بدأت آثار الطفرة العالمية في الذكاء الاصطناعي تتجاوز مراكز البيانات وشركات التكنولوجيا العملاقة لتصل إلى المستهلكين مباشرة، بعدما أدى الطلب المتزايد على رقائق الذاكرة المستخدمة في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي إلى ارتفاع تكلفة تصنيع الهواتف الذكية، وهو ما انعكس بوضوح على السوق الهندية، التي تُعد ثاني أكبر سوق للهواتف الذكية في العالم من حيث حجم الشحنات بعد الصين.
وكان محللون قد حذروا خلال الأشهر الماضية من أن السباق العالمي لبناء مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي سيؤدي إلى نقص في إمدادات رقائق الذاكرة التقليدية المستخدمة في الأجهزة الإلكترونية الاستهلاكية، إلا أن البيانات الأخيرة الصادرة عن شركة أبحاث السوق Counterpoint Research تقدم أول دليل ملموس على بدء تحقق هذه التوقعات.

الذكاء الاصطناعي يستحوذ على إنتاج رقائق الذاكرة
وتتمثل الأزمة في رقائق ذاكرة الوصول العشوائي (RAM) ووحدات التخزين، وهي المكونات الأساسية التي تعتمد عليها الهواتف الذكية والحواسيب الشخصية. وفي الوقت نفسه، تحتاج شركات الذكاء الاصطناعي إلى كميات هائلة من هذه الرقائق لتشغيل وتسريع مراكز البيانات الخاصة بها.
ودفع هذا الطلب المتزايد كبار مصنعي الذاكرة، مثل سامسونج وSK hynix ومايكرون، إلى إعادة توجيه جزء كبير من خطوط إنتاجهم نحو تصنيع ذاكرة النطاق الترددي العالي (HBM)، وهي نوع متقدم من رقائق الذاكرة المخصصة لمعالجات ومسرعات الذكاء الاصطناعي، وتحقق هوامش ربح أعلى بكثير مقارنة برقائق الذاكرة التقليدية المستخدمة في الهواتف الذكية وأجهزة الكمبيوتر المحمولة.
وأدى هذا التحول إلى تقليص الطاقة الإنتاجية المتاحة للذاكرة التقليدية، الأمر الذي تسبب في ارتفاع تكلفتها، وانعكس مباشرة على أسعار الأجهزة الإلكترونية الاستهلاكية.
الهند تسجل أكبر تراجع في ست سنوات
ووفقاً لبيانات Counterpoint Research، انخفضت شحنات الهواتف الذكية في الهند بنسبة 10% على أساس سنوي خلال الربع الثاني من العام (أبريل – يونيو)، ليسجل السوق أكبر تراجع في الربع الثاني منذ ست سنوات، وسط ارتفاع أسعار الهواتف نتيجة زيادة تكلفة مكونات الذاكرة.
وتبرز أهمية هذه الأرقام في كون الهند تضم أكثر من 1.4 مليار نسمة، ويستخدم الهواتف الذكية فيها أكثر من 700 مليون شخص، ما يجعلها أحد أهم المؤشرات العالمية لقياس سلوك المستهلكين في الأسواق الحساسة للأسعار، وهو ما يدفع شركات تصنيع الهواتف وموردي الرقائق والمستثمرين إلى متابعة تطوراتها عن كثب.

لماذا تأثرت الهند أكثر من الصين؟
ورغم أن الصين شهدت هي الأخرى تباطؤاً في سوق الهواتف الذكية، فإن الانخفاض هناك بلغ 2% فقط خلال الفترة نفسها، مقارنة بـ10% في الهند.
وأوضح تارون باثاك، نائب رئيس الأبحاث في Counterpoint Research، أن السوق الهندية كانت الأكثر تأثراً لأن نحو 60% من مبيعات الهواتف الذكية تتركز في الأجهزة التي يقل سعرها عن 20 ألف روبية هندية (أقل من 210 دولارات)، وهي الفئة التي تتأثر بشكل مباشر بأي زيادة في تكلفة الذاكرة، نظراً لضيق هوامش الربح فيها.
دورات استبدال أطول
ويرى باثاك أن المستهلكين لن يتخلوا عن شراء الهواتف الذكية، إلا أنهم سيلجؤون إلى تأجيل عمليات الترقية لفترات أطول، إذ يُتوقع أن تمتد دورة استبدال الهواتف إلى نحو أربع سنوات بدلاً من 3.5 سنوات في السابق.
وأشار إلى أن هذا التباطؤ لن يؤثر بالدرجة نفسها على العلامات التجارية الرائدة مثل سامسونج وآبل، التي تستهدف شرائح سعرية أعلى ويتمتع عملاؤها بقدرة أكبر على تحمل ارتفاع الأسعار.
سامسونج تتفوق وآبل تتراجع
وأظهرت بيانات Counterpoint أن سامسونج كانت العلامة التجارية الكبرى الوحيدة التي سجلت نمواً في السوق الهندية خلال الربع الثاني، بعدما ارتفعت شحناتها بنسبة 2% على أساس سنوي.
في المقابل، انخفضت شحنات آبل بنسبة 3%، إلا أن الشركة أوضحت أن السبب الرئيسي يعود إلى قيود الإمداد ونقص المخزون، وهو ما حدّ من عدد هواتف آيفون التي تمكنت من تسليمها خلال الفترة.
الهواتف الاقتصادية الأكثر تضرراً
وكانت الضغوط أشد على الهواتف منخفضة التكلفة، حيث انخفضت شحنات الأجهزة التي يقل سعرها عن 15 ألف روبية هندية (أقل من 150 دولاراً) بنسبة 45% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.
كما انعكس هذا التراجع على الشركات الصينية، التي تعتمد بصورة كبيرة على الفئات الاقتصادية والمتوسطة، إذ هبطت حصتها السوقية المجمعة إلى أدنى مستوى لها خلال ربعين متتاليين منذ عام 2020، في مؤشر على أن التحول العالمي نحو الاستثمار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بدأ يعيد رسم خريطة المنافسة في سوق الهواتف الذكية، ويغير ملامح سلسلة الإمداد العالمية للإلكترونيات الاستهلاكية.
المستهلك يشعر بالضغوط المتزايدة
هذه الأزمات التي تواجه العلامات التجارية تنتقل مباشرةً إلى مشتري الهواتف. تقول كيرانجيت كاورKiranjeet Kaur، المديرة المساعدة لأبحاث الهواتف المحمولة في مؤسسة IDC، إن سوق الهواتف الذكية في الهند يتحول من النمو القائم على كمية المبيعات لصالح النمو القائم على قيمة المبيعات، ما يعني انخفاضًا في إجمالي مبيعات عدد الوحدات المباعة، لكن كل هاتف يُدرّ إيرادات أكبر، وذلك بسبب ارتفاع تكاليف المكونات التي تجعل الهواتف الذكية منخفضة السعر غير اقتصادية بشكل متزايد.
بدأت تكاليف المكونات المرتفعة بالفعل في التأثير على المستهلكين. وأوضحت أن أسعار الهواتف الذكية في الهند ارتفعت بنسبة تتراوح بين 4% و68%، حسب الطراز، ومع ارتفاع الأسعار، يتجه المستهلكون إما إلى الأجهزة ذات الأسعار الأعلى، أو يؤجلون الترقية، أو يلجؤون إلى سوق الهواتف المستعملة.
وأضافت كور لموقع TechCrunch أن التمويل أصبح “عنصرًا أساسيًا في القدرة على الشراء”. كما أشارت إلى أن العلامات التجارية وتجار التجزئة يقومون أيضًا بتخزين كميات كبيرة قبل موسم الأعياد لضمان انخفاض التكاليف قبل حدوث أي زيادات أخرى في أسعار المكونات.
تتوقع مؤسسة IDC أيضًا انخفاض شحنات الهواتف الذكية في الهند بنسبة تتجاوز 10% في نتائج الربع الثاني من 2026، وهو انخفاض حاد مقارنةً بانخفاض الربع الأول الذي بلغ 4.1%، وانخفاض الربع السابق الذي بلغ 5.3%، وفقًا لما ذكرته كاور. إلا أنها أشارت إلى أن تقديرات الشركة لم تُعتمد نهائيًا بعد.
وأوضحت كاور لموقع TechCrunch أن نقص الذاكرة وارتفاع أسعار الهواتف الذكية من المرجح أن يستمرا حتى نهاية عام 2027 على الأقل، على الرغم من أن وتيرة ارتفاع الأسعار ستتباطأ تدريجيًا مع تكيف المستهلكين مع الأسعار المرتفعة التي أصبحت الوضع الطبيعي الجديد.
وأضافت كاور: “بالنسبة للمستهلكين الهنود، يُعدّ هذا الأمر ضربة مزدوجة، حيث أن ضعف العملة يجعل الواردات أكثر تكلفة، مما يزيد من الضغط على هوامش الربح للشركات العاملة في السوق، والتي بدورها تنقل هذه التكلفة ليتحملها المستهلك”.





