«كيان موحد للشركات الناشئة».. الدولة تعيد هندسة قطاع ريادة الأعمال من التنظيم إلى الشراكة
شهدت أروقة الحكومة المصرية في الأيام القليلة الماضية تحركاً هو الأكثر جدية منذ سنوات تجاه ملف ريادة الأعمال، حيث كشف البيان الختامي للاجتماع السادس للمجموعة الوزارية لريادة الأعمال عن توجه الدولة لتأسيس كيان مؤسسي موحد –أو مجلس أعلى– ليكون المظلة الرسمية الوحيدة لهذا القطاع. يأتي هذا القرار في توقيت مفصلي من عام 2026، ليفكك المعضلة التي طالما أرقت المبتكرين والمتمثلة في “تشتت الولاء التنظيمي” بين تقاطعات وزارة الاتصالات، ووزارة التخطيط، والهيئة العامة للاستثمار؛ إذ يسعى الكيان الجديد لتقديم كافة الخدمات عبر “نافذة واحدة” ذكية، لا تكتفي بتبسيط الإجراءات، بل تعيد صياغة فلسفة الدولة تجاه التكنولوجيا من “منطق الجباية والرقابة” إلى “منطق الشراكة والاستثمار.
الرهان الحقيقي لهذا الكيان يتجاوز التنظيم الإداري ليرتكز على هندسة حزم حوافز استثنائية تربط الإعفاءات الضريبية والمزايا الجمركية بـ “معيار الابتكار” والقيمة المضافة، وليس فقط بحجم الأرباح التي غالباً ما تبتعد في مراحل النمو الأولى ، حيث يمثل هذا التحول الجذري حجر الزاوية في إغراء الطيور المهاجرة من الشركات المصرية المسجلة في الخارج (Offshore) للعودة والعمل تحت مظلة القانون المصري، خاصة إذا اقترن ذلك بضمانات تشريعية تحمي حقوق الملكية الفكرية وتضمن سلاسة حركة رؤوس الأموال دخولاً وخروجاً، مما يحول البيئة المحلية من عائق أمام التوسع إلى منصة انطلاق عالمية.
من جانبهم قال خبراء، إن وجود هذه الجهة الموحدة سيمثل صافرة عودة لصناديق الاستثمار العالمية التي ترقبت السوق المصري طويلاً، مدفوعة بوجود قاعدة بيانات وطنية موحدة تتيح للمستثمرين رؤية لحظية لمعدلات النمو وحجم الوظائف المخلقة، بدلاً من الاعتماد على بيانات تقديرية. وأوضح الخبراء أن هذه الشفافية المعلوماتية هي الضمانة الوحيدة لدعم الشركات في مراحل النمو المتأخرة للوصول إلى تقييم المليار دولار (Unicorns) والاحتفاظ بها داخل نسيج الاقتصاد القومي، بدلاً من اضطرارها للتخارج المبكر نحو أسواق إقليمية نتيجة فجوات التمويل أو غياب الرؤية المعلوماتية.

وأشار خبراء ومستثمرون إلى أن الدور الأبرز لهذا الكيان يجب أن يرتكز على “توطين التمويل”، عبر صياغة آليات تشريعية تحفز البنوك وشركات التأمين وصناديق المعاشات لضخ نسبة من محافظها في صناديق رأس المال المخاطر (VCs)، مما يقلل الاعتماد الكلي على التمويل الأجنبي المتقلب ويخلق قاعدة رأسمالية وطنية صلبة. وشدد المحللون على أن نجاح هذا الكيان مرهون بعدم تحوله إلى “أداة بيروقراطية” جديدة، وهو ما يستوجب إشراك رواد الأعمال أنفسهم في مجلس إدارته لضمان صدور تشريعات مرنة –سواء في قانون الشركات أو حوافز الاستثمار– تواكب تسارع الاقتصاد الرقمي العالمي وتدعم مفاهيم مثل الأسهم التحفيزية والخروج الآمن من السوق، لتصبح مصر بحق الوجهة الأولى للابتكار في المنطقة.
وحققت الشركات الناشئة المصرية أداءً قويًا في جذب الاستثمارات خلال عام 2025، حيث جمعت تمويلات بقيمة إجمالية بلغت 614 مليون دولار، وهو ما يمثل نحو 20% من إجمالي تمويل الشركات الناشئة في أفريقيا، وفقًا لتقرير صادر عن أفريكا ذا بيج ديل وشهد التمويل الموجه لمصر نموًا بنسبة 51% مقارنة بعام 2024، وجاء نصف التمويل عبر الأسهم والنصف الآخر عبر الديون، لتصبح مصر ثاني أكبر سوق أفريقي من حيث تمويل الديون بواقع 278 مليون دولار، أي ما يعادل 24% من التمويل القاري.
قال الدكتور أحمد خطاب، خبير الاقتصاد والاستثمار، أن عام 2026 يمثل نقطة تحول جوهرية في مسار الاستثمار التكنولوجي، مؤكداً أن تأسيس كيان موحد ليس مجرد إجراء إداري، بل هو استجابة ضرورية لنتائج الإصلاحات التي بدأتها المجموعة الوزارية لريادة الأعمال. ويوضح خطاب أن هذا الكيان سيعمل كـ “مسرع نمو” لمؤشرات الاستثمار عبر توحيد الجهود المشتتة حالياً بين الوزارات، مما يرسل رسائل طمأنة قوية للمستثمرين في الداخل والخارج بأن الدولة انتقلت من مرحلة “المبادرات المنفردة” إلى مرحلة “السياسة الموحدة” التي تدعم الشركات الناشئة في كافة مراحلها.
وأضاف أن البيئة الاستثمارية في مصر باتت مهيأة أكثر من أي وقت مضى لاستقبال صناديق رأس المال المخاطر العالمية، خاصة مع انحسار التوترات الإقليمية وعودة الاستقرار للمنطقة، وهو ما يتزامن مع طفرة غير مسبوقة في البنية التحتية الرقمية المصرية. ويشير إلى أن الكيان الجديد يجب أن يستثمر هذا الاستقرار عبر تفعيل حلول “خارج الصندوق”، مثل التوسع في نموذج “الشركات الناشئة في المناطق الحرة”، وهو التوجه الذي يمنح هذه الشركات ميزة تنافسية هائلة عبر الإعفاءات الضريبية الشاملة وتسهيل عمليات التصدير الرقمي، مما يجعل من مصر مركزاً إقليمياً لتصدير البرمجيات والخدمات التكنولوجية.

وأكد الدكتور أحمد خطاب ، أن ملف التكنولوجيا الذي فرض نفسه كلغة وحيدة للعصر، يتطلب من الكيان المرتقب أن يكون “ضامناً للسيولة التمويلية”، مشدداً على أن دمج الشركات الناشئة ضمن منظومة المناطق الحرة سيعزز من قدرتها على جذب مصادر الدعم المالي المتنوعة وخفض التكاليف التشغيلية لأدنى مستوياتها. ويتوقع خطاب أن يشهد العام المقبل طفرة في عدد الصناديق الاستثمارية التي ستتخذ من مصر مقراً لها، مدفوعة بجدية الدولة في تقديم تسهيلات تشريعية وضريبية حقيقية، مما يضمن ليس فقط نمو الشركات المحلية، بل تحويل مصر إلى مغناطيس يجذب رؤوس الأموال الباحثة عن فرص حقيقية في اقتصاد المعرفة المستدام.
وفي ذات السياق، يضع طارق رشدي، المستثمر ومؤسس شركة “ui-investments”، يده على جوهر الدور المنتظر للكيان الموحد، مؤكداً أن المستقبل القريب سيتمركز حول “التكنولوجيا العميقة” (Deep Tech)؛ حيث بدأت بالفعل صناديق استثمارية في التشكّل لاستهداف مجالات الذكاء الاصطناعي، تعلم الآلة، وتقنيات الميتافيرس. ويرى رشدي أن وجود مظلة رسمية موحدة سيعزز من جاذبية هذه القطاعات المعقدة، ويمنح المستثمرين الثقة لضخ رؤوس أموالهم في ابتكارات تتجاوز الحلول التقليدية، لتضع مصر على خارطة المنافسة التكنولوجية العالمية.
وأشار إلى أن الذكاء الحقيقي لهذا الكيان المرتقب يجب أن يتجلى في دعمه للقطاعات التي تعالج فجوات مجتمعية حقيقية، مثل التكنولوجيا الزراعية والتعليمية والخدمات اللوجستية؛ فهذه المجالات لا تمثل فقط فرصاً استثمارية واعدة، بل هي أدوات الدولة الاستراتيجية لمواجهة تحديات الأمن الغذائي والتحول الرقمي.
وأضاف أن تحقيق الشركات الناشئة المصرية لاستثمارات تتجاوز نصف مليار دولار هو مؤشر إيجابي وقابل للمضاعفة، شريطة أن يعمل الكيان الجديد كـ “ظهير استراتيجي” يحول هذه الأرقام من مجرد طفرات فردية إلى نمو مستدام وممنهج تحت إشراف جهة تدرك قيمة ريادة الأعمال في دعم الاقتصاد القومي.
وحول “روشتة الحوافز” المطلوبة، يشدد مؤسس “ui-investments” على أن المرونة التشريعية هي المطلب الذي لا يقبل التأجيل؛ إذ ينتظر المستثمرون من الكيان الموحد تسريع وتيرة إصلاح البيئة القانونية لتواكب السباق المحموم في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا مؤكدا أن الأولوية يجب أن تمنح لتبسيط إجراءات التأسيس، ووضع آليات سريعة لفض المنازعات، ومنح مرونة كاملة لتغيير النشاط أو التوسع، موضحاً أن “عنصر الوقت” هو العملة الأغلى في عالم ريادة الأعمال، وأن سرعة استجابة الكيان الجديد للمتغيرات السوقية ستكون هي الفيصل في دفع الشركات الناشئة للأمام وتحويل مصر إلى الوجهة الأولى لرؤوس الأموال المخاطرة في المنطقة.

وفي تحليلها للمتطلبات الهيكلية لضمان نجاح هذا التوجه، شددت كريمة الحكيم، المدير الإقليمي لشركة “Plug and Play”، على أن الفاعلية الحقيقية للكيان المرتقب تكمن في امتلاكه صلاحيات قانونية واضحة تتيح له التحدث بصفة رسمية وقوية أمام الجهات الرقابية المختلفة. وأوضحت الحكيم أن الهدف ليس إلغاء أدوار الجهات الرقابية الحالية، كونها تلعب دوراً محورياً كالبنك المركزي في الرقابة النقدية، أو هيئة الرقابة المالية في القطاع غير المصرفي، أو وزارة الاتصالات في الجوانب التقنية، بل يكمن التحدي في منح الكيان الجديد حق “المخاطبة والتدخل” لحل مشكلات الشركات المتضررة.
أضافت “الشركات الناشئة غالباً ما تكون الطرف الأضعف أمام الكيانات الرقابية الكبرى، ولا يمكن لشركة منفردة أن تتحدث نيابة عن القطاع، لذا يجب أن يكون هذا الكيان هو المتحدث الرسمي المعترف به الذي يضمن صحة موقف الشركات ويذلل العقبات أمامها”. كما اقترحت أن يُقسم الكيان داخلياً إلى قطاعات تخصصية تتبنى تعريفاً دقيقاً للشركات الناشئة، بحيث يضم فروعاً تتابع الشركات تحت التأسيس، وأخرى لشركات النمو التي تعمل منذ سنوات، وفريقاً مختصاً بالشركات التي تتعامل مع بيانات رقمية حساسة، لضمان تقديم دعم حقيقي قائم على التخصص والمصداقية.
وأكدت الحكيم أن وجود مظلة كهذه هو المحفز الأكبر لثقة المستثمرين الأجانب، مشيرة بصفة شخصية إلى أنها لولا خلفيتها المصرية لما استطاعت التواصل بسهولة مع الجهات الرسمية لحل أزمات بعض شركات محفظتها الاستثمارية في دول أخرى مثل نيجيريا، وهو ما يؤكد أن وجود كيان رسمي موحد سيسهل كثيراً على المستثمرين الذين يضخون أموالهم في السوق المصري.
من جهة أخرى، يرى عمر جلال، المدير العام لشركة “Gazef Adventures”، أن الدور المحوري لهذا الكيان يجب أن يتجسد في كونه منصة لحل المشكلات المزمنة التي تواجه المبتكرين والمستثمرين على حد سواء، مؤكداً أن هذا التحول كفيل بتغيير شكل “النظام البيئي” لريادة الأعمال في مصر جذرياً. وأوضح جلال أن تكرار معضلات التراخيص والتصاريح يمثل عائقاً يستوجب تسهيلات إجرائية تتيح للشركات التركيز على تطوير عملياتها الأساسية بدلاً من الغرق في الإجراءات الإدارية.
وضرب جلال مثالاً حياً بشركات قطاع السياحة التقنية التي تجد نفسها اليوم مشتتة في مخاطبة جهات متعددة مثل وزارتي السياحة والاتصالات، مؤكداً أن وجود “جهة واحدة” تخاطب كافة الجهات نيابة عن الشركة سيمثل نقلة نوعية. كما شدد على ضرورة إقرار حزم إعفاءات ضريبية مبتكرة ترتبط بـ “معيار الابتكار” داخل الشركة بدلاً من ربطها بالأرباح فقط، وهو ما يعتبره المستثمر “حجر الزاوية” عند اتخاذ قرار ضخ رؤوس الأموال في أي شركة ناشئة.

وفي السياق ذاته، لفت رفيق دلالة، الشريك المؤسس لشركة “Intercap Capital”، إلى أن تعدد الجهات الرقابية يمثل حالياً أحد أكبر التحديات التي تعرقل نمو هذا القطاع، معتبراً أن “النافذة الواحدة” تحت مظلة الكيان الموحد ستنهي حالة التشتت بين وزارات الاتصالات والاستثمار والتخطيط، وستختصر زمن التأسيس من شهور إلى أيام معدودة. ويرى دلالة أن هذا الإجراء سيوجه رسالة مباشرة للمجتمع الدولي بأن الدولة المصرية باتت تنظر لريادة الأعمال كـ “قطاع استراتيجي” وليس مجرد ملف إداري تقليدي.
وأشار إلى أن توحيد جهة الاعتماد والمتابعة سيقلل من تضارب القرارات ويمنح الشركات “رؤية تنظيمية مستقرة” تمكنها من التخطيط طويل الأمد دون خوف من تغير القواعد. وانتقد دلالة حصر الحوافز في حجم الأرباح، مؤكداً أن ذلك يظلم الشركات التكنولوجية التي تنفق سنوات في البحث والتطوير دون ربح سريع، مقترحاً ربط الحزم الذكية بمعايير أخرى مثل: عدد براءات الاختراع، حجم الاستثمار في البحث والتطوير، خلق وظائف عالية المهارة، وقابلية المنتج للتصدير، وهو ما سيشجع على الابتكار الحقيقي بدلاً من ملاحقة الربح السريع.
واختتم دلالة بالتأكيد على أن “روشتة” النجاح تكمن في صياغة هذه الحوافز –من إعفاءات ضريبية وتبسيط إجراءات الملكية الفكرية وتسهيل خروج ودخول المستثمرين– في نصوص قانونية ثابتة وليست مجرد قرارات إدارية متغيرة، وهو ما سيغير نظرة الصناديق العالمية للسوق المصري، كون المستثمر الأجنبي يبحث أولاً عن “الوضوح التنظيمي والاستقرار التشريعي”.







