تتحول القاعة الشرقية بالبيت الأبيض إلى غرفة عمليات استراتيجية موازية لطاولة المفاوضات السياسية، مع توجيه الإدارة الأمريكية الدعوة لنخبة من أقطاب التكنولوجيا ورؤساء الشركات العملاقة لحضور مأدبة العشاء الرسمية التي يقيمها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على شرف نظيره الصيني شي جين بينج.
هذا المشهد الاستثنائي، الذي يجمع عمالقة وادي السيليكون بالرئيس الصيني في أول زيارة دولة له للعاصمة واشنطن منذ أكثر من عقد، يعكس تحول التكنولوجيا المتقدمة — وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات — من قطاعات تجارية واستهلاكية إلى ساحة الصراع الجيوسياسي والسيادي الأبرز بين القوتين العظميين.
تأتي قائمة الحضور لتختزل أركان الحرب الباردة التقنية؛ إذ تضم جنسن هوانغ الرئيس التنفيذي لـ«إنفيديا»، وسام ألتمان رئيس «أوبن إيه آي»، وتيم كوك رئيس مجلس إدارة «أبل»، وإيلون ماسك رئيس «تسلا»، إلى جانب سوندار بيتشاي رئيس «ألفابت/جوجل»، وجيف بيزوس مؤسس «أمازون»، ومايكل ديل، مع ترقب حضور ساتيا ناديلا رئيس «مايكروسوفت».
ولا يُعد هذا الحشد مجرد تشريف بروتوكولي أو استعراض لقوة الأعمال الأمريكية، بل خطوة لوضع صناع القرار التكنولوجي في قلب محادثات تحدد قواعد الاشتباك الاقتصادي والسيبراني للسنوات المقبلة.
يكتسب التوقيت حساسية بالغة في ظل احتدام غير مسبوق في سباق الهيمنة على الذكاء الاصطناعي وتقلص الفجوة التقنية بين واشنطن وبكين بسرعة لافتة. وتأتي هذه التطورات في وقت تصاعدت فيه التجاذبات داخل الأوساط التقنية والسياسية الأمريكية حول وتيرة تطوير الأنظمة الذكية؛ حيث رفض الرئيس دونالد ترامب المخاوف المتعلقة بإبطاء السباق أو فرض قيود تنظيمية تعيق الشركات الوطنية خشية التخلف عن الصين، وهو الموقف الذي لاقى تأييداً مباشراً من جنسن هوانغ، الذي أكد صراحة أن تطوير الذكاء الاصطناعي ينبغي أن يمضي «بأسرع ما نستطيع» للحفاظ على التفوق الأمريكي.
في المقابل، يجد عمالقة التكنولوجيا أنفسهم عالقين بين مطرقة الامتثال للضوابط الصارمة التي تفرضها واشنطن على تصدير الرقائق المتطورة ومعدات أشباه الموصلات لحماية الأمن القومي، وسندان الاعتماد التجاري والتصنيعي على السوق الصيني الضخم.
فبينما تقود «إنفيديا» صناعة الشرائح المتقدمة وتعتمد «أوبن إيه آي» و«مايكروسوفت» عليها لبناء السحب الحوسبية، تتأثر هذه الشركات مباشرة بأي قرار ينظم بيع العتاد لبكين، في حين تظل سلاسل إمداد «أبل» وشبكات إنتاج «تسلا» مرتبطة عضوياً بالسوق الصيني.
وتتقاطع مع ملف الذكاء الاصطناعي ورقة ضغط صينية بالغة التعقيد تتمثل في هيمنة بكين على معالجة وتصدير المعادن الأرضية النادرة، وهي المكونات الحيوية لصناعة الإلكترونيات الدقيقة والبطاريات والعتاد العسكري.
تسعى بكين من خلال هذه القمة إلى تخفيف طوق القيود التصديرية الأمريكية المفروضة على قطاعها التكنولوجي، بينما تحرص واشنطن على تأمين تدفق مستقر للمواد الخام وسلاسل التوريد دون التنازل عن خطوطها الحمراء في ملف الرقائق ذات الاستخدام المزدوج.
إن جلوس قادة التقنية على طاولة واحدة مع القيادة الصينية يبعث برسالة صريحة مفادها أن واشنطن تضع قدراتها الابتكارية كظهير مباشر لأمنها القومي وقوتها التفاوضية، وفي الوقت ذاته تفتح نافذة للتباحث حول ملفات حاسمة تشمل سلامة النظم الذكية، ووضع قواعد اشتباك تمنع خروج الذكاء الاصطناعي عن السيطرة، وتفادي الانزلاق إلى مواجهات سيبرانية مفتوحة.
ولم تعد القمم الكبرى تُقاس اليوم فقط بالتفاهمات الحدودية أو العسكرية، بل بقدرة كل طرف على فرض معاييره في عالم تحكمه الترانزستورات وتحدد موازين قواه خوارزميات الذكاء الاصطناعي






