في خطوة تعكس تسارع توجه قطاع الاتصالات نحو الاستدامة والتحول الرقمي منخفض الانبعاثات، أعلنت مجموعة stc السعودية، بالتعاون مع شركة هواوي الصينية، إطلاق منصة “السحابة الخضراء للاتصالات” (Green Telecom Cloud)، وهي بنية سحابية متطورة تهدف إلى إعادة تصميم وتشغيل شبكات الاتصالات بكفاءة أعلى واستهلاك أقل للطاقة والموارد المادية.
ويأتي هذا المشروع في وقت يشهد فيه قطاع الاتصالات العالمي ضغوطًا متزايدة لخفض البصمة الكربونية وتحسين كفاءة استهلاك الطاقة، بالتزامن مع التوسع المستمر في خدمات البيانات والحوسبة السحابية وتقنيات الجيل الخامس والجيل الخامس المتقدم (5G-A)، التي تتطلب بنية تحتية أكثر مرونة وقدرة على التعامل مع الأحمال المتزايدة دون رفع التكاليف التشغيلية أو التأثير على البيئة.
بنية سحابية موحدة لقطاع الاتصالات
وبحسب الشركتين، تعتمد المنصة الجديدة على بنية هواوي السحابية الأصلية (Cloud-Native Architecture)، والتي تجمع بين الخوادم الموفرة للطاقة وتقنيات الإدارة الذكية لاستهلاك الكهرباء ضمن منصة موحدة ومؤتمتة بالكامل.
وتهدف هذه البنية إلى دمج وظائف الشبكة المختلفة داخل بيئة تشغيل واحدة، ما يتيح تبسيط إدارة الموارد وتحسين الاستفادة من البنية التحتية الرقمية، مع تقليل الحاجة إلى الأجهزة والمعدات التقليدية المستخدمة في تشغيل الشبكات.
وتعتمد المنصة على آليات متقدمة لإدارة الطاقة بشكل ديناميكي، حيث يمكنها تعديل استهلاك الطاقة تلقائيًا وفقًا لحجم الأحمال والبيانات المتدفقة عبر الشبكة، بالإضافة إلى تكييف ترددات وحدات المعالجة المركزية (CPU) بما يتناسب مع متطلبات التشغيل الفعلية، الأمر الذي يحد من الهدر في استهلاك الكهرباء ويحسن كفاءة الأداء.

إدارة ذكية للطاقة والانبعاثات
وتوفر المنصة الجديدة لوحة تحكم مركزية تتيح مراقبة جميع مكونات الشبكة بشكل لحظي، بما يشمل بيانات القياس عن بُعد، ومؤشرات الأداء، وتحليلات الانبعاثات الكربونية، فضلًا عن القدرة على إيقاف الموارد والأجهزة غير المستخدمة تلقائيًا عند عدم الحاجة إليها.
وتسهم هذه الإمكانات في تعزيز كفاءة التشغيل وتقليل استهلاك الطاقة، مع تمكين فرق التشغيل من اتخاذ قرارات أكثر دقة فيما يتعلق بإدارة الموارد وتحقيق أهداف الاستدامة البيئية.
وترى الشركتان أن دمج وظائف الشبكة داخل منصة ذكية واحدة سيمنح stc القدرة على تقديم خدمات اتصالات أكثر سرعة ومرونة وكفاءة، مع تقليل استهلاك الطاقة والانبعاثات الكربونية، إلى جانب توفير بنية تحتية جاهزة لدعم التقنيات المستقبلية والتطبيقات المتقدمة المعتمدة على شبكات الجيل الخامس المتطور.
نتائج أولية واعدة
وكشفت الشركتان أن المنصة خضعت لسلسلة من الاختبارات والتجارب المعملية المشتركة باستخدام أحدث التقنيات الخضراء التي طورتها هواوي، بما في ذلك الشرائح الموفرة للطاقة وأنظمة التحكم الذكية.
وأسفرت النتائج الأولية عن تحقيق خفض في استهلاك الطاقة بنسبة تصل إلى 20% مقارنة بالأنظمة التقليدية، إلى جانب تقليص حجم البنية التحتية المادية المطلوبة بنسبة 40%، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على تقليل التكاليف التشغيلية وتحسين كفاءة إدارة الشبكات.
كما أظهرت الاختبارات تحسنًا ملحوظًا في سهولة التشغيل والصيانة، نتيجة الاعتماد على الأتمتة وإدارة الموارد بشكل مركزي، ما يقلل من التعقيدات المرتبطة بتشغيل الشبكات واسعة النطاق.
ثلاث طبقات لتشغيل الشبكات المستقبلية
وتعتمد منصة “السحابة الخضراء للاتصالات” على هيكل تشغيلي مكوّن من ثلاث طبقات رئيسية. وتتمثل الطبقة الأولى في البنية التحتية للأجهزة، والتي تعتمد على خوادم عالية الكفاءة قادرة على تعديل استهلاكها للطاقة وفقًا لمعدلات الاستخدام الفعلية.
أما الطبقة الثانية فتتعلق بالبرمجيات، حيث تتيح تشغيل الخدمات والوظائف الشبكية في البيئات التقليدية والبيئات السحابية المعتمدة على الحاويات (Containers)، بما يوفر مرونة أكبر في إدارة التطبيقات والخدمات الرقمية. في حين تتولى الطبقة الثالثة إدارة العمليات بشكل مركزي، من خلال مراقبة الأداء وتتبع البيانات البيئية وإدارة الموارد والطاقة بصورة آلية لضمان أعلى مستويات الكفاءة والاستدامة.
دعم رؤية السعودية للتحول الرقمي المستدام
وفي تعليقه على المشروع، أكد بدر الحِيب، نائب رئيس البنية التحتية في مجموعة stc، أن الاستدامة والابتكار يمثلان ركيزتين أساسيتين في استراتيجية الشركة، مشيرًا إلى أن التعاون مع هواوي يعكس رؤية مشتركة لإعادة تصميم شبكات الاتصالات بما يحقق أثرًا طويل الأمد على مستوى الكفاءة التشغيلية والاستدامة البيئية.
وأوضح أن المشروع يهدف إلى دمج مبادئ الاستدامة في صميم عمليات الشركة، وبناء أنظمة قادرة على دعم النمو المستقبلي وتحسين تجربة العملاء، بما يتماشى مع مستهدفات التحول الرقمي والاقتصاد الأخضر في المملكة العربية السعودية.
من جانبه، قال لين وي، رئيس قطاع الحوسبة السحابية الذكية للاتصالات في هواوي، إن المبادرة تجسد التزام الشركتين بدعم التحول الرقمي منخفض الكربون في قطاع الاتصالات وتقنية المعلومات، مؤكدًا أن الجمع بين الحوسبة السحابية وتقنيات كفاءة الطاقة المتقدمة سيسهم في بناء جيل جديد من البنية التحتية المستدامة للاتصالات في المنطقة.
stc تواصل تعزيز حضورها الإقليمي
وتأتي هذه الخطوة ضمن استراتيجية أوسع تتبناها مجموعة stc لتطوير بنيتها الرقمية وتعزيز مكانتها كمزود رائد لخدمات الاتصالات والحلول الرقمية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
وخلال السنوات الأخيرة، وسعت المجموعة استثماراتها في مجالات الحوسبة السحابية ومراكز البيانات والبنية التحتية الرقمية، كما نجحت في الفوز بعدد من المشاريع والعقود الاستراتيجية داخل المنطقة، كان من أبرزها عقد تشغيل مشروع “سيلك لينك” في سوريا.
ومع تزايد الطلب العالمي على البنية التحتية الرقمية المستدامة، يُنظر إلى إطلاق منصة “السحابة الخضراء للاتصالات” باعتباره خطوة مهمة نحو بناء شبكات أكثر كفاءة وأقل استهلاكًا للطاقة، بما يدعم أهداف الاستدامة ويعزز جاهزية قطاع الاتصالات لمتطلبات الاقتصاد الرقمي في السنوات المقبلة.





