يشهد العالم اليوم مفارقة لافتة ربما لا ننتبه إليها في تفاصيل حياتنا اليومية، لكنها تتعمق مع كل خطوة جديدة في مسار التطور التكنولوجي. فمن ناحية، يتقدم الذكاء الاصطناعي بسرعة غير مسبوقة ليصبح جزءًا لا يتجزأ من حياتنا؛ ومن ناحية أخرى، يزداد الحديث عالميًا عن الاستدامة وحماية البيئة والموارد الطبيعية.
وهنا يبرز سؤال جوهري: هل يسير هذان المساران في الاتجاه نفسه، أم أننا نقف أمام تناقض حقيقي بين التقدم التكنولوجي وحماية الكوكب؟
لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تقنية متقدمة تستخدمها الشركات الكبرى أو المختبرات البحثية. لقد أصبح أداة يومية تدخل في تفاصيل حياتنا: في العمل، وفي المنزل، وحتى في طريقة تفكيرنا واتخاذنا للقرارات. الشركات تعيد هيكلة أعمالها حوله، والحكومات تضعه في صلب استراتيجياتها الوطنية، بينما يستخدمه الأفراد لإنجاز مهام كانت تستغرق ساعات طويلة في دقائق معدودة. والنتيجة الظاهرة تبدو إيجابية: إنتاجية أعلى، تكلفة أقل، وسرعة غير مسبوقة في الإنجاز.
لكن في الوقت ذاته، هناك قصة أخرى أقل ظهورًا في النقاش العام، لكنها لا تقل أهمية: قصة الاستدامة. فالعالم اليوم يتحدث بشكل متزايد عن خفض الانبعاثات الكربونية، وحماية البيئة، والحفاظ على الموارد للأجيال القادمة. أصبحت تقارير الاستدامة ومعايير الحوكمة البيئية والاجتماعية والمؤسسية جزءًا أساسيًا من خطاب الشركات الكبرى، وأعلنت دول عديدة التزامها بالوصول إلى الحياد الكربوني خلال العقود القادمة.
غير أن السؤال الحقيقي الذي يجب أن نطرحه هنا هو: هل يمكن أن يتوسع الذكاء الاصطناعي بهذه السرعة، وفي الوقت نفسه نحقق أهداف الاستدامة البيئية؟
قد يبدو الذكاء الاصطناعي للوهلة الأولى تقنية “افتراضية” لا تستهلك موارد مادية، لأننا نتعامل معه عبر الهاتف أو الحاسوب. لكن الواقع مختلف تمامًا. فهذه التقنية تعتمد على بنية تحتية هائلة تشمل مراكز بيانات عملاقة، وآلاف الخوادم، ومعالجات فائقة الأداء، وأنظمة تبريد تعمل على مدار الساعة، إضافة إلى قدرات ضخمة لتخزين البيانات.
كل هذه البنية التحتية تحتاج إلى طاقة، وكميات كبيرة من الطاقة. وتشير التقديرات إلى أن مراكز البيانات حول العالم استهلكت نحو 415 تيراواط/ساعة من الكهرباء في عام 2024، وهو ما يعادل نحو 1.5% من إجمالي استهلاك الكهرباء عالميًا. وعند مقارنة هذا الرقم باستهلاك دول كاملة، ندرك حجم الصورة بشكل أوضح، إذ يعادل تقريبًا استهلاك دول كبيرة يبلغ عدد سكانها مئات الملايين.
الأكثر أهمية أن هذا الرقم مرشح للزيادة بشكل كبير. فالتوقعات تشير إلى أن استهلاك مراكز البيانات قد يصل إلى نحو 945 تيراواط/ساعة بحلول عام 2030، أي أكثر من الضعف خلال سنوات قليلة فقط.
ولا يتعلق الأمر بتشغيل مراكز البيانات فحسب، بل أيضًا بتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي نفسها. فعملية تدريب نموذج واحد كبير قد تستهلك طاقة تكفي لتشغيل مدينة كاملة لعدة أيام. ومع التوسع المستمر في تطوير نماذج أكبر وأكثر تعقيدًا، ومع الحاجة إلى تحديثها وإعادة تدريبها بشكل متكرر، فإن هذا الاستهلاك مرشح للزيادة بشكل مستمر.
ولا يقتصر الأمر على الكهرباء. فمراكز البيانات تحتاج أيضًا إلى كميات كبيرة من المياه لتبريد الخوادم والحفاظ على استقرار تشغيلها. وتشير بعض التقديرات إلى استهلاك مليارات الجالونات من المياه سنويًا لهذا الغرض، ما يضيف ضغطًا إضافيًا على الموارد الطبيعية، خاصة في المناطق التي تعاني أصلًا من شح المياه.
المشكلة الحقيقية ليست في الأرقام الحالية بقدر ما هي في الاتجاه العام. فعدد المستخدمين يتزايد يومًا بعد يوم، والتطبيقات الرقمية تعتمد بشكل أكبر على الذكاء الاصطناعي، بينما تصبح النماذج التقنية أكثر تعقيدًا وضخامة. وهذا يعني ببساطة أن استهلاك الطاقة المرتبط بهذه التقنيات مرشح للنمو بوتيرة أسرع من معظم القطاعات الأخرى.
في المقابل، تعلن شركات التكنولوجيا الكبرى التزامها بتحقيق الحياد الكربوني، وهو توجه إيجابي من حيث المبدأ. لكن عند النظر بشكل أعمق، نجد أن جزءًا كبيرًا من هذه الالتزامات يعتمد على ما يعرف بتعويض الانبعاثات الكربونية، مثل تمويل مشاريع زراعة الأشجار أو الاستثمار في الطاقة النظيفة، بدلاً من تقليل الاستهلاك الفعلي للطاقة.
وفي بعض المناطق التي تضم تجمعات كبيرة من مراكز البيانات، بدأت آثار هذا التوسع تظهر بوضوح: ضغط متزايد على شبكات الكهرباء، وارتفاع كبير في استهلاك الطاقة، واستمرار الاعتماد على مصادر طاقة غير متجددة. بل إن استهلاك مراكز البيانات في بعض الحالات أصبح منافسًا لاستهلاك السكان أنفسهم.
هل يعني ذلك أن الحل هو إيقاف الذكاء الاصطناعي أو الحد من توسعه؟
بالتأكيد لا. فالذكاء الاصطناعي يقدم فوائد حقيقية في العديد من القطاعات، بدءًا من تحسين الخدمات العامة، مرورًا بدعم اتخاذ القرار، وصولًا إلى تطوير مجالات حيوية مثل الصحة والتعليم والطاقة.
لكن القضية الأساسية لا تتعلق بوجود هذه التقنية، بل بكيفية استخدامها. فالسؤال لم يعد: هل الذكاء الاصطناعي مفيد؟ بل أصبح: كيف نستخدمه؟ وأين نستخدمه؟ وهل كل استخدام له مبرر حقيقي؟
هل من الضروري استخدام الذكاء الاصطناعي في كل تطبيق وكل خدمة رقمية؟ وهل كل تطوير تقني يستحق التكلفة البيئية التي قد تصاحبه؟
هنا تبرز أهمية الحوكمة. فكما توجد حوكمة للشركات، وتشريعات للأسواق المالية، نحتاج أيضًا إلى إطار واضح لحوكمة الذكاء الاصطناعي. إطار يحدد متى يكون استخدام هذه التقنية مبررًا، وكيف يمكن تقليل استهلاكها للطاقة، وما هي الحدود المقبولة للتوسع فيها بما لا يهدد التوازن البيئي.
نحن لا نعيش صراعًا بين التكنولوجيا والبيئة، بل نواجه تحدي تحقيق التوازن بينهما. فالحقيقة التي لا يمكن تجاهلها أننا نبني مستقبلًا أكثر ذكاءً باستخدام موارد طبيعية محدودة.
وإذا لم يتم إدارة هذا التوازن بوعي ومسؤولية، فقد نجد أنفسنا أمام مفارقة قاسية: نستخدم التكنولوجيا لتحسين حياتنا، بينما نُسرّع في الوقت نفسه استنزاف الكوكب الذي نعيش عليه.
تحليل كتبه: مصطفى ناصف
الخبير الدولي في مجال المراجعة والحوكمة







