تخوض الدولة المصرية حقبة جديدة من التمكين الاقتصادي والاستثمار في رأس المال البشري، وتتبنى نماذج مبتكرة تهدف إلى ردم الفجوة بين مخرجات التعليم الأكاديمي ومتطلبات سوق العمل الحقيقي. وفي قلب هذه الاستراتيجية الوطنية، تبرز وزارة التضامن الاجتماعي كلاعب محوري يمتد دوره من الرعاية إلى صناعة الفرص وبناء مستقبل مهني مستدام للشباب المصري.
ومع انطلاق الترتيبات النهائية للحدث الشبابي الأضخم لهذا العام، قمة “ستارت 2026” المقررة في التاسع عشر من يونيو الجاري في رحاب المتحف المصري الكبير، التقينا الدكتور محمد العقبي، مساعد وزير التضامن الاجتماعي للاتصال الاستراتيجي والإعلام والمتحدث الرسمي، والمشرف العام على مشروع وحدات التضامن بالجامعات؛ ليميط اللثام عن تفاصيل هذه النسخة الاستثنائية التي استقطبت أكثر من 50 ألف طالب، ويكشف لنا عن كواليس الشراكات الاستراتيجية مع القطاع الخاص، ورؤية الوزارة لتحويل أفكار الشباب إلى طاقات إنتاجية في سوق العمل.
إلى نص الحوار..
نود البدء بالحديث عن أحد أبرز مشروعات الوزارة الحيوية داخل الحرم الجامعي، ما هي “وحدات التضامن الاجتماعي”، وكيف تطورت هذا العام؟
مشروع “وحدات التضامن الاجتماعي في الجامعات المصرية” هو أحد أهم ركائز الوزارة للوصول المباشر إلى الشباب. هذا العام شهد المشروع توسعاً كبيراً بتوجيهات ودعم من معالي الوزيرة الدكتورة مايا مرسي؛ حيث ارتفع عدد الوحدات من 31 وحدة في العام الماضي إلى 43 وحدة حالياً، وذلك بعد تدشين 12 وحدة جديدة تغطي كافة الجامعات التكنولوجية في مصر.

تعقد الوزارة قمة “ستارت 2026” (Start) في 19 يونيو الجاري بالمتحف المصري الكبير، ما الفلسفة وراء إطلاق هذه المبادرة؟
مبادرة “ستارت” أُطلقت العام الماضي كختام ومستند عملي لأنشطة وحدات التضامن الاجتماعي بالجامعات. الفلسفة تقوم على معالجة قضية قومية؛ فوفقاً لتقرير “مستقبل الوظائف 2026” الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، أشار 63% من أصحاب الأعمال إلى أن نقص المهارات يمثل عائقاً رئيسياً أمام النمو، والتقديرات تؤكد أن 40% من المهارات الأساسية الحالية ستتغير بحلول عام 2030.
لذا، تهدف الفعالية إلى جمع الطلاب المستفيدين من خدمات الوزارة للتعارف وتبادل الخبرات، والأهم هو توفير نموذج متكامل يربط الطالب بسوق العمل، ويمنحه تجربة عملية حقيقية قبل التخرج عبر لقاءات مباشرة مع رواد الأعمال وممثلي الحكومات والوزارات والقطاع الخاص.
حققت النسخة الأولى نجاحاً كبيراً، ولكن الإقبال هذا العام فاق التوقعات.. كيف ستتعاملون مع تحديات الاستيعاب؟
بالفعل، في العام الماضي سجل على المنصة حوالي 11 ألف طالب وحضر الفعالية أكثر من 10 آلاف طالب. أما هذا العام، فقد واجهنا إقبالاً تاريخياً؛ حيث تخطى عدد المسجلين الراغبين في الحضور 50 ألف طالب من 27 محافظة و43 جامعة.
ولأن القدرة الاستيعابية للمساحة المتاحة بالمتحف المصري الكبير تقتصر على 10 آلاف طالب فقط، فقد التزمنا بأعلى المعايير التنظيمية والفنية بالتعاون مع شركة “OBM” المنفذة للقمة وهيئة المتحف لتقديم تجربة متميزة وآمنة ومكتملة اللوجستيات لـ 10 آلاف طالب الذين سيتمكنون من الحضور.

من هم الطلاب المستهدفون بشكل أساسي من هذه المنصة؟ وهل تقتصر الفائدة على فئة معينة؟
الفعالية تعكس التزام الوزارة بمبادئ “الشمول، والعدالة، والاستدامة” لتوفير فرص متكافئة لجميع الشباب. نحن نستهدف في المقام الأول:
- طلاب وحدات التضامن الاجتماعي بالجامعات، وأبناء أسر برنامج “تكافل وكرامة”.
- الطلاب المتطوعين، والطلاب من ذوي الهمم.
- الخريجين الجدد الباحثين عن أول فرصة عمل حقيقية.
- طلاب التعليم الفني والتكنولوجي الذين يحتاجون لمساحات تدريبية تطبيقية محترفة.
ما هي المكونات والمناطق الرئيسية التي سيجدها الطالب داخل أرض المتحف المصري الكبير خلال “ستارت 2026″؟
لقد قمنا بتصميم مخطط عام متكامل للحدث ينقسم إلى عدة مناطق تفاعلية:
- معرض التدريب والتوظيف (Internship & Career Fair): بمشاركة 250 شركة من مختلف القطاعات تقدم آلاف الفرص.
- الدائرة المهنية (Career Cycle) وعيادات الإرشاد المهني: تضم أكثر من 70 مرشداً مهنياً ومتخصصاً لتوجيه الطلاب وشرح المسارات الوظيفية لهم.
- المسرح الرئيسي للفرص (Opportunity Stage): مساحة مخصصة للجلسات الحوارية ومشاركة الخبرات العملية من كبار المسؤولين ورواد الأعمال.
- ورش العمل المهنية (Career Labs): سيتم تنظيم 10 ورش عمل تطبيقية على مدار اليوم.

ما هي أبرز العناوين والموضوعات التي ستناقشها ورش العمل والجلسات النقاشية هذا العام؟
صممنا الأجندة لتوائم احتياجات الشركات؛ ستتضمن ورش العمل موضوعات مثل الاستعداد المهني ودخول سوق العمل، تطوير المهارات المطلوبة في الشركات، بناء الهوية المهنية للطالب، فهم المسارات المهنية، والتواصل المهني وبناء الشبكات.
أما الجلسات النقاشية فستتمحور حول التدريب من أجل التوظيف، استشراف سوق العمل 2030، تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي (AI)، كيفية استغلال وسائل التواصل الاجتماعي للحصول على وظائف، خطوتك الأولى في المسار المهني، التمكين الوظيفي لذوي الهمم، وتحديات الحياة المهنية بعد التخرج.
أشرتم إلى وجود مزايا استثنائية ومفاجآت مجانية ستقدم للطلاب الحاضرين، هل يمكن الإطلاع عليها؟
نعم، هناك حزمة من المفاجآت والمنح الحصرية والخدمات المبتكرة، ومنها:
- الاختبار المهني المبتكر (Career Test): تقدمه إحدى الشركات الراعية مجاناً للطلاب داخل الحدث لقياس مهاراتهم ومعارفهم وتوجيههم للمجال الأنسب، علماً بأن القيمة الأصلية لهذا الاختبار هي 15 دولاراً.
- 3000 منحة لتعلم اللغة الإنجليزية مقدمة بالكامل من “مؤسسة التطوير” (إحدى الجهات الراعية).
- 1000 فرصة تدريبية حصرية داخل بنك مصر.
من هم الشركاء والرعاة الذين يدعمون هذا الحدث الضخم؟ وكيف تمثلت قطاعات الأعمال به؟
الميزّة الأساسية أن الشركات الراعية هي من تتحمل تكلفة هذا الحدث بالكامل. على رأس الرعاة الرئيسيين: بنك مصر، وشركة أورنج (الشريك الاستراتيجي)، وطلبات، وإير كايرو.
أما القطاعات فتقريباً لا يوجد قطاع في السوق المصري غير ممثل؛ بدءاً من التشييد والبناء مثل مجموعة طلعت مصطفى، وقطاع السيارات وعلى رأسها نيسان، بجانب قطاعي التكنولوجيا والاتصالات، وشركات وطنية وناشئة كبرى. نجاح هذا التجمع يعكس تكاملاً حقيقياً بين مؤسسات الدولة والقطاع الخاص والشركاء التنمويين.
ما الجديد في آلية قياس أداء الفعالية هذا العام لضمان تحقيق النتائج؟
في النسخة الماضية لم نقم بعمل تتبع دقيق لمصير الطلاب بعد التدريب، ولكن في “ستارت 2026” اختلف الأمر؛ حيث اتفقنا مع كافة الشركات المشاركة على تزويد الوزارة بتقارير دورية ومؤشرات أداء واضحة حول جودة الفرص المتاحة، وأعداد المقبولين فعلياً في التدريب والتوظيف. كما سنقوم بإجراء استبيانات مباشرة مع الطلاب لفهم التحديات، والعيوب، والمزايا لتطوير العمل مستقبلاً.
ستعلنون في قمة هذا العام عن إطلاق منصة “ستارت” المستدامة، ما الذي ستتيحه للشباب طوال العام؟
بالشراكة مع “أورنج”، سنطلق المنصة الرقمية المستدامة (startplatform.com) لتكون متاحاً طوال الـ 365 يوماً وليس وقت الفعالية فقط. ستتضمن المنصة مساقات ودورات تدريبية بالتعاون مع منصات تعليمية كبرى، بالإضافة إلى كورسات مسجلة خاصة بالوزارة لتأهيل الطلاب، بجانب عرض مستمر ومحدث لفرص العمل والتدريب المتاحة في السوق.
مع كل هذا النجاح الملموس، هل تفكر وزارة التضامن الاجتماعي في التوسع بهذا النموذج إقليمياً؟
في الوقت الحالي، لا توجد نية للتوسع الإقليمي خارج مصر. السبب في ذلك أن هذا النشاط هو عمل حكومي وطني مرتبط مباشرة بجهود الوزارة داخل الجامعات المصرية، وموجه لخدمة فئات نضعها على رأس أولوياتنا مثل أبناء “تكافل وكرامة” وذوي الهمم والأسر الأكثر احتياجاً.
تركيزنا بالكامل ينصب على تجويد وتطوير عملنا محلياً لتحقيق رؤية مصر 2030، ولكننا بالطبع نرحب تماماً وسنكون سعداء بنقل خبراتنا ومشاركتها مع أي دولة أو جهة شقيقة ترغب في الاستفادة من هذا النموذج وتطبيقه لديهم.





