاسل توريد الطاقة والتبريد جزءًا لا يتجزأ من استراتيجية الأمن القومي. وأكد أن تصنيف هذه المنشآت كبنية تحتية حرجة يضعها في مرتبة مساوية لمصافي النفط ومحطات تحلية المياه، إذ إن تعطيلها قد يؤدي إلى شلل فوري في الخدمات المالية واللوجستية والحكومية التي تعتمد عليها الاقتصادات الحديثة.
وأشار إلى أن تصنيف منطقة الخليج العربي كمنطقة صراع رقمي نشط يغير بشكل جوهري معادلة المخاطر والعائد التي تتبعها شركات التكنولوجيا الكبرى المعروفة بـHyperscalers. فخلال العقود الماضية جرى تسويق المنطقة كواحة للاستقرار الرقمي، ما جذب استثمارات بمليارات الدولارات لبناء مناطق سحابية إقليمية، إلا أن الهجمات المباشرة على مراكز البيانات تفرض مستويات جديدة من المخاطر قد تؤدي إلى تباطؤ أو إعادة توجيه الاستثمارات المستقبلية.
وأوضح أن شركات مثل أمازون ومايكروسوفت وجوجل تعتمد على نموذج مركزي في بناء مراكز البيانات الضخمة لتحقيق أعلى مستويات الكفاءة التشغيلية، غير أن هذا النموذج يخلق «نقاط تركز» مغرية للاستهداف العسكري في ظل الواقع الجديد. ورجح أن تتجه هذه الشركات إلى تبني استراتيجيات أكثر توزيعًا للبنية التحتية، رغم تكلفتها المرتفعة، لتقليل احتمالات حدوث شلل كامل في المنطقة السحابية عند استهداف مرفق واحد.
وأضاف أن الحكومات المحلية قد تجد نفسها مضطرة لتقديم ضمانات أمنية مادية لهذه المنشآت، بما في ذلك إدراج مراكز البيانات ضمن مظلة الدفاع الجوي الوطني، لضمان استمرار تدفق الاستثمارات التقنية. ولفت إلى أن مشروع «ستارجيت» في أبوظبي، باستثمارات تُقدَّر بنحو 500 مليار دولار، يمثل اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدول على حماية الاستثمارات العملاقة في مجال الذكاء الاصطناعي في بيئة جيوسياسية متوترة.
وأكد حجازي أن العقود الدفاعية التي تبرمها شركات التكنولوجيا العالمية مع حكومات مثل الولايات المتحدة وإسرائيل قد تمثل نقطة ضعف أمنية لمرافق تلك الشركات في مناطق النزاع، إذ إن وجهة النظر الإيرانية التي ترى أن مراكز بيانات AWS في الخليج تدعم العمليات العسكرية الأمريكية تعكس كيف يمكن أن يتم تسييس البنية التحتية المدنية.
وأوضح أن هذا الارتباط يؤدي إلى تآكل مفهوم «الحياد التقني»، إذ عندما تقدم شركة سحابية خدمات الذكاء الاصطناعي والاستضافة لوزارة دفاع طرف في النزاع، فإن جميع مرافقها العالمية قد تُعتبر، في نظر الخصم، أجزاءً من مجهود حربي متكامل. وضرب مثالًا بعقد «نيمبوس» Nimbus البالغة قيمته 1.2 مليار دولار بين جوجل وأمازون والحكومة الإسرائيلية، والذي يضع هذه الشركات في قلب الاستهداف الجيوسياسي، حيث يصعب على الأطراف المعادية التمييز بين البيانات المدنية المستضافة محليًا والقدرات الحوسبية العالمية التي تخدم أهدافًا عسكرية.
وأضاف أن هذا الواقع يفرض على الدول المستضيفة في المنطقة إجراء تقييم دقيق لهوية مزودي الخدمات السحابية وارتباطاتهم الدولية، محذرًا من أن الاعتماد على مزود واحد للخدمات السحابية مرتبط بتحالفات عسكرية معينة قد يجعل الدولة المستضيفة عرضة لهجمات انتقامية لا علاقة لها بسياساتها الوطنية، بل بهوية الشريك التقني.

وأشار إلى أن الأحداث الأخيرة أثبتت أن الاعتماد الكامل على السحب العالمية المفتوحة يمثل مخاطرة كبيرة بالنسبة للخدمات الحكومية الحيوية، موضحًا أن مطالبة أمازون لعملائها في المنطقة بنقل بياناتهم إلى أقاليم في الولايات المتحدة أو أوروبا عند وقوع الضربات يعكس محدودية النموذج السحابي التقليدي في توفير المرونة والصمود المطلوبين داخل الحدود الوطنية في أوقات النزاع.
وقال إن نموذج «السحابة السيادية المعزولة» Air-Gapped Sovereign Cloud يبرز كأحد الحلول التي تضمن استقلال القرار الوطني، إذ يتميز بقدرته على العمل دون اتصال بالإنترنت العالمي، ما يحميه من الهجمات السيبرانية العابرة للحدود ومن قرارات «قطع الخدمة» التي قد تتخذها الدول الأم للشركات المزودة.
وأوضح أن الهجمات المادية على مراكز البيانات تثير جدلًا قانونيًا واسعًا حول تطبيق القانون الدولي الإنساني، إذ تنص أحكام البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف على اعتبار مراكز البيانات «أصولًا مدنية» محمية ما لم تسهم مساهمة فعالة في العمل العسكري. غير أن الواقع التقني الحديث يجعل من الصعب الفصل بين الاستخدام المدني والعسكري في البيئات السحابية المشتركة.
وأشار إلى أن «دليل تالين» يعد المرجع القانوني الأبرز في هذا المجال، حيث يوضح أن المنشأة المدنية قد تفقد حمايتها إذا أصبحت هدفًا عسكريًا بالنظر إلى الفائدة العسكرية المباشرة التي توفرها. فاستضافة أنظمة استخباراتية أو خوارزميات لاختيار الأهداف العسكرية في نفس مركز البيانات الذي يستضيف بيانات مصرفية قد يجعل المنشأة بأكملها هدفًا مزدوج الاستخدام.
وأضاف أن المعضلة القانونية تكمن في مبدأ «التناسب»، متسائلًا عما إذا كان تدمير مركز بيانات يؤدي إلى توقف المستشفيات وشبكات الغذاء المدنية يمكن اعتباره عملاً قانونيًا إذا كان الهدف تعطيل خادم عسكري واحد. ولفت إلى أن الاتجاه الحالي يشير إلى أن القوى العسكرية بدأت تعتبر «القدرة الحوسبية» ميزة عسكرية في حد ذاتها، ما يمهد الطريق لإعادة تصنيف مراكز البيانات كبنية تحتية استراتيجية عسكرية في أوقات الحرب، وهو ما يهدد الحماية القانونية المقررة للمدنيين في الفضاء الرقمي.
وأشار إلى أن تهديد مراكز البيانات لا يقتصر على الهجمات المباشرة، بل يمتد إلى استهداف العمود الفقري الفيزيائي الذي يدعمها، وفي مقدمته شبكة الطاقة الكهربائية. فمركز بيانات بقدرة 100 ميجاوات يستهلك طاقة تعادل استهلاك مدينة متوسطة الحجم، ما يجعله هشًا أمام أي اضطراب في الشبكة الكهربائية الوطنية. كما أن استهداف محطات التحويل أو خطوط النقل المغذية للمناطق التقنية قد يؤدي إلى توقف فوري لعمليات الحوسبة، خاصة أن فترات توريد المحولات الكبيرة قد تمتد إلى أكثر من أربع سنوات.
وأوضح أن مراكز البيانات تعتمد كذلك على أنظمة تبريد مستمرة، وأن أي هجوم على محطات ضخ المياه أو إمدادات الطاقة الخاصة بأنظمة التبريد قد يؤدي إلى ارتفاع حرارة الخوادم وتوقفها تلقائيًا، ما قد يتسبب في فقدان البيانات أو تلف الأجهزة الحساسة. كما يمكن للمهاجمين استخدام برمجيات خبيثة للتحكم في أنظمة SCADA التي تدير تدفق الكهرباء إلى مراكز البيانات، ما قد يؤدي إلى انفجارات في المحولات أو حرائق داخل غرف الخوادم دون الحاجة إلى إطلاق صاروخ واحد.
وأضاف أن توطين البيانات داخل الحدود يمثل استراتيجية سيادية لحماية بيانات المواطنين من الاختصاصات القضائية الأجنبية، لكنه في الوقت ذاته يخلق تحديًا أمنيًا جديدًا في زمن الحرب. فمن جهة، يقلل التوطين من المخاطر الجيوسياسية المرتبطة بقطع كابلات الإنترنت الدولية، إذ تظل الخدمات الوطنية قادرة على العمل محليًا، لكنه من جهة أخرى قد يؤدي إلى تركيز البيانات والنظم في منطقة جغرافية واحدة يسهل استهدافها في حال وقوع نزاع مسلح.
وأوضح أن الحل الأمثل يتمثل في ما يمكن تسميته «التوطين المرن» أو النسخ الاحتياطي الجيوسياسي، بحيث يتم الاحتفاظ بنسخة سيادية داخل الحدود الوطنية مع وجود بروتوكولات لنقل البيانات المشفرة إلى ملاذات رقمية آمنة في دول حليفة ومستقرة جغرافيًا عند استشعار خطر عسكري وشيك.
وأشار إلى أن المؤسسات المالية والحكومية تعد الأكثر عرضة للتأثر بانهيار المنظومة الرقمية، لافتًا إلى أن توقف تطبيقات البنوك في الإمارات والبحرين لمدة يومين كشف عن فجوات كبيرة في خطط استمرارية الأعمال.
وأوضح أن ضمان الاستمرارية يتطلب تبني استراتيجيات تضمن عدم اختراق الأنظمة خلال فترات الاضطراب الفيزيائي أو فشل أنظمة الهوية المركزية، مع تحديد الخدمات الأساسية التي يجب أن تستمر في العمل حتى في حال فقدان 90% من القدرة الحوسبية، وتأمين هذه الخدمات في مراكز بيانات صغيرة ومنفصلة تمامًا. كما شدد على أهمية توزيع البيانات بين سحابة عالمية وسحابة وطنية ومراكز بيانات خاصة، وعدم الاعتماد على شركة واحدة لتقديم الخدمات.
واختتم حجازي بالتأكيد على أن تداول البيانات عبر الحدود يمثل في زمن السلم محركًا للنمو الاقتصادي العالمي، إذ يسهم بنحو 10% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، لكنه في زمن الحرب يتحول إلى وسيلة نجاة وعبء سيادي في الوقت نفسه. فامتلاك نسخة من البيانات في إقليم جغرافي بعيد يسمح بإعادة تشغيل العمليات خلال ساعات بعد تدمير المقر الرئيسي، إلا أن نقل بيانات حكومية حساسة إلى دولة أخرى قد يضعها تحت طائلة القوانين والرقابة الاستخباراتية للدولة المضيفة.
وشدد على ضرورة أن يعمل المشرعون في المنطقة على صياغة اتفاقيات لحصانة البيانات مع الدول الشريكة، تضمن معاملة البيانات الوطنية كأرض سيادية تتمتع بحصانات دبلوماسية حتى لو كانت مستضافة في الخارج، بما يحقق الاستفادة من تدفق البيانات عبر الحدود مع الحفاظ على السيادة الوطنية في أوقات الأزمات.

أكد المهندس محمد الحارثي، خبير تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات، أن التطورات الجيوسياسية الأخيرة أظهرت بوضوح أن البنية التحتية الرقمية لم تعد مجرد منصات تقنية لتقديم الخدمات، بل أصبحت جزءًا أصيلاً من معادلة الأمن القومي والاقتصادي للدول.
وأوضح، أنه مع اتساع نطاق الصراعات الحديثة لم يعد التأثير مقتصرًا على الحدود الجغرافية التقليدية، بل امتد إلى الفضاء السيبراني ومراكز البيانات وشبكات الحوسبة السحابية التي يقوم عليها الاقتصاد الرقمي. وأضاف أن أي اضطراب في هذه البنية قد يؤدي إلى تعطّل خدمات مالية أو حكومية أو لوجستية تعتمد عليها المجتمعات بشكل يومي.
وأشار الحارثي إلى أن هذا الواقع يفرض تحولًا في التفكير الاستراتيجي لدى الحكومات والمؤسسات، بحيث لا يقتصر الأمر على تأمين الشبكات والأنظمة فقط، بل يمتد إلى بناء منظومة متكاملة لحماية الأصول التكنولوجية نفسها وضمان استمرارية تشغيلها في مختلف الظروف.
وشدد على أهمية توطين التقنيات وبناء قدرات محلية في إدارة وتشغيل البنية التحتية الرقمية، سواء في مجالات الحوسبة السحابية أو مراكز البيانات أو منصات التحليل والذكاء الاصطناعي. وأكد أن زيادة قدرة الدول على امتلاك وتشغيل تقنياتها الأساسية تعزز قدرتها على ضمان استمرارية الخدمات الحيوية خلال الأزمات.
وأضاف خبير تكنولوجيا المعلومات أن توطين التكنولوجيا لا يعني الانعزال عن العالم، بل بناء طبقة سيادية من البنية الرقمية قادرة على العمل بشكل مستقل عند الضرورة. وأوضح أن تحقيق ذلك يتطلب تصميم سيناريوهات واضحة لإدارة الكوارث، تشمل احتمالات مثل انقطاع الطاقة عن مراكز البيانات، أو تعطل مزودي الخدمات السحابية العالميين، أو حتى تعطل شبكات الاتصال الدولية.
وأشار إلى أن وجود خطط بديلة، مثل إنشاء مراكز بيانات احتياطية، وتطوير نظم تشغيل محلية، ووضع آليات فعّالة لاستعادة الخدمات بسرعة، أصبح عنصرًا أساسيًا في منظومة الأمن الرقمي للدول في العصر الحديث.







