في تحول قد يُعيد تشكيل مستقبل الإنترنت وصناعة الإعلام العالمية، بدأت جوجل تنفيذ واحدة من أكبر التغييرات في تاريخ محرك البحث منذ إطلاقه قبل أكثر من ربع قرن. فبدلاً من توجيه المستخدمين إلى المواقع الإلكترونية ومصادر المعلومات الأصلية، تتجه الشركة تدريجيًا نحو تقديم إجابات جاهزة ومُلخصات مولدة بالذكاء الاصطناعي، ما يثير مخاوف متزايدة بشأن مستقبل الصحافة الرقمية وقدرة المؤسسات الإخبارية على البقاء.
وخلال مؤتمر المطورين السنوي الذي عقدته الشركة في مايو الماضي، كشفت جوجل عن رؤية جديدة للبحث تعتمد بشكل أساسي على الذكاء الاصطناعي. وبموجب هذه الرؤية، لم يعد محرك البحث مجرد بوابة تقود المستخدم إلى المواقع والمقالات والدراسات المختلفة، بل أصبح منصة تقدم الإجابات مباشرة داخل صفحة البحث نفسها، مع عدد محدود من الروابط التي تختارها خوارزميات الذكاء الاصطناعي.
ويعني هذا التحول عمليًا أن ملايين المستخدمين قد يحصلون على المعلومات التي يبحثون عنها دون الحاجة إلى زيارة المواقع التي أنتجت هذه المعلومات في الأصل، وهو ما يهدد أحد أهم مصادر الزيارات والإيرادات التي تعتمد عليها المؤسسات الإعلامية حول العالم.
من اقتصاد الروابط إلى اقتصاد الإجابات
على مدار أكثر من عقدين، قامت العلاقة بين جوجل ووسائل الإعلام على معادلة واضحة؛ تنتج المؤسسات الصحفية المحتوى، بينما يوفر محرك البحث للقراء وسيلة للوصول إليه. لكن مع ظهور أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، بدأت هذه المعادلة تتغير جذريًا.
فميزة “AI Overviews” التي أطلقتها جوجل عام 2024، ثم “AI Mode” التي توسعت خلال 2025، تمثلان بداية مرحلة جديدة يتحول فيها محرك البحث من وسيط للمعلومات إلى منتج مباشر للإجابات. وفي هذه البيئة الجديدة، تصبح الروابط التقليدية أقل ظهورًا، بينما تتصدر الملخصات التي ينتجها الذكاء الاصطناعي نتائج البحث.
ويرى خبراء إعلاميون أن هذه الخطوة قد تؤدي إلى تراجع كبير في حركة المرور القادمة من محركات البحث إلى المواقع الإخبارية، خصوصًا المؤسسات المستقلة والمتخصصة التي تعتمد بشكل أساسي على الزيارات العضوية لجذب القراء وتحقيق الإيرادات.

تهديد مباشر للنموذج الاقتصادي للصحافة
تعتمد معظم المؤسسات الإخبارية الرقمية على مزيج من الإعلانات والاشتراكات والتبرعات، وجميعها ترتبط بشكل مباشر بعدد الزوار. لذلك فإن أي انخفاض حاد في حركة المرور قد ينعكس فورًا على الإيرادات والقدرة التشغيلية لغرف الأخبار.
ويستشهد مراقبون بما حدث سابقًا عندما غيرت منصات التواصل الاجتماعي خوارزمياتها، خاصة فيسبوك، وأعطت أولوية أكبر للمحتوى الشخصي على حساب المحتوى الإخباري. وقد أدى ذلك آنذاك إلى تراجع كبير في أعداد الزوار الذين تصلهم الأخبار عبر المنصة، ما تسبب في خسائر واسعة للعديد من المؤسسات الإعلامية.
واليوم، يخشى ناشرون أن يتكرر السيناريو نفسه ولكن على نطاق أوسع، نظرًا لأن جوجل تمثل بالنسبة للعديد من المواقع المصدر الأكبر للزيارات مقارنة بأي منصة أخرى.
هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يحل محل الصحفيين؟
رغم أن بعض المؤسسات الإعلامية بدأت بالفعل في توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي لإنتاج المحتوى وتقليل التكاليف، فإن التجارب التي ظهرت حتى الآن كشفت عن مشكلات كبيرة تتعلق بالدقة والمصداقية.
فخلال العام الماضي، أثارت عدة مؤسسات إعلامية جدلًا واسعًا بعد نشر محتوى مولد آليًا تضمن معلومات غير صحيحة أو مصادر غير موجودة. وفي بعض الحالات، تم استخدام شخصيات وصور افتراضية لتوقيع مقالات أنتجتها أنظمة الذكاء الاصطناعي دون تدخل بشري حقيقي.
ويرى متخصصون أن الذكاء الاصطناعي قادر على تلخيص المعلومات وإعادة صياغتها، لكنه لا يستطيع تعويض الدور الأساسي للصحفي في التحقيق والتدقيق والتحقق من الحقائق ومساءلة أصحاب القرار. كما أن النماذج الحالية لا تزال عرضة للأخطاء والهلاوس المعلوماتية التي قد تجعلها تقدم إجابات تبدو مقنعة لكنها غير دقيقة.
أزمة الثقة والمساءلة
أحد أبرز التحديات التي تثيرها ملخصات الذكاء الاصطناعي يتمثل في غياب المساءلة التحريرية. فعندما ينشر موقع إخباري معلومة خاطئة، توجد جهة واضحة يمكن محاسبتها أو مطالبتها بالتصحيح. أما عندما ينتج الذكاء الاصطناعي ملخصًا يتضمن أخطاء أو معلومات مضللة، يصبح تحديد المسؤولية أكثر تعقيدًا.
وتشير دراسات حديثة إلى أن نماذج الذكاء الاصطناعي لا تزال ترتكب أخطاء واقعية بصورة متكررة، خصوصًا عند التعامل مع القضايا السياسية والقانونية والانتخابية. كما أن بعض الدراسات أظهرت أن هذه الأخطاء غالبًا ما تُقدم بثقة عالية، ما يزيد من احتمالات تصديقها من قبل المستخدمين.
جمهور لا يفضل الأخبار من الروبوتات
ووفقا لتقرير موقع truthout فإنه على الرغم من الاستثمارات الضخمة التي تضخها شركات التكنولوجيا في أدوات الذكاء الاصطناعي، فإن المؤشرات الحالية لا تظهر حماسًا مماثلًا من جانب الجمهور للحصول على الأخبار عبر روبوتات الدردشة.
فبحسب استطلاعات رأي حديثة، لا يزال أغلب المستخدمين يفضلون الحصول على الأخبار من المؤسسات الإعلامية والصحفيين بدلاً من الاعتماد على أنظمة الذكاء الاصطناعي. كما أقر عدد كبير من مستخدمي هذه الأدوات بصعوبة التحقق من صحة المعلومات التي تقدمها، وبتعرضهم أحيانًا لمحتوى غير دقيق أو مضلل.
تهديد وجودي للصحافة المستقلة
المخاوف الأكبر تتعلق بالمؤسسات الإخبارية المستقلة والمتخصصة التي تعتمد على محركات البحث للوصول إلى جمهورها. ففي حال تراجعت الزيارات القادمة من جوجل بشكل كبير نتيجة انتشار الملخصات الذكية، قد تجد هذه المؤسسات نفسها أمام ضغوط مالية غير مسبوقة، تشمل تقليص غرف الأخبار، وخفض النفقات، وتسريح الصحفيين، أو حتى الإغلاق الكامل.
ويرى مراقبون أن مستقبل الصحافة خلال السنوات المقبلة لن يتحدد فقط بقدرة المؤسسات الإعلامية على التكيف مع الذكاء الاصطناعي، بل أيضًا بقدرة شركات التكنولوجيا الكبرى على تحقيق توازن بين الابتكار وحماية النظام البيئي للمحتوى الذي تعتمد عليه هذه الأدوات في المقام الأول.
وفي الوقت الذي تتسابق فيه شركات التكنولوجيا نحو مستقبل تقوده نماذج الذكاء الاصطناعي، يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: إذا توقفت المؤسسات الصحفية عن إنتاج الأخبار بسبب تراجع مواردها، فمن أين ستحصل أنظمة الذكاء الاصطناعي على المعلومات التي تعتمد عليها لتوليد إجاباتها.









