يشهد قطاع العمارة والتصميم تحولا متسارعا مع دخول الذكاء الاصطناعي إلى واحدة من أكثر المراحل تعقيدا في عملية تطوير المشروعات العقارية، من دراسة المواقع وتقييم جدوى البناء، إلى توليد التصميمات واختبار عشرات السيناريوهات خلال وقت قصير. وتأتي هذه التحولات في سوق عالمي ضخم؛ إذ بلغ حجم سوق برمجيات العمارة والهندسة والإنشاءات نحو 11.9 مليار دولار في 2025، مع توقعات بوصوله إلى 39.1 مليار دولار بحلول 2033، بينما بلغ سوق الذكاء الاصطناعي التوليدي في قطاع العمارة نحو 1.47 مليار دولار في 2025، مع توقعات بتجاوزه 8 مليارات دولار بحلول 2030، بمعدل نمو سنوي يتجاوز 40%.
وفي قلب هذا التحول، تظهر شركات ناشئة تحاول إعادة تعريف الطريقة التي يعمل بها المعماريون والمطورون، ليس فقط عبر استخدام الذكاء الاصطناعي لإنتاج صور أو أفكار أولية، وإنما من خلال تحويله إلى أداة لاتخاذ قرارات تصميمية واستثمارية أكثر سرعة ودقة. وتزداد أهمية هذه التكنولوجيا في ظل ضخامة سوق البناء العالمي، الذي تجاوز 7.2 تريليون دولار في 2025، إلى جانب سوق الإنشاءات السكنية الذي بلغ نحو 5.83 تريليون دولار خلال العام نفسه.
من مصر، بدأت CONIX.AI رحلتها كامتداد لخبرة طويلة في العمارة والتصميم الحوسبي والبحث والتطوير، قبل أن تتحول إلى شركة SaaS تستهدف إعادة صياغة عملية التصميم المعماري باستخدام الذكاء الاصطناعي، ثم تتوسع إلى السوق السعودية التي أصبحت نقطة انطلاق رئيسية في مسيرة الشركة.
يتحدث يوسف فهمي، الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة CONIX.AI، حول رحلته في هذا القطاع، وكيف انطلقت الشركة من مصر إلى السعودية، وما تقدمه وحققته، والتحديات التي واجهتها، وأهدافها خلال الفترة القادمة.
في البداية حدثنا عن خبراتك قبل تأسيس CONIX.AI
أنا مهندس معماري، تخرجت من كلية الهندسة بجامعة الإسكندرية عام 2005. بدأت مسيرتي المهنية في مصر، وعملت حتى عام 2007 كمهندس معماري في مجال التصميم، وخلال هذه الفترة عملت في أكثر من شركة داخل مصر.
في عام 2008 بدأت العمل خارج مصر، وكانت البداية في تركيا، ثم في عام 2010 انتقلت إلى ماليزيا، حيث عملت كـ Chief Design Officer في واحدة من أكبر الشركات هناك، وكنت مسؤولا عن فريق كبير. استمر عملي في ماليزيا حتى نهاية أغسطس 2015.
وما هي الخطوات التالية التي قمت بها؟
بعد ذلك انتقلت إلى برشلونة، وهناك درست التصميم الحوسبي. كانت هذه المرحلة نقطة تحول مهمة في مسيرتي المهنية، لأن خبرتي السابقة كانت تتركز بشكل أساسي في التصميم المعماري التقليدي، بينما بدأت من خلال دراسة التصميم الحوسبي في الانتقال إلى مجال التصميم الرقمي واستخدام التكنولوجيا بشكل أكبر في عملية التصميم. حصلت على درجة الماجستير في عام 2016، ثم عدت إلى مصر.
وما الذي قمت به في مصر في ذلك الوقت؟
في عام 2016 بدأت في تدريب فريق متخصص، وفي عام 2017 أسست شركة وبدأنا العمل بشكل فعلي في مجال البحث والتطوير، واستمر عملنا في البحث والتطوير من عام 2017 وحتى عام 2021. خلال هذه الفترة حصلنا على استثمار صغير من مبادرة النيل، وكنا محتضنين لديها في عام 2020، وحصلنا من خلالها على دعم ساعدنا بشكل كبير في تطوير الشركة، كما شاركنا في عدد من المعارض والفعاليات. في عام 2020 أطلقنا أول نسخة بسيطة من CONIX.AI، وفي عام 2021 أطلقنا نسخة ثانية أكثر تطورا.
وكيف جاءت فكرة CONIX.AI؟
فكرة CONIX.AI جاءت بشكل طبيعي من خبرتي كمهندس معماري ومن دراستي في إسبانيا. عندما عدت إلى مصر، أسست شركة لها جناحان، جناح يعمل في مجال العمارة والتصميم، وجناح متخصص في البرمجة وتطوير الأدوات التي تساعد المعماريين على العمل بشكل أسرع وأكثر كفاءة.
بحكم دراستي في إسبانيا في مجال التصميم الحوسبي، بدأت في برمجة عدد من الأدوات التي تساعد المعماريين في فريق التصميم الخاص بنا في تنفيذ المهام والعمليات بشكل أسرع، وتعطي الفريق قدرة على إنجاز حجم أكبر من العمل بعدد ساعات وأفراد أقل. كنا نبرمج أدوات تساعد المعماريين في فريق التصميم الخاص بنا، ثم نختبرها ونطبقها داخل العمل الفعلي، ومع الوقت أصبح لدينا عدد كبير من الأدوات التي أثبتت فاعليتها.
مع بداية جائحة كورونا، حدثت أزمة كبيرة وتوقفت العديد من المشاريع، وكان أمامنا تحدي حقيقي. وقتها فكرت في كيفية تحويل هذه المحنة إلى فرصة. قلت لنفسي إننا خلال السنوات السابقة قمنا ببرمجة عدد كبير من الأدوات، وساعدنا بها المعماريين، وقمنا بعمل Validation لها واختبارها في العمل الفعلي، فلماذا لا نحول هذه الأدوات إلى منتج SaaS يمكن للمعماريين بشكل عام من استخدامه مباشرة؟
بدلا من أن أتوقف عن العمل وأستغني عن الفريق الذي استثمرت في تدريبه وتطويره، قررت أن نحول ما بنيناه إلى منتج يمكن بيعه واستخدامه من جانب المعماريين بشكل عام. بدأت في دراسة السوق لمعرفة أكبر فجوة يمكن أن نغطيها بمنتج لدينا فيه ميزة حقيقية، وفي نفس الوقت يكون له سوق واضح.
وما هي الفجوة الأساسية التي وجدتها؟
وجدت أن أكبر فجوة كانت في مجال تصميم الفلل. اكتشفت أن نسبة صغيرة جدا من الفلل التي يتم تصميمها حول العالم، حوالي 2% فقط، يتم تصميمها بواسطة معماريين، بينما النسبة الأكبر يتم التعامل معها من خلال مقاولين أو أشخاص غير متخصصين في التصميم المعماري. هنا وجدت فرصة كبيرة يمكن أن نقدم فيها قيمة حقيقية.
في ذلك الوقت كان لدينا بالفعل كود وأدوات تم تطويرها لتصميم الفلل، فبدأنا من هذه النقطة وطورنا المنتج ليكون متاحا كخدمة SaaS. وكانت هذه هي البداية الفعلية لـ CONIX.AI. في البداية كان اسم المنتج Cloud AID، ثم قمنا بتغييره إلى CONIX.AI.
ألم تقلق من هذه الخطوة؟
أنا بشكل عام من أنصار فكرة أن تبدأ بسرعة ثم تطور نفسك أثناء العمل. لا أحب أن نقضي وقتا طويلا في التفكير قبل أن نبدأ، بل الأفضل أن نفكر بسرعة، نبدأ، ثم نتعلم من السوق ونطور المنتج بناء على ما نراه من احتياجات حقيقية.
حتى في البداية، عملنا اسما سريعا للمنتج وصممنا له لوجو، ولم نقض وقتا طويلا في بناء الهوية التجارية. وعندما بدأنا وجدنا أن الناس مهتمون بالمنتج ومستعدون لشرائه، بدأنا في بناء البراند بشكل أكثر احترافية. بالنسبة لي، السوق هو الذي يؤكد الفكرة، وليس مجرد التفكير فيها لفترة طويلة قبل إطلاقها.
وما الذي تقدمه الشركة بشكل دقيق؟
الشركة توظف الذكاء الاصطناعي لتوليد نماذج تصميمات معمارية كاملة في غضون دقائق بدلًا من أسابيع، كما نمكّن المستخدمين من تقييم صلاحية مواقع البناء بسرعة وكفاءة وتقييم سيناريوهات متعددة للمشروع في بضع دقائق، وتحسين استغلال المساحات مع مراعاة الجوانب البيئية، مما يسهم بتوفير الوقت والجهد وتقليل المخاطر وسرعة اتخاذ القرار.
فنحن نريد أن نجعل عمل المهندس المعماري أكثر سهولة وفعالية؛ فمع CONIX.AI، يمكن للمهندسين المعماريين تزويد عملائهم بالعديد من التصميمات المنتجة خصيصا للاختيار من بينها في وقت قياسي، كما تمكن مطوري العقارات من اتخاذ قرارات الاستثمار على الفور باستخدام CONIX.AI داخليا مع فريقهم المعماري. ونحن نعمل حاليا B2B من خلال Conix، ولدينا ذراع B2C تحت اسم Zawia.
وهل هناك شركات منافسة في المنطقة؟
هناك شركات عالمية مثل فيه High Arch وتتعدى استثماراتها أكثر من 100 مليون دولار، وهناك أكثر من منافس عالمي، ولكن لا يقدمون نفس ما نقدمه، ولكن يعملون في مشاريع مختلفة.
وما هي أبرز التحديات التي واجهتكم؟
أبرز تحد واجهناه كان الفريق، لأن طبيعة عملنا تعتمد على تدريب الأشخاص وتأهيلهم. أنا مجالي الأساسي هو التصميم الرقمي، وأستعين بالمعماريين وأعلمهم المهارات والأدوات التي يحتاجون إليها في هذا المجال. لكن بعد تخرجهم واكتسابهم الخبرة، يحصلون على فرص عمل في الخارج ويغادرون، وهو ما يجعلنا نبدأ من جديد مع فريق جديد. لذلك غيرت المنتج وطريقة العمل حتى أقلل الاعتماد على الفريق الجديد. ببساطة، لا توجد مواهب جاهزة بشكل كاف في هذا المجال، ولذلك علينا أن نعلم الأشخاص ونبني قدراتهم من البداية. كما أن التعامل مع الأجيال الجديدة يمثل تحديا، لأنهم يمتلكون قدرات كبيرة، لكنهم يحتاجون إلى أسلوب تعامل مختلف، وفهم لطريقة تفكيرهم، خاصة أن الأجيال تتطور باستمرار.
التحدي الثاني هو أننا نعمل على تطوير تكنولوجيا جديدة، وبالتالي لا يوجد منتج جاهز أو نموذج سابق يمكننا القياس عليه. نحن نجرب باستمرار ونطور حلولنا بأنفسنا، ولا نعتمد على أدوات جاهزة، بل نقوم ببرمجة كل شيء بأنفسنا. وهذا يجعل البحث والتطوير R&D أكثر صعوبة، ويحتاج إلى استثمارات كبيرة، خاصة أن الاستثمار في البحث والتطوير في المنطقة العربية ما زال محدودا، كما أن تكنولوجيا Deep Tech لا تحصل على الدعم الكافي. وفي الوقت نفسه كان من الصعب جذب المستثمرين، لأن المستثمرين لا ينظرون دائما إلى شركات Deep Tech، خاصة أن تطوير التكنولوجيا من الصفر يحتاج إلى وقت واستثمار كبيرين قبل الوصول إلى منتج واضح وقابل للتوسع.
وماذا عن الحصول على استثمارات؟
في عام 2022 حصلنا على استثمار بقيمة 1.3 مليون دولار من BIM Ventures في السعودية، وكانت هذه نقطة مهمة في مسيرة الشركة، حيث انتقلنا في ذلك الوقت إلى السوق السعودي وبدأنا التوسع والعمل هناك، وحصلنا مؤخرا على استثمار استراتيجي من LAB7، ذراع أرامكو السعودية لبناء الشركات التقنية الناشئة. وتجمع الصفقة بين استثمار نقدي، ودعم استراتيجي وتقني عيني.
ولماذا قررتم التوجه إلى السعودية؟
جربنا العمل في أكثر من سوق. في عام 2020 كنا نعمل في مصر، واكتشفنا وجود أكثر من تحد، من بينها مقاومة المنتج الجديد والتشكيك فيه. أحيانا كنا نشعر أن هناك قناعة لدى البعض بأن المنتج المصري ليس بالضرورة الأفضل، ولذلك كانوا يترددون في استخدامه أو يخشون من تجربته. وفي المقابل، نجحنا في بيع خدماتنا في إنجلترا وغانا.
وفي بداية عام 2022 التقيت أحمد خيري، مؤسس Gameball، وكنت في تلك الفترة أحرص على الجلوس من وقت إلى آخر مع عدد من العاملين في شركات SaaS، ومن بينهم محمد نبيل مؤسس Widebot، كان أحمد خيري قد حصل على استثمار في ذلك الوقت، ونصحني بالتوجه إلى السعودية، باعتبارها سوقا واعدا. بعدها بدأ الشريك المؤسس هاني فرّاج بالتواصل مع عملاء في السعودية، وصممنا له أحد مشروعاته، والمطور العقاري كان شريكاً في BIM Ventures، ووجدنا أن السوق الذي تقبلنا بسهولة أكبر هو السوق السعودي. ورغم أنه ليس سوقا سهلا، فإننا نسير فيه ونتطور داخله، خاصة أن معايير الجودة هناك مرتفعة جدا. ننفذ بعض المشروعات أحيانا باعتبارها وسيلة لإثبات وجودنا وبناء الثقة في السوق، لكننا نرى أن السوق السعودي سوق واعد، ونعتقد أن لدينا فرصة كبيرة للنمو فيه.
وما الذي حققته الشركة؟
أبرمنا عقودا مع أمانة الرياض ووزارة الإسكان في السعودية، ونفذنا أكثر من 250 فيلا، بعضها اكتمل بالفعل وبعضها لا يزال قيد التنفيذ. وحاليا أصبح لدينا منتجان مخصصان لقطاع الشركات B2B، كما أن إبرام عقدين مع جهات حكومية هو إنجاز أعتز به بشكل خاص، لأن المنتج الذي بدأناه على نطاق صغير في مصر استطاع أن يصل إلى مستوى يؤهلنا للتعاون المباشر مع الحكومة السعودية.
وما كان من الممكن أن نصل إلى هذه المرحلة من دون امتلاك هذا النوع من التكنولوجيا وتطويرها بأنفسنا. والأهم أن هذه العقود تمت بشكل مباشر ومن دون أي وساطة، وهو ما أعتبره إنجازا كبيرا للشركة، ودليلا على أن التكنولوجيا التي طورناها قادرة على المنافسة والوصول إلى مشروعات كبيرة على مستوى السوق السعودي.
وما هي أهدافكم خلال الفترة القادمة؟
هدفنا ألا تظل الشركة محصورة في الخليج أو السوق السعودي، وإنما أن تتحول خلال عام ونصف إلى شركة يستفيد منها أي معماري في العالم. نركز حاليا على السعودية ومنطقة الخليج، وبعد أن نصل إلى مرحلة العالمية سننظر إلى مدى تقبل السوق المصري للمنتج، لأن هدفنا في النهاية أن يكون منتجنا عالميا وقابلا للاستخدام بشكل واسع.
نرى أيضا أسواقا واعدة يمكن أن نتوسع فيها، مثل كينيا وتركيا، وبدأنا بالفعل في التواصل مع بعض الشركاء هناك، إلى جانب وجود فرص في سلطنة عمان. وفي الوقت الحالي تظل السعودية والخليج هما محور تركيزنا الأساسي، لكننا نعمل بالتوازي على بناء فرص في أسواق أخرى.
أما في مصر، فأحاول أن يكون المنتج متاحا داخل الجامعات بأرقام رمزية، وبدأت بالفعل في التواصل مع الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري، بهدف إتاحة التكنولوجيا للطلاب والخريجين وتعريفهم بها مبكرا. وأوجه دعوة إلى الجامعات المصرية للتعاون معنا، ونحن مستعدون لتقديم كل الدعم الممكن. نحن موجودون في مصر ونعتز ببلدنا، ونريد أن نقدم شيئا حقيقيا للمجتمع، ونرى أن هناك فرصة كبيرة للاستثمار في الطلاب وتأهيلهم للمستقبل.






