لم تعد السجائر المهربة ظاهرة بعيدة عن أعين المستهلك، بل باتت حاضرة بوضوح في الأسواق، في صورة تعكس تحولها من نشاط مستتر إلى واقع يومي ملموس. ولم يعد عرض هذه المنتجات يقتصر على القنوات غير الرسمية، بل أصبحت تُطرح علنًا أمام المستهلكين في مختلف منافذ البيع، بما في ذلك الأكشاك والمحال التجارية، مما يؤكد اتساع نطاق الظاهرة وانتشارها الجليّ داخل السوق المحلي.
وتشير تقديرات السوق إلى أن السجائر غير المشروعة باتت تستحوذ على نحو 30% من حجم سوق السجائر في مصر، وهي نسبة تعكس حجم التغلغل وتصاعد التأثيرات السلبية. ولا تقتصر تداعيات هذه الأرقام على الانتشار الميداني فحسب، بل تمتد لتشكل نزيفًا حادًا لموارد الدولة؛ إذ لا تخضع هذه المنتجات لأي ضرائب أو رسوم جمركية، مما يتسبب في فقدان مليارات الجنيهات سنويًا من الإيرادات العامة التي تعول عليها الدولة في تمويل الخدمات الأساسية، والاستثمار في قطاعات حيوية كالصحّة والبنية التحتية.
كما يتسبب انتشار هذه المنتجات في إحداث خلل جسيم بتوازن السوق، حيث تُباع بأسعار زهيدة نتيجة تهربها من الأعباء الضريبية والمعايير التنظيمية، مما يخلق منافسة غير عادلة مع المنتجات القانونية الملتزمة بالتشريعات والالتزامات المالية.
وعلى الصعيد الصحي، يمثل هذا النوع من التجارة خطرًا داهمًا؛ إذ تفتقر هذه المنتجات لأي رقابة أو فحوصات تضمن سلامة مكوناتها، مما يثير مخاوف جدية بشأن جودتها وأضرارها المضاعفة على المستخدمين.
بالإضافة إلى ذلك، ترتبط التجارة غير المشروعة في حالات كثيرة بأنشطة الاقتصاد غير الرسمي، وقد تتعدى ذلك لتصبح مصدرًا لتمويل الجريمة المنظمة، مما يضفي أبعادًا أمنية خطيرة على الظاهرة.
وقد تجسد الاهتمام بهذا الملف في المناقشات البرلمانية الأخيرة، التي أثارت تساؤلات جوهرية حول مدى كفاية أدوات الردع الحالية لمواجهة هذا التمدد.
ورغم أن التشريعات المصرية، مثل قانون الجمارك رقم 207 لسنة 2020 وقانون الضريبة على القيمة المضافة رقم 67 لسنة 2016، تفرض عقوبات صارمة تشمل المصادرة، والإتلاف، والغرامات الرادعة على السجائر غير المدموغة، إلا أن استمرار اتساع الظاهرة يطرح تساؤلاً ملحًا حول مدى مواكبة هذه الأدوات لحجم التحدي الراهن.
إن المرحلة الحالية تفرض ضرورة تحديث الإطار التشريعي وتطوير آليات إنفاذه، بالتوازي مع تكثيف الرقابة الميدانية الصارمة، لضمان تفعيل القوانين وتحقيق أثرها المنشود؛ فمواجهة تهريب السجائر لم تعد تقتصر على سن التشريعات، بل في مدى فاعليتها وقدرتها على ضبط إيقاع السوق.







