لم تكن قصة الذكاء الاصطناعي في مصر يوماً قصة استثمارات أو تقنيات فحسب، بل كانت، قبل كل شيء، قصة كفاءات بشرية. فمصر تمتلك أكبر قاعدة من المواهب في العالم العربي، وأحد أكبر تجمعات المهندسين والمتخصصين في المنطقة، إلى جانب رؤية وطنية واضحة تجسدت في الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي ورؤية مصر 2030، وجهود وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات التي رسخت مكانة مصر كمركز إقليمي متنامٍ للابتكار الرقمي.
واليوم، ومع الاحتفال باليوم العالمي للذكاء الاصطناعي، تبرز فرصة جديدة أمام المؤسسات المصرية للاستفادة من أول معيار عالمي معتمد لإدارة الذكاء الاصطناعي في المحافظ والبرامج والمشاريع، والذي أصدره معهد إدارة المشاريع (PMI) واعتمدته المعهد الأميركي للمعايير الوطنية (ANSI). ويوفر هذا المعيار إطاراً عملياً يساعد المؤسسات على تطبيق الذكاء الاصطناعي بصورة مسؤولة وقابلة للتوسع، مع ضمان الحوكمة وإدارة المخاطر وتحقيق القيمة.
تبنٍ سريع… وحوكمة لا تزال متأخرة
تكشف أحدث الدراسات العالمية عن مفارقة واضحة. فوفقاً لأبحاث دولية حديثة، تستخدم 88% من المؤسسات الذكاء الاصطناعي في وظيفة واحدة على الأقل، إلا أن أربعة من كل خمسة مؤسسات لا تزال تفتقر إلى أطر ناضجة لحوكمة هذه التقنيات.
كما تشير الدراسات إلى أن 83% من المؤسسات بدأت بالفعل في تبني حلول الذكاء الاصطناعي، بينما لا يمتلك سوى 31% منها سياسات رسمية تنظم استخدامه. والأهم من ذلك، أن ما بين 70% و85% من مبادرات الذكاء الاصطناعي لا تحقق النتائج المرجوة، غالباً بسبب غياب الحوكمة الواضحة وآليات التنفيذ المنظمة.
ومن هنا يأتي معيار PMI ليقدم إطاراً عملياً يساعد المؤسسات على سد هذه الفجوة وتحويل الذكاء الاصطناعي من تجارب متفرقة إلى مبادرات مؤسسية تحقق نتائج ملموسة.
الذكاء الاصطناعي يتقدم… لكن بدون لغة مشتركة
شهدت السنوات الأخيرة انتقال النقاش حول الذكاء الاصطناعي من مرحلة التخوف إلى مرحلة جديدة عنوانها التحدي في الإدارة والتنفيذ.
فالفرق التقنية تستخدم الذكاء الاصطناعي بالفعل، لكن كثيراً منها يعمل دون معايير موحدة أو أطر واضحة للمساءلة والحوكمة.
ويظهر ذلك في العديد من السيناريوهات اليومية؛ سواء لدى الشركات الناشئة التي تطور حلولاً تعتمد على الذكاء الاصطناعي دون إطار واضح للمساءلة، أو لدى المؤسسات التي تنفذ مشاريع تجريبية دون وجود مرجعية معتمدة لإدارة المخاطر، أو حتى داخل المشاريع الحكومية الكبرى التي بدأت تعتمد على أدوات الذكاء الاصطناعي في اتخاذ القرار.
وهذه ليست مشكلة نقص في القدرات، بل نتيجة طبيعية لسرعة تطور التقنيات مقارنة بسرعة تطور أطر الحوكمة.
إطار عالمي يتناسب مع طموحات مصر
يرتكز معيار PMI للذكاء الاصطناعي على ثلاثة محاور رئيسية.
فهو يبدأ بثمانية مبادئ أساسية تشمل تحقيق القيمة الاستراتيجية، وإدارة المخاطر، والحوكمة، والاعتبارات الأخلاقية، وإدارة أصحاب المصلحة، وجودة البيانات، وتطوير الكفاءات، والتحسين المستمر.
كما يقدم خمسة مجالات أداء تغطي مختلف مراحل تنفيذ مبادرات الذكاء الاصطناعي، بدءاً من التخطيط والتصميم، مروراً بالتطوير والتشغيل، وصولاً إلى المراقبة والتقييم وإنهاء دورة حياة الأنظمة.
إلى جانب ذلك، يوفر المعيار أدوات تطبيقية ونماذج عملية تساعد المؤسسات على تحديد الأولويات، وإدارة التغيير، وقياس الأداء، واتخاذ القرارات بصورة أكثر كفاءة.
ويمنح هذا الإطار المؤسسات المصرية لغة مشتركة لحوكمة الذكاء الاصطناعي، وهي اللغة التي أصبحت مطلوبة بشكل متزايد من قبل المستثمرين والمؤسسات الدولية والشركاء الإقليميين عند تقييم المشاريع القائمة على الذكاء الاصطناعي.
أهمية خاصة للمشروعات الوطنية الكبرى
تزداد أهمية هذا المعيار بالنسبة للمشروعات القومية الضخمة التي تعتمد على التقنيات الذكية، وفي مقدمتها العاصمة الإدارية الجديدة، التي تعد من أكبر مشاريع التنمية الحضرية في إفريقيا، وتعتمد على حلول ذكية في التخطيط وإدارة البنية التحتية والخدمات.
وفي مثل هذه المشاريع، تصبح أسئلة الحوكمة أساسية: من يتحمل مسؤولية القرارات التي يقترحها الذكاء الاصطناعي؟ ومتى يصبح التدخل البشري إلزامياً؟ وكيف يتم ضمان الشفافية والمساءلة؟
ويجيب معيار PMI عن هذه الأسئلة من خلال التأكيد على مبدأ “الإنسان في دائرة اتخاذ القرار” في جميع مراحل دورة حياة الذكاء الاصطناعي، بما يضمن بقاء المسؤولية النهائية بيد الإنسان، مع توفير آليات واضحة للتواصل بين فرق العمل والجهات الحكومية والقانونية والمالية والشركاء الدوليين.
اعتماد دولي يعزز تنافسية المؤسسات المصرية
يحمل اعتماد المعيار من قبل المعهد الأمريكي للمعايير الوطنية (ANSI) أهمية خاصة للمؤسسات المصرية، إذ أصبحت المشاريع الممولة من المؤسسات الدولية أو المنفذة بالشراكة مع الجهات الإقليمية والعالمية تشترط بصورة متزايدة الالتزام بمعايير حوكمة معترف بها دولياً.
وبذلك، يوفر معيار PMI للمؤسسات والمتخصصين في مصر مرجعية عالمية تساعدهم على تعزيز تنافسيتهم والمشاركة في مشاريع دولية تتطلب أعلى مستويات الحوكمة.
كما أن المعيار متاح مجاناً لأعضاء معهد إدارة المشاريع (PMI)، ما يجعل تبنيه أكثر سهولة من أي وقت مضى.
فرصة تتجاوز السوق المحلية
تمتلك دول الخليج الموارد والاستثمارات التي مكنتها من التوسع السريع في تطبيقات الذكاء الاصطناعي، لكن مصر تمتلك فرصة مختلفة لا تقل أهمية؛ وهي أن تصبح نموذجاً إقليمياً في بناء منظومة تعتمد على الكفاءات البشرية والحوكمة الرشيدة معاً.
ومع وجود عشرات كليات الهندسة التي تخرج آلاف المتخصصين سنوياً، تمتلك مصر المقومات ليس فقط لتبني هذا المعيار، بل أيضاً للمساهمة في تطوير المعايير العالمية المستقبلية الخاصة بحوكمة الذكاء الاصطناعي.
ويتماشى ذلك مع الدعوات الدولية، ومنها ما أكده مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان في عام 2026، بضرورة أن تقوم حوكمة الذكاء الاصطناعي على مبادئ الشفافية والمساءلة والإشراف البشري، وهي المبادئ التي يشكلها معيار PMI في إطار عملي قابل للتطبيق.
المستقبل يبدأ من الحوكمة
الهدف الأساسي لمعيار PMI واضح: مساعدة المؤسسات على الانتقال من تجارب متفرقة في الذكاء الاصطناعي إلى تطبيقات مؤسسية قابلة للتوسع، تحقق القيمة، وتدير المخاطر، وتعزز الثقة، وتوحد فرق العمل.
لقد امتلكت مصر دائماً الكفاءات البشرية. ووضعت استراتيجيتها الوطنية مبكراً. واليوم أصبحت تمتلك أيضاً إطاراً عالمياً معترفاً به لتنظيم هذا التحول.
ويبقى السؤال: من سيكون أول من يستثمر هذه الفرصة؟
هاني الشاذلي
المدير التنفيذي لمعهد إدارة المشاريع (PMI) في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا





