في وقت تتسابق فيه شركات التكنولوجيا العالمية لبناء مراكز بيانات عملاقة تستهلك كميات هائلة من الكهرباء لتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة، كشفت شركة Squeeze Labs الأوروبية عن رؤية مختلفة تمامًا لمستقبل الذكاء الاصطناعي، من خلال تطوير جهاز صغير يحمل اسم CrankGPT، وهو روبوت محادثة يعمل بالكامل بواسطة الطاقة التي يولدها المستخدم بيده عبر ذراع تدوير ميكانيكية.
ويقدم المشروع مفهومًا غير تقليدي لتشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي، حيث لا يعتمد على بطارية أو مصدر كهرباء خارجي أو حتى خدمات الحوسبة السحابية التي تستخدمها معظم روبوتات المحادثة الحالية، بل يستمد كامل طاقته من حركة المستخدم نفسه.
ورغم أن الجهاز لا يزال في مرحلة العرض التجريبي ولم يُطرح للبيع بعد، فإنه أثار اهتمامًا واسعًا داخل أوساط المهتمين بالذكاء الاصطناعي والاستدامة الرقمية، باعتباره محاولة لإعادة التفكير في الكيفية التي تُشغل بها النماذج الذكية مستقبلاً.

كيف يعمل CrankGPT؟
من حيث المبدأ، يؤدي CrankGPT الوظيفة نفسها التي تقوم بها روبوتات المحادثة الشهيرة مثل ChatGPT أو Gemini، إذ يمكنه الاستماع إلى أسئلة المستخدم وفهمها ومعالجتها ثم تقديم إجابات صوتية أو نصية.
لكن الاختلاف الجوهري يكمن في مصدر الطاقة. فبدلاً من الاعتماد على بطارية قابلة للشحن أو اتصال دائم بالكهرباء، يحتوي الجهاز على مولد يدوي صغير بقدرة تبلغ 20 وات. وعند تدوير الذراع الجانبية، يتم تحويل الطاقة الحركية الناتجة عن حركة اليد إلى كهرباء تكفي لتشغيل النظام بالكامل.
ويعتمد الجهاز على حاسوب مصغر من نوع Raspberry Pi 5 مزود بذاكرة عشوائية سعة 8 جيجابايت، وهي مواصفات متواضعة مقارنة بالبنية التحتية الضخمة التي تعتمد عليها نماذج الذكاء الاصطناعي السحابية.
لماذا يعد هذا الابتكار مختلفًا؟
أصبحت نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة أكثر قوة من أي وقت مضى، لكنها في المقابل تتطلب موارد هائلة للتدريب والتشغيل. وتستهلك مراكز البيانات التي تدير هذه النماذج كميات ضخمة من الكهرباء والمياه وأنظمة التبريد، ما أثار خلال السنوات الأخيرة تساؤلات متزايدة حول التكلفة البيئية والاقتصادية للذكاء الاصطناعي.
ومن هنا جاءت فكرة CrankGPT، التي تقوم على تشغيل نماذج ذكاء اصطناعي صغيرة الحجم وفعالة في استهلاك الطاقة بدلاً من الاعتماد على النماذج العملاقة التي تحتاج إلى بنية تحتية ضخمة. ويرى مطورو المشروع أن كثيرًا من المهام اليومية البسيطة لا تتطلب بالضرورة نماذج عملاقة تستهلك آلاف الواط من الطاقة، بل يمكن تنفيذها عبر نماذج أصغر تحقق نتائج جيدة مع استهلاك محدود للغاية للموارد.

خصوصية كاملة بعيدًا عن السحابة
أحد أبرز مزايا CrankGPT هو أنه يعمل محليًا بالكامل، أي أن جميع عمليات المعالجة تتم داخل الجهاز نفسه دون الحاجة إلى إرسال البيانات إلى خوادم خارجية أو مراكز بيانات بعيدة. وهذا يعني أن الأسئلة والمحادثات التي يجريها المستخدم لا تغادر الجهاز مطلقًا، ما يمنح مستوى مرتفعًا من الخصوصية والأمان مقارنة بالعديد من الخدمات السحابية التقليدية.
ويعتبر هذا الجانب أحد أهم الدوافع وراء المشروع، خصوصًا مع تزايد المخاوف العالمية المتعلقة بخصوصية البيانات الشخصية وكيفية استخدام المعلومات التي يتم إدخالها إلى منصات الذكاء الاصطناعي.
ما النماذج التي يمكن تشغيلها؟
نظرًا لمحدودية الموارد الحاسوبية المتاحة داخل الجهاز، فإنه لا يستطيع تشغيل النماذج الضخمة المستخدمة في المنصات التجارية الكبرى. وبدلاً من ذلك، صُمم CrankGPT لتشغيل نماذج لغوية صغيرة وخفيفة الوزن، مثل بعض إصدارات نماذج Liquid AI وGemma، والتي تم تطويرها خصيصًا للعمل بكفاءة على الأجهزة محدودة الإمكانات.
ويتيح هذا النهج تنفيذ مهام مثل:
* الإجابة عن الأسئلة اليومية.
* إجراء المحادثات البسيطة.
* توليد النصوص القصيرة.
* كتابة بعض الأكواد البرمجية الأساسية.
* إنشاء محتوى إبداعي محدود مثل القصائد أو الأفكار.
ورغم الطابع المبتكر للمشروع، فإن تشغيل الذكاء الاصطناعي عبر التدوير اليدوي لا يخلو من التحديات. فالجهاز يصدر ضوضاء ملحوظة أثناء العمل نتيجة تشغيل المولد والمكونات الداخلية، كما أن المستخدم يحتاج إلى الاستمرار في تدوير المقبض للحفاظ على تدفق الطاقة اللازمة للتشغيل.
ويشير المطورون إلى أن عملية التدوير تصبح أكثر صعوبة عندما يعمل الجهاز على تنفيذ مهام متعددة في الوقت نفسه، مثل تشغيل نموذج اللغة وتوليد الصوت معًا، بسبب زيادة استهلاك الطاقة المطلوبة.
كما تم تزويد الجهاز بمروحة تبريد صغيرة للحفاظ على استقرار درجات الحرارة أثناء التشغيل، وهو ما يعكس التحديات التقنية المرتبطة بتشغيل الذكاء الاصطناعي حتى على هذا النطاق المحدود.
لا يهدف CrankGPT إلى منافسة روبوتات المحادثة العملاقة التي تقدمها شركات التكنولوجيا الكبرى، بل يمثل تجربة فكرية وعملية لإثبات أن الذكاء الاصطناعي لا يحتاج دائمًا إلى مراكز بيانات عملاقة أو استهلاك هائل للطاقة.
ويقول مطورو المشروع إنهم أرادوا تقديم نموذج أكثر استدامة وكفاءة، مستوحى من الفلسفة الأوروبية التي تفضل الحلول العملية والاقتصادية على الأنظمة الضخمة مرتفعة التكلفة.وأضافوا أن كثيرًا من المستخدمين ينفقون موارد حوسبية هائلة على مهام يمكن لنماذج أصغر إنجازها بكفاءة مقبولة، وبجزء بسيط من الطاقة والتكلفة.
رغم أن الجهاز لا يزال نموذجًا تجريبيًا ولم يصل إلى مرحلة الإنتاج التجاري، فإنه يسلط الضوء على نقاش متزايد داخل قطاع التكنولوجيا حول ضرورة تطوير نماذج ذكاء اصطناعي أكثر كفاءة في استهلاك الطاقة وأقل اعتمادًا على البنية التحتية الضخمة.
وبينما يتجه عمالقة التقنية إلى بناء مراكز بيانات أكبر وأقوى لتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي المستقبلية، يقدم CrankGPT رؤية معاكسة تمامًا، ذكاء اصطناعي صغير الحجم، محلي التشغيل، يحافظ على خصوصية المستخدم، ويعمل بالطاقة التي ينتجها الإنسان بنفسه.





